كلامُ الُّروحِ للأرواح يسري

(جواب الشكوى): 

نظمَ محمد إقبال بعد قصيدة (الشكوى) ، قصيدة أخرى سمَّاها (جواب الشكوى) وضَّحَ فيها تقصير المسلمين ، وإهمالهم لدينهم ، وعدم إتقانهم أمر الدنيا ، تبريراً لما جُوزوا به من الخزي و الهوان ، وسرعان ما تغنَّى بهاتين القصيدتين الأطفال والشباب ، وحفظهما الرجال ، والنساء ، وسارتا مسير الريح بغير جناح . 

***

الأبيات 140
كلامُ الُّـــــروحِ للأرواح يســـــري وتـــدركهُ القلـــوبُ بلا عنـــاءِ
هتفـــتُ بـــهِ فطـــارَ بلا جنــاحٍ وشـــقَّ أنينـــهُ صــدرَ الفضــاءِ
ومعـــــدنهُ ترابـــــيٌ ولكــــن جــرتْ فــي لفظــهِ لغـةُ السـَّماءِ
لقــد فاضــتْ دمــوعُ العشـْقِ منِّـي حـــديثاً كــان عُلْــوِيَّ النــداءِ
فحلَّـــق فـــي ربــا الأفلاك حتَّــى أهــاجَ العــالم الأعلــى بكـائي
تحـــاورَتِ النجــومُ وقلــن صــوتٌ بقــربِ العــرشِ موصــولُ الـدُّعاءِ
وجـــاوبتِ المجـــرَّةُ عــلَّ طيفــاً ســرى بيــنَ الكـواكبِ فـي خَفـاءِ
وقــالَ البــدرُ هــذا قلــبُ شـاكٍ يواصـــلُ شــدْوهُ عنــد المســاءِ
ولــمْ يعــرفْ ســوى رِضـوان صـوتي ومــا أحــراهُ عنــدي بالوفــاءِ
ألــمْ أكُ قبــلُ فــي جنَّــاتِ عـدْنٍ فـــأخرجني إلـــى حيــنِ قضــائي
وقيــلَ هــو ابــن آدمَ فـي غُـرورٍ تجـــاوزَ قـــدرَهُ دونَ ارعـــواءِ
لقـــد ســـَجَدَتْ ملائكـــةٌ كـــرامٌ لهــذا الخلــقِ مــن طيـنٍ ومـاءِ
يُظَـــنُّ العلــمُ فــي كيــفَ وكــمْ وســرُّ العجـزِ عنـه فـي انطـواء ِ
وملـــءُ كؤوســـِهِ دمـــعٌ وشــكوى وفـــي أنغــامهِ صــوتُ الرَّجــاءِ
فيــا هــذا لقــد أبلغــتَ شــيئاً وإنْ أكـثرتَ فيـه منَ المراءِ .
عَطايانـــــا ســــحائبُ مُرْســــَلاتٍ ولكــنْ مــا وجــدنا السـَّائلينَا
وكـــلُّ طريقنـــا نـــورٌ ونـــورٌ ولكــن مــا رأينــا السـَّالكينَا
ولـــم نجـــدِ الجــواهرَ قــابلاتٍ ضــياءَ الـوحي والنُّـور المبينَـا
وكـــان تـــرابُ آدم غيــرَ هــذا وإنْ يـــكُ أصــلهُ مــاءً وطينَــا
ولــو صـَدقوا ومـا فـي الأرضِ نهـرٌ لأجرينــا الســَّماءَ لهــمْ عُيونَـا
وأخضــــعنا لِمُلْكِهِـــمُ الثُّريَّـــا وشــَّيدنا النُّجــومَ لهــم حُصـونَا
ولكــن ألْحَــدوا فــي خيــرِ ديـنٍ بنــى فـي الشـَّمسِ مُلـكَ الأوَّلينَـا
تُـــراثُ محمَّـــدٍ قـــد أهملـــوه فعاشــوا فــي الخلائقِ مُهْمَلينَــا
تـــولَّى هــادمُو الأصــنامِ قُــدماً فعـــاد َلهـــا أولئك يصــنعونَا
أبـــاهم كـــان إبراهيــمَ لكــن أرى أمثـال آزر فـي البنينَا .
وفـــي أســـْلافِكم كــانتْ مَزايــا بكـــلِّ فـــمٍ لـــذِكراها نَشــِيْدُ
تَضــُوعُ شــقائقُ الصــحراءِ عِطــراً بريَّاهــــا وتبتســـمُ الـــورودُ
فهـــلْ بقِيَــتْ مَحاســنهمْ لــديكمْ فيجمـــل فـــي دلالكــمُ الصــُّدودُ
لقـــد هــاموا بخــالقهمْ فنــاءً فلــم يُكتــبْ لغيرهِــمُ الخُلــودُ
وكـــوثرُ أحمـــد منكـــم قريــبٌ ولكــنْ شــوقكمْ عنــهُ بعيـدُ .
وكــمْ لاحَ الصــَّباحُ ســناً وبُشــرى وأذَّنـــتِ القمـــاري والطُّيـــورُ
