إنَّ سجع الحَمام في الأسحارِ
الأبيات 81
إنَّ سـجع الحَمـام فـي الأسـحارِ وَهبـوب النَّسـيم بعـد القطـارِ
وَبَريــق النـدى عَلـى الأزهـارِ وَخَريـر المـاء الـزلال الجاري
موحيـــات إِلـــيَّ بالأشـــعارِ
فـإذا مـا دَعـا الحمام هديلا ســحراً وَالنَســيم هــب بليلا
وَأَرانـي النـدى ميحيّـاً صَقيلا وَجـرى المـاء حيث ألفى مسيلا
جـاشَ شـدو بالشـعر في أفكاري
فـــترنمت كــالطيور صــباحا بغنـــاء يمـــازج الأرواحــا
ذاكَ سـر الهوى به القلب باحا في نَشيد يولي النفوس ارتياحا
قَــد تعلمتــه مــن الأطيــار
حبـذا الـروض في زَمان الرَبيع إن حسـن الأزهـار فيـه طَـبيعي
مـرَّ فيـه النَسـيم غيـر سـَريع فـوقَ سـطح مثـل السـماء بَديع
فيـه تَزهـو النجـوم بـالأنوار
وَشـدا الطيـر منشـداً بالبديه غـــزلاً رائقــاً تفنَّــن فيــه
إيـه يـا طيـر إيه أَحسنت إيهِ إن لحنـاً فـي الـروض تُسمِعُنِيه
هُـوَ أَحلـى مـن نغمـة الأوتـار
اشـدُ يـا طيـر لا تعـدّاك خَيـرُ صـوتك القصـد فاِعتمـد لا غيـرُ
لا تخــف مـا عليـك منـي ضـيرُ أَنـا أَيضـا يـا طير مثلك طيرُ
قَلَمـي فـي شـدو الهوى منقاري
لسـت أَنسى فيما سمعت الهزارا إنــه كــان فاتنــاً ســحّارا
صـاح فـي الروض صيحة ثم طارا فكــأَنَّ الهــزار أَضـرم نـارا
عنـد مـا صاح في حشى الجلَّنار
وأَعـاد الشـحرور أَلحـان وجـدِ طـائراً مـن نهـد هنـاك لنهـدِ
بيــن نبـتٍ يضـوع عرفـاً ووردِ مــن خزامَــى وَياسـمينٍ ورنـد
وَشــــَقيقٍ وَنرجـــسٍ وعـــرار
وَنحـا العَنـدَليب دعصـاً جَميلا عقــد الزهــر فــوقه إكليلا
فَتَـــدانى منـــه قَليلا قَليلا وَتلافــى الغَـرام فصـلاً طَـويلا
بــان تــأَثيره عَلـى الأزهـار
وأتــى زهــرة تــألَّقُ زهــوا فأطـــالا تناجيــاً بالشــكوى
ثـم غنـى وَقالَ في الوصف شدوا موقـف جـامعي ومـن أَنـا أهوى
طــالَ فيـه عتـابه واعتـذاري
قــرب جوريــة يفــوح شـذاها ذات لـون مـن السـماء أَتاهـا
فـي شـعاع للشـمس طبـق هواها قبلــت فـاه وَهـوَ قبـل فاهـا
لتلاقٍ مــن بعـد شـحط المـزار
زار إذ ذر قرنهــا فـي الأفْـقِ ترمـق الـروض من أَقاصي الشرقِ
فزهـا مـا فيـه بـذاك الرَّمْـقِ مــن ورود حمــرٍ وصــفرٍ وزرقِ
أَظهـرت مـا للنـور مـن أَسرار
إن حسـن الرَبيـع للعيـن فاتنْ كَـم بـه من زهر كثير المحاسنْ
غيـر أن الزَمـان يا قوم خائنْ فلأزهــــاره جمـــال ولكـــنْ
هـــي آه قصـــيرة الأعمـــار
حبـذا الـروض إنـه قـد تزيَّـنْ ببهـــار وأقحـــوان وسوســنْ
زرتـه فـي الصـباح حيـن تبينْ وأطلـت الجلـوس فيـه إلـى أن
صـعدت فـي السماء شمس النهار
حيـث فَـوقي للسـرو ظـلٌّ ظَليـلُ وَعَلــى السـرو للحمـام هَـديلُ
وَبســاط للزهــر تحـتي خميـل وأمـــامي روض نضــير جَميــل
وَغَــدير للمــاء عنـد يَسـاري
وَبــذات اليَميــن منـي تَفـورُ عيـــن مــاء كــأنه بللــورُ
ذاب لطفـاً فـاِهتز فيـه النور وَعلـى العيـن وهـيَ تجري طيور
رفرفــت مــن فـواختٍ وَقمـاري
إذ تمشــَّت ريـحٌ تريـدُ وصـولا لغصـونٍ بسـقن فـي البعد طولا
فتخطـــت بنفســـجاً مطلــولا ثــم مـرَّت عجْلـى تجـرُّ ذيـولا
فــوقَ مـاء يَسـيل فـي أنهـار
عـبرته حـتى اِلتقـت بالغصـونِ ولـوت مـن أعطافهـا والمتـونِ
فبكـت مـن حـزن عليهـا عيوني يـا بنـات النبـات هجت شجوني
بتلويــك اليـوم فـي الأشـجار
يـا بَنـات النبـات رعتِ حَياتي إذ تـأوَّدت يـا بَنـات النبـاتِ
ليـت مـا فيـك من أذاة بذاتي بـأبي أَنـتَ فاِهـدئي مـن بنات
تنحنــي للهـوى بكـل انكسـار
وَالقمــاريّ حاضــناتٌ فروعــا مبـــديات بســـجعهن خشــوعا
يتشــاكين بينهــن الولوعــا وأنــا صــامت أصــب دموعــا
هـنَّ منـي عَلـى الخـدود جواري
وَتغنــى بعــض الحمـام غنـاءَ ذا فنــون أَجادهــا مـا شـاءَ
فَشــكا فـي غضـونها البرحـاء وَبَكــى واِســتثار منـي بكـاء
لـم يكن منع فيضه في اِقتداري
إنمــا يـا حمـام جـددت دائي بالَّـذي قَـد رجعتـه مـن غنـاء
لَـم تَبكـي مفتشـاً فـي السَماء أَو هَـل يـا حمـام إلفـك نائي
ولـه أَنـتَ جـاثم فـي اِنتظاري
قـالَ وَالقَـول مـن حمـام هَديرُ طـارَ صـبحاً إلفـي وَلسـت أطيرُ
قـد رَمـاني ظلمـاً بسـهم شرير فَجنــاحي بمــا رَمـاني كَسـير
فأنــا جــاثمٌ هنـا باضـطرار
إننـي قـد بسـطت واضـح عـذري فأفـدني خبْـراً بمـا لست أَدري
إن أحبابــك اِســتقلوا بفجـر فَلِمـاذا وَالحـب بـالمرء مغري
مـاكِث أنـت بعـدهم في الديار
إن مـن كـانَ بيـن جنـبيه قلبُ مــا كـذا يصـرم الَّـذين يحـبُّ
لَيـسَ ينسـى الأحبـاب من هو صبُّ إن دعـــواك للمحبـــة كــذْبُ
هُـوَ مـن صـبغة الحَقيقـة عاري
قـد كـذبت الهوى فَما أَنت إلا مـدَّعٍ لَيـسَ يتبـع القَـول فعلا
رحلـوا ثـم لَـم تَـزَل أَنت حلا أَنـتَ لَـو كنت في الحَقيقة خلا
لتتبَّعتهـــم عَلـــى الآثـــار
حــوِّلن يــا حمـامُ ظنَّـك عنـي فالَّــذي قــد ظننـت آثـمُ ظـنِّ
يــا حمــام اتئد وَلا تتَّهمنـي أَنــا مــأمور بالمقـام لأنـي
بَيـنَ قَـومي مـن مطلقي الأفكار
جميل صدقي الزهاوي
956 قصيدة
1 ديوان

