لُبنانُ روضُ الهوى والفنِّ لُبنانُ
الأبيات 77
لُبنـانُ روضُ الهـوى والفـنِّ لُبنانُ الأرضُ مســكٌ وهمـسُ الـدوحِ الحـانُ
هـل الحِسانُ على العهدِ الذي زعمت وهـل رِفـاقُ شـبابي مثلَمـا كانوا
أيـن الصـبا أين أوتاري وبهجتُها طــوت بســاط ليــاليهنَّ أزمــان
أرنـو لها اليومَ والذكرى تُؤرِّقني كمــا تنبَّـه بعـد الْحُلـمِ وسـنان
هبنـي رجعـتُ إلـى الأوتـارِ رَّنتَها فهـل لَشـرْخِ الصـبا واللهوِ رُجْعان
لا الكأس كأسٌ إذا طاف الحباب بها بعـد الشـبابِ ولا الريحـانُ ريحان
مـا للخميلـةِ هـل طـارت بلابلُهـا وصـَوَّحتْ بعـد طـول الزَهْـوِ أفنـانُ
وهَـل ريـاضُ الهـوى ولَّـت بشاشتُها وغــادرْت ضــاحك النُـوَّارِ غُـدرانُ
كـم مـدّ غصـنٌ بهـا عينـاً مشـرَّدةً إلـى قـدودِ العـذارى وهُـو حيرانُ
لقـد رأى البـانَ لا تسـعَى به قدمٌ فيــا لدَهْشـتِه لمّـا مشـى البَـانُ
غِيـدٌ لهـا مـن شـذَى لُبنانَ نفحتُه ومـــن مجــانيه تُفَّــاحٌ ورمَّــانُ
مـن نَبْعِـه خُلِقَـتْ مـا بالُها صرفتْ سـِرْبَ الشـفاه الحيـارَى وهو ظمآنُ
عينـان أسـكرتا شـعري فـإن عَثَرَتْ بـه السـبيلُ فعـذراً فهـو نشـوانُ
وطلعــةٌ كخــدودِ الزهـرِ غازلهـا مــن الأصــائِل أطيــافٌ وألــوانُ
مـــن الملائِك إلاَّ أنهـــا بشـــرٌ وأنَّ نظرتَهــا البَهمــاءِ شــَيْطَانُ
للّـه أيامُنـا الأولَـى الـتي سلفتْ وللصـــبابةِ مَيْـــدانٌ ومَيـــدانُ
والحـبُّ كـالطير رَفَّـافٌ علـى فَنَـنٍ لــه إلـى الإِلْـفِ تغريـدٌ وتَحنـانُ
هيمـانُ والمـاءُ في لُبنانَ عن كَثبِ لكنّــه بســوَى الأمــواهِ هيمــانُ
بـدت له جارةُ الوادي الخصيبِ ضُحاً كــلُّ الأحبــةِ فـي لُبنـانَ جيـرانُ
فأرســل العيـنَ فـي صـمتٍ بلاغتُـه بكـلِّ مـا قـال فـي دنيـاه سَحْبانُ
وللعيُـــونِ أحـــاديثٌ بلا كلِـــمِ وكـم لهـا فـي الهَوى شرحٌ وتبيانُ
والحـبُّ سـِرٌّ مـن الفِـرْدوسِ نَبْعَتُـهُ وخيـرُ مـا يحفَـظُ الأسـرارَ كتمـانُ
رنــا لهـا فتمـادتْ فـي تَـدلُّلها العيــنُ غاضــبةٌ والقلــبُ جـذْلانُ
وغطَّـتِ الـوجهَ بالمِنْـديلِ فـي خَفَرٍ كمــا تَـوارَى وراءَ الشـكِّ إيمـانُ
وأعرضــتْ وإبـاءُ الغِيـدِ لُعْبَتُهـا فكلّمـا اشـتدّ عُنْفـاً فهـو إذعـانُ
إنَّ العـذارَى حمـاك اللّـهُ أحْجِيَـةٌ بهـا النفـورُ رضـاًن والحقُّ نُكْرانُ
هَـزَزْتُ أوتـارَ شـعري حـول شُرْفَتِها كمــا ترنّــم بالأســحارِ رُعْيــانُ
شــعرٌ مـن اللّـه تلحينـاً وتهْيئَةً لا النَّـايُ نـايٌ ولا العِيدانُ عِيدانُ
