ذِكْرَياتٌ رَدَّدَ الدَّهْرُ صدَاها
الأبيات 89
ذِكْرَيــاتٌ رَدَّدَ الــدَّهْرُ صـدَاها وعُهُــودٌ يَحْسـُدُ المِسـْكُ شـَذَاهَا
وَصــَلَ العُـرْبُ الغَطـارِيفُ إِلَـى غايـةٍ لا تَبْلـغُ الطَّيْـرُ ذُرَاهـا
وَجــرَوْا صــَوْبَ العُلاَ فـي طَلَـقٍ زَاحَـمَ الأَنْجُـمَ واجْتَـازَ مَـدَاها
تَقِــفُ الأوْهَــأمُ حَســْرَى دُونَـه لاهثــاتٍ قَصــَّرَ الأيْــن خُطَاهـا
مَــرَّ بالشـَّمْسِ فَلـمْ تَشـْعُر بِـهِ إذْ جَـرَى إلاّ ظنُونـاً واشـْتِباها
أُمَّــةُ الصــَّحْراءِ أَقْـوَى جَلَـداً مِـنْ مَهَارِيهـا وأَهْدَى مِن قَطَاها
صــَخْرُها أَوْحَــى إليهـا عَزْمَـةً مـن بَنـي رَضـْوَى وثَهْلاَن بَنَاهَـا
وســُكُونُ البِيــدِ فـي رَهْبَتِهـا جَـرّدَ الـرُّوحَ وبـالنُّورِ كَسـَاها
رُبَّ صــَدْرٍ نَــافَسَ الْحِلْــمُ بـه كُــلَّ صــَحْراءَ بَعِيـدٍ مُنْتهاهـا
وخِلاَلٍ أَنْبَـــتَ الْجَـــدْبُ بِهَــا عِـزَّةَ اليَـأْسِ فمـا لانَـتْ قَناها
أَبَــتِ الضـَّيْمَ فمَـا مَـدَّتْ يَـداً لـذَوي النُّعْمَى وَلمْ تَغْفِر جِباهَا
تحْفَــظُ العِـرْضَ مَصـُوناً ناصـِعاً وإلـى الطُّـرَّاق مَبْـذولٌ قِراهـا
أمَــمٌ إِنْ يَهْلِــكَ المَـالُ فـإِن لُمِســتْ أَعْراضـُها حَلَّـت حُبَاهـا
رَدَّدَتْ أَشــْعَارَها شــَمْسُ الضـُّحَا وسـِرَاجُ اللَّيْـلِ لَمَّـا أَنْ تَلاَهـا
آيَــةٌ مِــنْ نَفْحَـةِ اللّـهِ فَلَـوْ كـانَ للنِّسـْيَانِ كـف مـا مَحَاها
رَوْضــَةٌ قــد لَقَّبُوهــا كَلِمــاً تُخْجِـلُ الْحُسـْنَ إِذا الْحُسْنُ رَآها
كَـمْ حَكِيـمٍ أوتِـيَ الْحُكْـم فَـتىً وفَتَــاةٍ مَلأَ التِّبْيَــانُ فَاهــا
تُرْســِلُ الأَمْثَــالَ تَسـْرِي شـُرَّداً لا تُبَـالي أَيْنَمـا كـانَ سـُرَاها
قِــفْ عَلَـى الأَطْلال واذْكُـرْ أمَّـةً خَلّــدَ الأَطْلالَ مــأْثُورُ بُكَاهــا
بَعَـث اللّـهُ بهَـا نُـورَ الْهُـدَى مـن قُرَيـشٍ فاصـْطَفَاه واصْطَفَاها
أَشـْرَق الصـُّبْحُ عَلَـى الدُّنْيَا به بَعْد أن طَالَ عَلَى الدُّنْيَا دُجَاها
وجَــرَى فـي الأرْض يَنْبُـوع هُـدىً بعــد أَنْ حَرَّقَهــا حَـرُّ صـَدَاها
قَلَّــد الفُصــْحَى حُلــىً قُدْسـِيّةً فَزَهَاهـا مـن حُلاَهـا مـا زَهَاها
وبَيانــاً هاشــِميّاً لــو رَمَـى قُلَــلَ الأجيَـال لانْهَـدَّت قُوَاهـا
أســـْهُمٌ مِــنْ كَلِــمٍ مَســْنونةٌ جاهَـدَتْ فـي اللّهِ واللّهُ بَرَاها
كُلَّمَــا صــَاحَ بهـا فـي طَيْبـةٍ مُســْتَثِيراً رَدَّدتهــا لاَبَتَاهــا
يَزْعُــمُ الشــِّعْرُ ســَفاهاً أنَّـه لـو عَفَـتْ عَنهُ القَوافِي لَحكَاها
نَــزَل القُــرْآنُ بالضـَّادِ فَلَـوْ لَـمْ يَكُـنْ فِيهَـا سـِواهُ لكَفَاها
حَســْبُها أَنْ صــَوَّرَتْ مــن آيِـهِ مُعْجــزاتٍ عَظُمَــت أنْ تَتَنَــاهى
وَبنُـــو مَـــرْوَانَ للّــهِ هُــمُ عُــدَّةُ الفُصـْحَى وحُـرَّاسُ حِماهـا
رُبَّ مَـــأْثورٍ لَهُـــمْ ودَّ لَـــهُ صـَدَفُ اللُّـؤْلُءِ لَـوْ كَـانَ شِفَاها
خُطَـــبٌ هُـــزَّ لهــا مِنْبَرهــم يَقْـذِف الهَـوْلَ دِرَاكاً مَنْ رَماها
وقَــوافٍ ســَلْ أبــا حَزْرَتِهــا وســَلِ الأَخْطَـلَ كَيْـفَ ابتَـدعَأها
طُــفْ ببغــداد وســَلْ آثارَهـا أيُّ ســـِرٍ كَتَمَتْـــهُ شـــَفَتاها
كُــلُّ رَســْمٍ قــد وعَـى نـادِرَةً لـو جَـرى النُطْـقُ عليه لحَكَاها
مَشــَت الــدنْيا إِليْهـا تَتَّقِـي سـُخْطَ بغـدادَ وتَسـْتَجْدِي رِضـاها
وأبــو المــأمون فـي مَمْلكـةٍ يتحـدَّى المُـزْنَ أَنْ تَعْدو قُراها
بَلَغَـــتْ بنـــتُ قُرَيْـــشٍ ذِرْوَةً بِبَنـي العَبَّـاسِ صـَعْباً مُرْتقَاها
بَيْــنَ شــِعْرٍ كـأزاهيرِ الرُّبـا عَكَــفَ الغَيْـثُ عليهـا فَسـَقاها
هُــــوَ دَلٌّ رَدَّدَتْــــهُ قَيْنَـــةٌ وَهْـوَ وَجْـدٌ فـاضَ مِنْ نَفْسِ فَتاها
وعُلُـــومٍ تُرْجِمَــتْ وَاســْتُنْبِطَتْ وَفُصــُولٍ بَهَـرَ الـدُّنْيا حِجاهـا
آبــداتُ القــولِ ولَّـتْ بَعْـدَهُم طَيَّــبَ اللّــهُ ثَراهُـمْ وثَراهـا
يـا بَنِـي العَبَّـاسِ فـي مَصْرَعِكُمْ عِظَـةُ الكَـوْنِ وَعاهـا مَنْ وَعاها
أُطْفِىــءَ النُـورُ ودالَـتْ دَوْلَـةٌ وَطَـوَى الدهْرُ المُنَى حِينَ طَواها
شــَدَّ هُولاَكُــو عَلَــى أَرْبَاضـِها شـَدّةَ الـذُؤْبَانِ أَبْصـَرْنَ شـِياها
وجَــرَى مِــنْ حَــوْلِهِ عِقْبــانُهُ كُلَّمــا أَطْعَمَهــا هـاج ضـَراها
لَهْـفَ نَفْسـِي بِنْـتُ عَـدْنانَ هَـوَتْ وأسـُودُ الغِيـلِ قَـدْ دِيسَ شَراها
ســائِلُوا دِجْلَــةَ عَمَّـا رَاعَهـا أَوْ دَعُوهـا فَكَفاهـا مـا دَهاها
قَــذَفَ الكُتْــبَ بهَــا طَاغِيَــةٌ هَــلْ دَرَى مـا كَنَزَتْـه دَفَّتاهـا
فَتَأَمَّـــلْ إِذْ جَـــرَى آذِيُّهـــا أَتَــرَى فيـهِ عُقُـولاً أَمْ مِياهـا
ذَهَــبَ العَســْفُ بآثـارِ النُّهَـى كَيْـفَ تَحْيَـا أُمَّـةٌ ضـاعَتْ نهاها
طَــارَتِ الفُصـْحَى لِمِصـْرٍ تَبْتَغِـي نـاعِمَ العَيْـشِ خَصِيباً في ذَراها
بَقِيَــتْ فيهــا تُلاقِــي شــَظَفاً فـي أَحَـايِينَ وفـي حيـنٍ رَفاها
ثُـــمَّ هَبَّــتْ حَوْلَهــا عاصــِفَةٌ خَلَــطَ الـذُّعْرُ ضـُحاها بِمَسـاها
وإِذَا نَجْـــمٌ بَـــدا مُؤْتَلِـــقٌ شَخَصــَتْ نحــوَ سـَنَاهُ مُقْلتَاهـا
وإِذا مُنْقِـــذُ مِصـــْرٍ ماثِـــلٌ وإذا مِصــْرٌ وقَـدْ شـُدَّتْ عُراهـا
وإذا العِلْـــمُ يُــدَوِّي صــَوْتُهُ وإِذا الضـَّادُ أضـاءَتْ صـَفْحَتاها
ظَفِــرَتْ بــالعَبْقَرِي المُرْتَجَــى فاســْتَجَابَتْ للعُلا لمَّـا دَعاهـا
دَوْلــةُ العِلْــمِ بِـهِ رُدَّتْ إلـى عَـرْشِ مِصـْرٍ بَعْـدَ أَنْ طَال نَواها
مَـــنْ كَإِســـْماعِيلَ فــي آلائِهِ يَنْفَـدُ القـوْلُ ولا يَفْنَـى جَداها
زُهِيَـــتْ مِصــْرُ جمَــالاً وَســَناً بِـأَبِي الأشـْبالِ واهْتَـزَّتْ رُباها
تخْجَـلُ السـُّحْبُ إذا مـا وازَنَـتْ مَــرَّةً بَيْــنَ نَــداهُ وَنَــداها
غَــرَسَ العِلْــمَ بِمِصــْرٍ دَوْحَــةً كُلَّمَــا أَخْضــَلَها طَـابَ جَنَاهـا
ســـَمَتِ الآدابُ والــدُّنْيا بِــهِ وَبَـدَتْ تَخْطِـرُ فـي أَزْهَـى حُلاهـا
يا ابْنَ إسْمَاعِيلَ يا ذُخْرَ النُّهَى جَـدَّدَتْ مِصـْرُ بِكُـمْ عَهْـدَ صـِباها
كُــلُّ أَشـْتَاتِ النَّـدَى إنْ فُرِّقَـتْ فَــإِلَى بــابِ فُـؤادٍ مُلْتَقاهـا
هِمَّـــةٌ شــادَتْ بِمِصــْرٍ دَوْلَــةً صـانَها الإِنْصـَافُ والعِلْمُ وَقاها
مَســَحَتْ مِصـْرُ بـهِ عَيْـنَ الكَـرَى بَعْـدَ أَنْ طـالَ عَلَـى مِصْرٍ كَراها
وَثَبَــــتْ وَثْبَتَهـــا دَائِبَـــةً كلَّمـا أَجْهَـدَها السـَّعْيُ زَجاهـا
أًيْنَمــا أبْصــَرتَ تَلْقَـى نَهْضـَةً تَمْلأُ العيْــنَ وإِقْبَــالاً وَجَاهـا
وَقُصـــُوراً لاَمِعـــاتٍ كَالضــُّحَا رَدَّدَ العِرْفـانَ فـي مِصـْرَ صَداها
يـا نَصـِيرَ العِلْـمِ فِـي مَمْلَكَـةٍ بَلَغَـتْ بِـالْعِلْمِ غايـاتِ مُناهـا
كُــلَّ يَــوْمٍ لَــكَ حَفْــلٌ لِلعُلا وَأَيـادٍ تَبْهَـرُ الـدُّنْيا لُهاهـا
وَجَــدَتْ بِنْــتُ قُرَيْــشٍ مَــوْئِلاً في ذَرَا المُلْكِ وحِصْناً مِنْ عِداها
لُغَــةُ القُــرْءَانِ تُزْهَـى شـَرَفاً أنَّ حـامي الدِّينِ وَالْمُلْكِ حَماها
حِكْمَـةُ المَـأْمُونِ عَـادَتْ دارُهـا بِـابْنِ إِسـْماعيلَ مِـنْ بَعْدِ بِلاَها
مَجْمَــعُ الفُصـْحَى تَجَلَّـى مُشـْرِقاً فـي سَماءِ الْمَجْدِ مُجْتَازاً سُهاها
هُــو فــي مِصــْرَ مَنـارٌ كُلَّمـا أَرْسـَلَ الأضـواءَ فـي مِصْرَ هَداها
رَأَتِ البَصـــْرَةُ فِيــهِ حَفْلَهــا وَرَأَتْ بَغْــدَادُ فِيــه مُنْتَـدَاها
مَــنْ رَســُولِي لأَعـارِيبِ اللِّـوَى أَيْـنَ أَعْـرَابُ اللِّوَى أَيْنَ لِوَاها
أَنَّ مِصـــْراً بَعَثَـــتْ آدابَهــا وأبـا الفاروق قَدْ أَحْيا لُغاها
وَبنَــى اليـومَ عُكاظـاً ثانيـاً تَـاهَ إِعْجَابـاً بِه الدَّهْرُ وبَاهَى
هَــلْ حَبـا الآدَابَ تـاجٌ مِثْلَمـا صـاحِبُ التَّـاج بِمِصـْرٍ قَدْ حَباها
أَنْهَــضَ التَّــأْلِيفَ مِـنْ كَبْـوتِهِ فَســَقَى الأَحْلاَمَ رُشــْداً وَغَـذاها
كَــمْ كِتَــابٍ دَوَّنَــتْ أَخْبــارُهُ مِنَنــاً كــان فـؤادٌ مُبْتَـداها
رَحَــلَ الأَعْلامُ فـي الغَـرْبِ إِلَـى ســُدَّةٍ يَســْطَعُ بِـالْعِلْمِ سـَنَاها
فَــــرَأَوْا مَمْلَكَـــةً وَثَّابَـــةً ومَلِيكــاً بِهُـدَى اللّـهِ رَعاهـا
دُمْ فُــؤَادَ الْقُطْـرِ تَحْيـا أُمَّـةٌ لَـمْ يَكُـنْ إِلاَّكَ يَوْمـاً مُرْتَجاهـا
وَسـَما الفَـارُوقُ نَجْمـاً سـاطِعاً لِبَنِــي مِصــْرَ وَعُنْــوانَ عُلاهـا
علي الجارم
138 قصيدة
1 ديوان

علي بن صالح بن عبد الفتاح الجارم.

أديب مصري، من رجال التعليم له شعر ونظم كثير، ولد في رشيد، وتعلم في القاهرة وإنجلترة، واختير ليكون كبير مفتشي اللغة العربية بمصر.

ثم وكيلاً لدار العلوم حتى عام (1942)، مثل مصر في بعض المؤتمرات العلمية والثقافية، وكان من أعضاء المجمع اللغوي.

وتوفي بالقاهرة فجأة، وهو مصغ إلى أحد أبنائه يلقي قصيدة له في حفلة تأبين لمحمود فهمي النقراش.

له (ديوان الجارم-ط) أربعة أجزاء، (قصة العرب في إسبانيا - ط) ترجمة عن الإنكليزية.

و(فارس بن حمدان-ط)، (شاعر ملك-ط)، وقد شارك في تأليف كتب أدبية منها: (المجمل-ط)، و(المفصل-ط) وكتب مدرسية في النحو والتربية.

1949م-
1368هـ-