الأبيات 44
حيَـاكم اللـه أيهـا العـرب فاسـتمعوا لـي فقصـّتي عجـب
قــد بِتّهــا ليلــة مُطَّولـة يَعقِـد جَفنـي بنجمهـا الوَصَب
أنجمهـا الزُهـر غيـر سائرة كأنمــا كــل كــوكب قُطُــب
تحســَبني فـي مضـاجعي حَسـَك يقلبنـــي وخــزه فــأنقلب
أمشـي إلى النوم وهو منهزم مَشــيِي دبيــب ومشـيه خَبَـب
حتى بدا الفجر لي وقد طفِقت تغـرق فـي فيـض نوره الشهب
عنــدئذ خَــدَّر الأسـى عَصـَبي فنِمـت والنـوم جـرّه التعـب
فطــاف بــي طـائف لرَوْعتـه يرتجـف القلـب وهـو مُرتعِـب
رأيتنــي قائمـاً علـى نَشـَزٍ مـن شـاحل البحر وهو مضطرب
والأفـــق محمــرّة جــوانبه كأنمــا الجــوّ ملـؤه لَهَـب
وفـي عنـان السماء قد طلعت أهِلّــة فــي إزائهــا صـُلُب
والأرض قـد بُعثِـرت ضـرائحها مكشــوفة لا تغمّهــا التُـرَب
والمـوت كـالكبش في جوانبه يرعــى نفوسـاً كأنهـا عُشـُب
وبيـن تلـك القبـور غانيـة يلمـع فـي حُـرّ وجهها الحسب
لهــا جــبين كــأنه قمــر تحــت شـعور كأنهـا الـذهب
ووجنـــة بــاللطم داميــة وســاعد بالــدماء مختضــِب
قـد أذبل الجوع ورد وجنتها فاصـفرّ وامتـصّ مـاءه اللَغَب
شاخصـة الطـرف وهـي جاثيـة تحملهـا دون سـوقها الرُكَـب
حاسـرة الـرأس غيـر ناطقـة إلا بــــدمع لســــانه ذَرِب
فلحظهــا فـوق رأسـها صـُعُدٌ ودمعهــا تحـت رجلهـا صـَبَب
مكتوفــة السـاعدين منكسـرٌ مِــن حَــزَن طرفهـا ومكـتئب
قد وتَّدُوا القَيد في مُخَلخَلها ومــــدّدوه كـــأنه طُنُـــب
تــرى خُدوشـاً علـى مُقَلَّـدها كأنهــا فــي صــفيحة شـُطَب
وحولهـــا أنفـــس مصــرَّعة يسـرح فيهـا ويمـرح العَطَـب
واحتَوَشـــَتها كلاب مَجـــزَرة مهترشــات يَهيجهــا الكَلَـب
تنهشـــها تــارةً وآوانَــةً تنبــح مـن حولهـا وتصـطخب
وفوقهـا الطيـر وهـي حائمة تبعــد مـن رأسـها وتقـترب
بيـض المنـاقير ذات أجنحـة خُضــر وريــش كـأنه العُطُـب
يَقـــدُمها طــائر قــوادمه تلمـع كـالبرق حيـن يلتهـب
تضــطرب الأرض والسـماء لـه إذا غــدا بالجَنـاح يضـطرب
وقفــت أرنـو إلـى ملامحهـا ووجههــا بالــدموع منتقـب
حــتى تعلّمــت أن ســَحْنَتَها للعــرب الأكرميــن تنتســب
وبينمـا كنـت ممعنـاً نظـري فيهـا وقلـبي كقلبهـا يجـب
إذ هاتف في السماء يهتِف بي كــأنه فـي الغمـام مُحتَجِـب
يقــول لــي إنهـا طرابُلُـس تبكـي علـى أهلهـا وتنتحـب
وهـذه الطيـر حيـث تُبصـرها محمــد والصــحابة النُجُــب
فتلــك رؤيـاي غيـرَ كاذبـة فهـل تُغيثـون أيهـا العـرب
يـا شـيخ رومـا ومَن لرايته وتـــاجه ينتمــي وينتســب
لسـت ولا قومـك اللئام بمَـن تُعــــرف أمّ لمثلهـــم وأب
وإنمــا أنتــم بنــو زمـن إذا ذكرنــاه تخجـل الحقـب
برومــة قبــل وهـي مبوَلـة بـالكم الـدهر وهـو مُغـترِب
فعشـتم فـي الـورى سواسـيةً لا حســــب عنـــدكم ولا أدب
مـا أوقـد الدهر نار مُخزية إلاّ وأنتــم لنارهــا حَطَــب
أغســل شــعري إذا هجـوتكم لأنــه مــن هجــائكم جُنُــب
معروف الرصافي
247 قصيدة
1 ديوان

معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي.

شاعر العراق في عصره، من أعضاء المجمع العلمي العربي (بدمشق)، أصله من عشيرة الجبارة في كركوك، ويقال إنها علوية النسب.

ولد ببغداد، ونشأ بها في الرصافة، وتلقى دروسه الابتدائية في المدرسة الرشيدية العسكرية، ولم يحرز شهادتها.

وتتلمذ لمحمود شكري الآلوسي في علوم العربية وغيرها، زهاء عشر سنوات، واشتغل بالتعليم، ونظم أروع قصائده، في الاجتماع والثورة على الظلم قبل الدستور العثماني.

ورحل بعد الدستور إلى الأستانة، فعين معلماً للعربية في المدرسة الملكية، وانتخب نائباً عن (المنتفق) في مجلس (المبعوثان) العثماني.

وانتقل بعد الحرب العالمية الأولى إلى دمشق سنة (1918)، ورحل إلى القدس وعين مدرساً للأدب العربي في دار المعلمين بالقدس، وأصدر جريدة الأمل يومية سنة (1923) فعاشت أقل من ثلاثة أشهر، وانتخب في مجلس النواب في بغداد.

وزار مصر سنة (1936)، ثم قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني ببغداد فكان من خطبائها وتوفي ببيته في الأعظمية ببغداد.

له كتب منها (ديوان الرصافي -ط) (دفع الهجنة - ط)

(محاضرات في الأدب العربي - ط) وغيرها الكثير.

1945م-
1364هـ-

قصائد أخرى لمعروف الرصافي

معروف الرصافي
معروف الرصافي

القصيدة ليست في الديوان وقد رأيت مهتمين بشعر الرصافي يتداولونها فأضفتها للموسوعة اليوم 21 / 3/ 2020