إذا شـدا أنصـتتْ أُذْنُ الوجـودِ له وللوجـــودِ كمـــا للنــاس آذانُ
شـدا لهـا فـرأى ليلُ الهوى عَجَباً ولْهــى يجاذبُهـا الأشـواقَ ولهـانُ
رَيّـا حـوت فتنـةَ الـدنيا غلائلُها يضــمُّها شــاعرٌ للغِيــد صــَدْيَانُ
لانـتْ لشـعري كمـا لانـتْ معاطفُهـا والشــعرُ ســحرٌ لـه بحـرٌ وأوزانُ
فتنتُهــا حينمــا همّـتْ لتفتِنَنـي والشــعرُ للخفـراتِ البِيـضِ فتّـانُ
سـلاحُها لحظُهـا الماضـي وأسـلحتي فَـــنٌّ يجـــرِّدُه للغـــزوِ فَنّــانُ
كـان الشـبابُ شـفيعي فـي نضارتِه الزهــرُ مؤتلِــقٌ والعـودُ فَيْنـان
مـاذا إذا لمحتني اليومَ في كِبرى ومِلــءُ بُــرْدَيَّ أســقامٌ وأَشــجانُ
طـويتُ مـن صـَفَحاتِ الـدهرِ أكثرَها وَعرَّقتنـــي تصـــاريفٌ وحِـــدْثانُ
إنـي كتـابٌ إلـى الأجيـال تقـرؤهُ لـه التغنِّـي بمجـدِ العُـرْبِ عُنوانُ
مجـدٌ علـى الدهرِ مذ كانت أوائلُه ودولــةٌ لبنــي الفُصـحى وسـُلطَانُ
صــَوَارِمٌ ريعـت الـدنيا لوثبتِهـا وحطِّمـــتْ صـــَوْلَجاناتٌ وتيجـــانُ
النــاسُ عنــدهُمُ أبنــاءُ واحـدةٍ فليــس فـي الأرض سـاداتٌ وعُبْـدانُ
تراكضـوا فـوقَ خيـلٍ مـن عزائمهم لهــم مـن الحـقِّ أَسـْيافٌ وخُرْصـانُ
وكلّمــا هــدموا لِلشــركِ باذخـةً أُقيــم للـدينِ والقِسـْطاسِ بُنيـانُ
فـي السلم إن حكموا كانوا ملائكةً وفـي لَظـى الحرب تحتَ النقْعِ جِنَّانُ
أقلامُهــم سـايرتْ أَسـيافَ صـولتهِم للســـيفِ فتـــحٌ وللأقلامِ عِرفــانُ
فـأين مِـن شـرعِهم روما وما تركت وأيــن مـن علمهـم فُـرْسٌ ويونـانُ
كـانوا أسـاتذةَ الآفـاقِ كـم نهِلتْ مــن فيضـِهم أمـمٌ ظَمْـأَى وبُلـدانُ
كـانوا يـداً ضمّت الدنيا أصابُعها ففرّقتْهـــا حَـــزازاتٌ وأضـــغان
تنمــرّ الغــربُ واحمَّـرت مخـالبُه وأرهفــت نابَهــا للفتـكِ ذُؤبـانُ
ثــاراتُ طــارقٍ الأولــى تُـؤَرِّقُهم ومـا لمـا تـتركُ الثـاراتُ نسيانُ
تيقّـظ الليـثُ ليـثُ الشرقِ محتدماً فارتـجَّ منـه الشـرى واهـتزَّ خَفَّانُ
غضـبانَ ردَّ إلـى اليـافوخِ عُفْرَتَـه وَمَــنْ يصـاولُ ليثـاً وهـو غضـبانُ
لقـد حَميْنـا أُبـاةَ الضيمِ حَوْزَتَنا مـن أن تُبـاحَن ودِنَّاهُم كما دانُوا
بنـي العروبـةِ إنَّ اللّـه يجمعُنـا فلا يفرِّقُنـــا فــي الأرضِ إنســانُ
لنــا بهــا وطـنٌ حـرٌّ نلـوذُ بـه إذا تنـــاءتْ مســافاتٌ وأوْطَــانُ
غــدا الصــليبُ هلالاً فـي توحُّـدِنا وجمّــع القــومَ إنجيــلٌ وقــرآنُ
ولــم نبــالِ فُروقـاً شـَتَّتْ أُممـاً عــدنانُ غســّانُ أو غسـّانُ عـدنان