جميل صدقي بن محمد فيضي بن الملا أحمد بابان الزهاوي.

شاعر، نحى منحى الفلاسفة، من طلائع نهضة الأدب العربي في العصر الحديث، مولده ووفاته ببغداد، كان أبوه مفتياً، وبيته بيت علم ووجاهة في العراق، كردي الأصل، أجداده البابان أمراء السليمانية (شرقي كركوك) ونسبة الزهاوي إلى (زهاو) كانت إمارة مستقلة وهي اليوم من أعمال إيران، وجدته أم أبيه منها. وأول من نسب إليها من أسرته والده محمد فيضي. نظم الشعر بالعربية والفارسية في حداثته. وتقلب في مناصب مختلفة فكان من أعضاء مجلس المعارف ببغداد، ثم من أعضاء محكمة الاستئناف، ثم أستاذاً للفلسفة الإسلامية في (المدرسة الملكية) بالآستانة، وأستاذاً للآداب العربية في دار الفنون بها، فأستاذاً في مدرسة الحقوق ببغداد، فنائباً عن المنتفق في مجلس النواب العثماني، ثم نائباً عن بغداد، فرئيساً للجنة تعريب القوانين في بغداد، ثم من أعضاء مجلس الأعيان العراقي، إلى أن توفي. كتب عن نفسه: كنت في صباي أسمى (المجنون) لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولي (الجرىء) لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بآرائي الفلسفية، له مقالات في كبريات المجلات العربية.

وله: (الكائنات -ط) في الفلسفة، و(الجاذبية وتعليها -ط)، و(المجمل مما أرى-ط)، و(أشراك الداما-خ)، و(الدفع العام والظواهر الطبيعية والفلكية-ط) صغير، نشر تباعاً في مجلة المقتطف، و(رباعيات الخيام-ط) ترجمها شعراً ونثراً عن الفارسية. وشعره كثير يناهز عشرة آلاف بيت، منه (ديوان الزهاوي-ط)، و(الكلم المنظوم-ط)، و(الشذرات-ط)، و(نزغات الشيطان-خ) وفيه شطحاتة الشعرية، و(رباعيات الزهاوي -ط)، و(اللباب -ط)، و(أوشال -ط).

1936م-
1354هـ-

قصائد أخرى لجميل صدقي الزهاوي

جميل صدقي الزهاوي
جميل صدقي الزهاوي

البيتان من مجزوء الرمل، وفهمي في البيت الثاني المرحوم فهمي المدرس وكان قد دعاه إلى حفلة بحضور الملك، فلم يحسن اختيار مقعد له في جوار الملك فارتجل البيتين، فرد عليه فهمي بقوله: