أيّ مُضنَى يَمُدّها بالكتئاب
الأبيات 153
أيّ مُضــنَى يَمُــدّها بــالكتئاب أنّـةً تـترك الحشـا فـي التهاب
يتشــكّى والليــلَ وحْـف الاهـاب ضــمن بيـت جثـا علـى الأعقـاب
صــفقته فمــال كــفّ الخــراب
تسـمع الأُذن منـه صـوتاً حزينـاً راجفـاً فـي حشـا الظلام كمينـا
يملأ الليــل بالــدعاء أنينـا ربّ كـن لـي علـى الحياة معينا
ربّ أن الحيــاة أصــل عــذابي
وجــع فــي مفاصــلي دقّ عظمـي ودهــاني ولــم يَــرِقّ لعُــدمي
عـاقني عـن تكسـُّبي قـوت يـومي ربّ فــارحم فقـري بصـحة جسـمي
أن فقــري أشــدّ مــن أوصـابي
يـا طبيبـاً وأيـن منـي الطبيب حــال دون الطـبيب فقـر عصـيب
لا أصــاب الفقيــرَ داءٌ مصــيب أن ســُقم الفقيــر شــئ عجيـب
بطلــت فيــه حكمــة الأســباب
رجـــل معُســِر يســمى بشــيرا كـان يسـعى طـول النهار أجيرا
كاســباً قُــوته زهيـداً يسـيرا مالكـاً فـي المَعاش قلباً شكورا
راجيـاً فـي المَعـاد حسُن المآب
عـال أختـاً حَكَتـه خُلْقـاً نزيها عانســاً جـاوز الـزواج سـِنِيها
لزِمــت بيــت أمهــا وأبيهــا مـع أخيهـا تعيـش عنـد أخيهـا
مثلــه فــي طعــامه والشـراب
كــلَّ يــوم لــه ذهـاب ومَـأتَي فــي معــاش مــن كـدّه يتـأتّى
هكــذا دأبــه مَصــيفاً ومَشـتَى فــاعتراه داء المفاصــل حـتى
عــاقه عــن تعيّــش واكتســاب
بينمـا كـان فـي قـواه صـحيحا سـاعياً فـي ارتزاقـه مسـتميحا
إذ عـراه الضـَنَى فعـاد طَليحـا ورمتــه يــد الســقام طريحـا
جسـمه مـن سـقامه فـي اضـطراب
بـات يبكـي إذا لـه الليل آوى بعُيــون مــن الســهاد نَشـاوى
فــترى وهــو بالبكـا يتـداوى قطــراتٍ مــن عينــه تتهــاوى
كشـــهاب يَنقــضّ أثــر شــهاب
أن ســُقما بــه وعــدماً ألمّـا تركــاه يــذوب يومــاً فيومـا
فهو حيناً يشكو إلى السقم عُدما وهو يشكو حيناً إلى العدم سقما
باكيــاً مـن كليهمـا بانتحـاب
ظـلّ يشـكو للأخـت ضـَعفا وعَجـزا إذ تُعزّيـــه وهـــو لا يتعــزّى
أيهــا الأخــت عـزّ صـبريَ عـزّا أنّ للـداء فـي المفاصـل وخـزا
مثـل طعـن القنـا ووخز الحراب
قـد تمـادى بـه السـقام وطالا وتــراءى لــه الشـفاء مُحـالا
إذ قُلابـاً بـه السـقام استحالا كــان هَيْنـاً فصـار داءً عُضـالا
ناشــباً فـي الفـؤاد كالنُشـّاب
ظــلّ مُلقـىً وأعـوزته المطـاعم مُوثَقــاً مــن سـقامه بـالأداهم
مُنفِقــاً عنـد ذاك بعـض دراهـم رَبِحَتهـا مـن غزلهـا الأخت فاطم
قبـل أن يُبتَلـى بهـذا المُصـاب
قـال والأخـت أخـبرته بـأن قـد كَرَبــت عنـدها الـدراهم تَنْفَـد
أخــبري الســقم علّــه يتبعّـد أيهـا السـقم خـلِّ عيشي المُنَكّد
لا تعُقنـي فـي عيشـتي عـن طلابي
مرّضـــيني شـــقيقتيِ مرّضــيني وعلـى الكسـب فـي غـد حَرِّضـيني
وإذا مَســَّك الطَــوىَ فارفُضـيني أو علـى الناس للمبيع اعرِضيني
علّهــم يشــترونني ممــا بــي
رام خـبزاً والجوع أذكى الاُوارا فــي حشــاه فعلَّلَتـه انتظـارا
ثـم جاءت بالماء تُبدي اعتذارا وهـل المـاء وهـو يُطفـئ نـارا
يطفـئ الجـوع ذاكياً في التْهاب
خرجــت فــاطم إلــى جارتَيْهـا ويـه تُـذري الدموع من مُقلتيها
فأبـــانت برِقّـــة حالتيهـــا مــن سـقام ومـن سـُعاد لـديها
وشــَكَت بعــدَ ذا خُلُـوّ الوِطـاب
فــانثنَت وهــي بيــن ذُلّ وعـزّ تحمـل التمـر فـي يـدٍ فوق خبز
وبـــأخرى ســـَمناً وبعــض أرُزّ منحوهـا بـه وذو العـرش يَجـزى
مَـن أعـان الفقيـر حسن الثواب
ليلــةٌ تَنْشــُر العواصـفُ ذُعـرا فـي دجاهـا حيث السحاب اكْفَهَرّا
ذا هَزِيـم يَمُـجّ فـي الأذن وقـرا حيـن تُبـدي صـوالجَ البرق تترى
كهربائيــةٌ ســَرَت فـي السـحاب
مـدّ فيهـا ذاك المريـض الأكُفّـا فـي فـراش بـه على الموت أوفى
طرفــه كالســُها يَـبين ويَخْفَـى حيـث يُغضـي طرفـاً ويفتـح طرفا
عـــاجزاً عــن تكلُّــم وخطــاب
فـدَعَتْه والعيـن تُـذري الدموعا اختــه وهـي قلبهـا قـد ريعـا
يــا أخـي أنـت سـاكت أفجوعـا سـاكت أنـت يـا أخـي أم هُجَوعا
فاشـْفِني يـا أخـي برَجْع الجواب
فـــرأت منــه أنــه لا يُجيــب فتــدانت والـدمع منهـا صـَبيب
ثـم أصـغت وفـي الفـؤاد وَجيـب ثـم هـابت والمـوت شـىءٌ مَهيـب
ثــم قــامت بخشــيةٍ وارتيـاب
خرجــت فـاطم مـن الـبيت ليلا حيـثِ أرخَـى الظلام سـدلا فسـدلا
وهـي تبكـي والغَيـث يهطل هطلا مثـلَ دمـع مـن مقلتَيْها استَهَلا
أو كمــاءٍ جــرى مـن الميـزاب
ربّ أدرك بــاللطف منـك شـقيقي وامنـع الغيـث ربّ عـن تعـويقي
ومُــرِ الـبرق أن يُضـيء طريقـي بريـــقٍ يُبــديه أثــر بريــق
فعســى أهتـدي بـه فـي ذهـابي
قَرعــت فـي الظلام بـاب الجـار وهــي تبكـي الأسـى بـدمع جـار
ثــم تــادت برقّــة وانْكســار أم ســـلمى ألا بحــق الجِــوار
فـافتحي أننـي أنـا فـي الباب
فأتتهــا ســُعدى وقـد عرَفتهـا وعـن الخَطْـب فـي الدجى سألتها
ثـم سـارت مـن بعـدما أعلمتها تقتفيهـــا وبنتهــا تَبِعَتهــا
فتخطَّيْــن فـي الـدجى بانسـياب
جِئن والسـحب أقْلَعـت عـن حَياها وكــذلك الرعــود قــلّ رُغاهـا
حيـث يـأتي شـِبه الأنيـن صداها غيــر أن الـبروق كـان ضـياها
مومِضـاً فـي السماء بين الرَباب
فــدخَلْن المحــلّ وهــو مُخيــف حيــث انّ الســكوت فيـه كـثيف
وضــياء الســراح نَــزْرٌ ضـعيف وبــه فـي الفـراش شـخص نَحيـف
دبّ منــه الحِمـام فـي الأعصـاب
قـالت الأخـت أم سـلمى انْظُريـه ثُكلــــت روح أمـــه وأبيـــه
فـرأت منـه إذ دنـت نحـو فيـه نَفَســاً مبُطيــء الــتردُّد فيـه
ثـم قـد غـالَه الـرَدى باقتضاب
وجَمَـــت حَيْــرةً وبعــد قليــل رمَقَــت فاطمــاً بطــرف كَلِيــل
فيـه حَمْـل علـى العزاء الجميل فعَلا صـــوت فـــاطم بالعويــل
وبكــت طــول ليلهـا بانتِحـاب
فاسـتمرّت حـتى الصـباح تُـوالي زفــارت بنارهــا القلـب صـال
فأتاهــا ودمعهـا فـي انْهمـال بعــض جاراتهــا وبعــض رجـال
مـن صـعاليك أهـل ذاك الجَنـاب
وقفـوا موقفـاً بـه الفقر ألْقى منــه ثِقْلاً بـه المعيشـة تَشـقى
فـرأوا دمـع فـاطم ليـس يرقـا وأخوهـا مَيْـت علـى الأرض مُلقـى
مُــدرَجٌ فــي رثــائث الثــواب
فغـــدت فــاطم تــرن رنينــا ببكــاءٍ أبكـت بـه الواقفينـا
ثــم قـالت لهـم مَقـالاً حزينـا أيهـا الواقفـون هـل ترحمونـا
مــن مُصــاب دهــا وأيّ مصــاب
أيهــا الواقفــون لا تُهملــوه دونكــم أدمُعـي بهـا فاغْسـِلوه
ثــم الثــوب ضــافياً كفِّنــوه وادفُنـوه لكـن بقلـبي ادفنـوه
لا تُــواروا جــبينه بــالتراب
بعــد أن ظــلّ لافتِقـاد المـال وهْـو مُلقـىً إلـى أوان الـزوال
جــاد شــخص عليـه بعـد سـؤال بريـــال وزاد نصـــف ريـــال
رجـــل حاضـــر مــن الأنجــاب
كفَّنـوه مـن بعـد مـا تـمّ غسلا وتمشـَّوا بـه إلـى القـبر حَملا
فــترى نعشــه غــداة اسـتقلا نعـش مـن كـان في الحياة مُقِلا
دون ســـتر مكســـّرَ الأجنـــاب
نـاحت الأخـت حيـن سـار وصـاحت اختـك اليـوم لـو قَضَت لاستراحت
ثــم سـارت مدهوشـة ثـم طـاحت ثـم قـامت ترنـو لـه ثـم راحت
تســكبُ الــدمع أيَّمــا تَسـكاب
أيهــا الحـاملوه لا مشـيَ رَكـض أن هــذا يـوم الفـراق المُمِـضّ
فاسـألوه عـن قصـد أيـن يَمضـي أنـه قـد قضـى ولـم يـكُ يَقضـي
واجبـات الصـبا وشـرخ الشـباب
أن قلـبي علـى كريـم السـجايا طـاح واللـه مـن أسـاه شـظايا
قاتل الله يا ابن أمّي المنايا أنـا مـن قبلُ مذ حسبت الرزايا
لـم يكـنُ رزء مـوتكم في حسابي
أن ليلــي ولســت مـن راقـديه كلمــــا جـــاءني وذكّرنيـــه
قلــت والـدمع قـائل لـي أيـه يـا فقيـداً اعـاتب المـوت فيه
ببُكــائي وهــل يُفيــد عتـابي
رُحــت يومـاً وقـد مضـت سـنتان أتمشـــى بشـــارع الميـــدان
مَشــيَ حيــران خَطــوُه مُتــدان أثقَلَتـــه الحيــاة بــالأحزان
وســقَتْه كأســاً كطعــم الصـاب
بينمــا كنــت هكــذا أتمشــّى عَرَضــَتْ نظــرة فأبصــرت نعشـا
باديــاً للعيــون غيــر مُغَشـّى نقـش الفقـر فيـه للحـزن نَقْشا
فبــدا لــوح أبْــؤسٍ واكـتئاب
قلـت سـرّاً والنعـش يقـرُب منّـي أيّهـا النعـش أنـت أنعشتَ حزني
للأســَى فيــك حالــة ناسـبتني أن بـدا اليـوم فيـك حزن فإني
أنـا للحـزن دائمـاً ذو انْتساب
رحــت أســعَى وراء مــذ تعـدّى مسـرعاً فـي خطـايَ لـم آل جهدا
مـع رجـال كـأنجم النعـش عـدا هــم بــه ائرون ســيراً مُجـدّاً
فـــتراه يمــرّ مــرّ الســحاب
مـذ لحـدنا ذاك الـدفين وعُدنا قلــت والـدمع بـلَّ منّـي ردنـا
أن هـذا هـو الـذي قـدُ وعِـدنا فـأبينوا مـن الـذي قـد لحَدْنا
فتصــّدَى منهــم فــتىً لجـوابي
قــال أن الــدفين أخـت بشـير أخـت ذاك المسـكين ذاك الفقير
بَقِيَـــت بعــده بعيــش عســير وبطـــرف بــاك وقلــب كســير
وقضـــت مثلـــه بــداء القُلاب
قلــت أقصـر عـن الكلام فحَسـْبي منــك هـذا فقـد تزلـزل قلـبي
ثــم نــاجيت والضـراعة ثـوبي ربّ رُحمـــاك ربّ رحمــاك ربــي
ربّ رشــداً إلـى طريـق الصـواب
ربّ إن العبـــاد أضــعف أن لا يجــدوا منـك ربّ عفـواً وفضـلاً
فـاعفُ عـن أخذهم وأن كان عَدْلاً أنـت يـا ربّ أنـت بالعفو أولى
منـك بالأخـذ والجـزا والعقـاب
قـد وردنـا والأرض للعيـش حَـوْض واحــد كلنــا لنـا فيـه خَـوض
فلمـــاذا بــه مَشــُوب ومَحْــض عَظُمـــت حكمــة الالــه فبَعْــض
فــي نعيموبعضــنا فــي عـذاب
أيهـا الأغنيـاء كـم قـد ظَلَمْتم نِعَـم اللـه حيـث مـا إن رحِمْتم
ســهِر البائسـون جوعـاً ونِمتـم بهنـاءٍ مـن بعـد مـا قد طَعِمْتم
مـــن طعـــام مُنَّــوع وشــراب
كـم بـذلتم أموالكم في الملاهي وركبتــم بهــا مُتـون السـَفاه
وبخِلتــم منهــا بحــق اللــه أيهـا المُوسـِرون بعـض انتبـاه
أفتــدرون أنكــم فــي تَبــاب
معروف الرصافي
247 قصيدة
1 ديوان

معروف بن عبد الغني البغدادي الرصافي.

شاعر العراق في عصره، من أعضاء المجمع العلمي العربي (بدمشق)، أصله من عشيرة الجبارة في كركوك، ويقال إنها علوية النسب.

ولد ببغداد، ونشأ بها في الرصافة، وتلقى دروسه الابتدائية في المدرسة الرشيدية العسكرية، ولم يحرز شهادتها.

وتتلمذ لمحمود شكري الآلوسي في علوم العربية وغيرها، زهاء عشر سنوات، واشتغل بالتعليم، ونظم أروع قصائده، في الاجتماع والثورة على الظلم قبل الدستور العثماني.

ورحل بعد الدستور إلى الأستانة، فعين معلماً للعربية في المدرسة الملكية، وانتخب نائباً عن (المنتفق) في مجلس (المبعوثان) العثماني.

وانتقل بعد الحرب العالمية الأولى إلى دمشق سنة (1918)، ورحل إلى القدس وعين مدرساً للأدب العربي في دار المعلمين بالقدس، وأصدر جريدة الأمل يومية سنة (1923) فعاشت أقل من ثلاثة أشهر، وانتخب في مجلس النواب في بغداد.

وزار مصر سنة (1936)، ثم قامت ثورة رشيد عالي الكيلاني ببغداد فكان من خطبائها وتوفي ببيته في الأعظمية ببغداد.

له كتب منها (ديوان الرصافي -ط) (دفع الهجنة - ط)

(محاضرات في الأدب العربي - ط) وغيرها الكثير.

1945م-
1364هـ-

قصائد أخرى لمعروف الرصافي

معروف الرصافي
معروف الرصافي

القصيدة ليست في الديوان وقد رأيت مهتمين بشعر الرصافي يتداولونها فأضفتها للموسوعة اليوم 21 / 3/ 2020