أواصـرُ الـدَّمِ والتاريـخِ تَجمعُنـا وكلُّنـا فـي رِحـابِ الشـرقِ إخـوانُ
قلـبي وفيـضُ دمـوعي كلّمـا خطـرتْ ذكــرىَ فِلَســْطين خَفَّــاقٌ وهتَّــانُ
لقـد أعـاد بهـا التاريخُ أنْدلُساً أخــرى وطـاف بهـا للشـرِّ طوفـانُ
ميراثُنـا فـي فـتى حِطّينَ أين مضى وهــل نهايتُنــا يُتْــمٌ وحِرمــانُ
ردّوا تـراثَ أبينـا مـا لكـم صِلَةٌ بــه ولا لكــمُ فــي أمرِنـا شـانُ
مصـيبةٌ بـرمِ الصـبرُ الجميـلُ بها وعـزّ فيهـا علـى السـُلْوانِ سلوَانُ
بنـي فلسـطين كونـوا أُمَّـةً ويـداً قـد يختفـي فـي ظِلالِ الوردِ ثُعبانُ
وكيــف يـأمَنُ رُعيـانٌ وإن جَهِـدوا إذا تــردَّى ثيـابَ الشـَاءِ سـِرْحانُ
ومصـرُ والنيلُ ماذا اليوْمَ خطبُهما فقـد سـَرى بحـديثِ النيـلِ رُكْبـانُ
كنانـةُ اللّـه حصـنُ الشـرقِ تحرسُهُ شــِيبٌ خِفـافٌ إلـى الْجُلَّـى وشـُبَّانُ
أَبَوْا على القسر أن يرضَوْا معاهدةً بكــل حــرفٍ بهــا قيــدٌ وسـَجَانُ
وكـم مَشـَوْا للقـاء الموتِ في جَذَلٍ والمــوتُ منكمـشُ الأظفـارِ خَزْيـانُ
لكــل جســمٍ شـرايينٌ يعيـشُ بهـا ومصــرُ للشــرقِ والإســلامِ شـِرْيانُ
بنـي العروبـة مـدّوا للعلوم يداً فلـن تُقـامَ بغيـرِ العلـمِ أركـانُ
جمعتُــمُ لشــبابِ الشـرقِ مـؤتمراً بمثلــه تزدهـي الفصـحى وتـزدانُ
فقرِّبــوا نهجَهـم فـالروحُ واحـدةٌ وكلُّهـم فـي مجـالِ السـبقِ أقـرانُ
لا تبتغــوا غيـرَ إتقـانِ وتجربـةٍ فقيمــةُ النــاسِ تجريـبٌ وإتقـانُ
وحبِّبـوا لغـةَ العُـرْبِ الفصاحِ لهم فـــإنّ خِــذْلانَها للشــرقِ خِــذْلانُ
قولـوا لهـم إنّهـا عُنوانُ وَحْدَتِهمْ وإنَّهــم حولَهــا جنــدٌ وأعــوانُ
وكمِّلــــوهم بـــأخلاقٍ ومَرْحَمـــةٍ فإنّمـــا المــرءُ أخلاقٌ ووِجْــدانُ
علي الجارم
138 قصيدة
1 ديوان

علي بن صالح بن عبد الفتاح الجارم.

أديب مصري، من رجال التعليم له شعر ونظم كثير، ولد في رشيد، وتعلم في القاهرة وإنجلترة، واختير ليكون كبير مفتشي اللغة العربية بمصر.

ثم وكيلاً لدار العلوم حتى عام (1942)، مثل مصر في بعض المؤتمرات العلمية والثقافية، وكان من أعضاء المجمع اللغوي.

وتوفي بالقاهرة فجأة، وهو مصغ إلى أحد أبنائه يلقي قصيدة له في حفلة تأبين لمحمود فهمي النقراش.

له (ديوان الجارم-ط) أربعة أجزاء، (قصة العرب في إسبانيا - ط) ترجمة عن الإنكليزية.

و(فارس بن حمدان-ط)، (شاعر ملك-ط)، وقد شارك في تأليف كتب أدبية منها: (المجمل-ط)، و(المفصل-ط) وكتب مدرسية في النحو والتربية.

1949م-
1368هـ-