وكبَّـــرتِ الخمــائلُ فــي رُبَاهــا مصــــلِّيَةً فجاوبهـــا الغـــديرُ
ونـــومُ صـــباحكمْ أبــداً ثقيــلٌ كــأنَّ الصــبحَ لــمْ يـدْركْه نـورُ
وأضــحى الصــَّوم فـي رمضـان قيـداً فليــسَ لكــم بــه عــزمٌ صــبورُ
تمـــدّن عصــرُكم جمــع المزايــا وليـــسَ بغــائبٍ إلا الضــميرُ .
لقـــد ذهــبَ الوفــاءُ فلا وفــاءً وكيــف ينــالُ عهـدي الظالمينَـا
إذا الإيمـــانُ ضـــاعَ فلا أمـــانٌ ولا دُنيــا لمــن لـم يُحْـيِ دِينَـا
ومــنْ رضــيَ الحيــاةَ بغيـر ديـنٍ فقــدْ جعـلَ الفنـاء لهـا قرينَـا
وفــي التوحيــدِ للهمــمِ اتحــادٌ ولـــن تبنــوا العُلا متفرِّقينَــا
تســــاندتِ الكـــواكبُ فاســـتقرَّتْ ولـولا الجاذبيَّـة مـا بقِينَـا .
غَــدَوتُم فــي الــدِّيار بلا ديــارٍ وأنتـــم كـــالطُّيورِ بلا وكُـــورِ
وكـــلُّ صـــواعقِ الــدنيا ســِهامٌ لبيـــدرِكم وأنتــم فــي غــرورِ
أهــذا الفقــر فــي علــمٍ ومـالٍ وأنتــم فــي القطيعـةِ والنُّفـورِ
وبيـــعُ مقــابرِ الأجــدادِ أضــحى لــدى الأحفــادِ مــدعاةُ الظُّهـورِ
ســـَيُعْجَبُ تــاجرو الأصــنام قُــدماً إذا سـمعوا بتجَّـارِ القبـورِ .
مِــنَ المتقــدِّمين إلــى المعـالي علــى نهــج الهدايــةِ والصـَّوابِ
ومِـــنْ جبهــاتهم أنــوارُ بيــتي وفـــي أخلاقهــم يُتلــى كتــابي
أمــا كــانوا جُــدُودكم الأوالــي بنــاةَ المجــدِ والفــنِّ العجـابِ
وليــسَ لكــم مــن الماضـي تُـراثٌ ســوى شــَكْوى اللُّغـوبِ والاكـتئابِ
ومـن يـكُ يـومهُ فـي العيـشِ يأسـاً فمـا غـدُهُ سـوى يـومِ العـذابِ .
أتشــكو أن تــرى الأقـوامَ فـازوا بمجــــدٍ لا يـــراه النائمونـــا
مشــوا بهــدي أوائلكــم وجــدُّوا وضــــيَّعتم تــــراثَ الأوَّلينـــا
أيُحْــــرمُ عامـــلٌ وردَ المعـــالي ويســـعدُ بـــالرُّقيِّ الخاملُونــا
أليــسَ مــن العدالــةِ أنَّ أرضــي يكـــون حصـــادُها للزَّارعينـــا
تجلِّــي النُّــور فـوق الطُّـور بـاقٍ فهـل بقـيَ الكليمُ بطورِ سينا .
ألــــم يُبعـــثْ لأمَّتكـــم نـــبيٌّ يوحِّـــدكم علــى نهــجِ الــوئامِ
ومصــــحفُكم وقبلتُكـــم جميعـــاً منـــــارٌ للأخــــوةِ والســــَّلامِ
وفـــوق الكـــلِّ رحمـــنٌ رحيـــمٌ إلـــــهٌ واحــــدٌ ربُّ الأنــــامِ
فمـــا نـــارُ ألفتكـــم تـــولَّى وأمســـيتُم حيـــارى فــي الظَّلامِ
وحســـن اللُّؤلــؤ المكنــونِ رهــنٌ بصـوغِ العِقدِ في حُسْنِ النِّظامِ .
وكيـــف تغيَّــرتْ بكــمُ الَّليــالي وكيـــف تفرَّقــت بكــمُ الأمــاني
تركتــم ديــنَ أحمــدَ ثــم عـدْتُم ضـــَحايا للهـــوى أو للهـــوانِ
رقــيُّ الشــَّعبِ قــد أضـحى لـديكم تقــــرَّرُه صــــلاحيةُ الزَّمــــانِ
وكيـــف تُقـــاسُ أوهـــامٌ ولغــوٌ بحكمــةِ مُنْــزلِ السـَّبع المثـاني
أرى نــاراً قــد انقلبــتْ رمـاداً ســوى ظــلٍ مريـضٍ مـن دخـانِ .
أرى الفقـــراءَ عبَّـــاداً تقـــاةً قيامــاً فــي المسـاجدِ راكعينـا
هــمُ الأبــرارُ فــي صــومٍ وفطــرٍ وبالأســـحارِ هُـــم يســـتغفرونا
وليــس لكــم سـوى الفقـراء سـترٌ يــواري عــن عيــوبكم العُيُونـا
أضــــلَّت أغنيــــاءكم الملاهـــي فهـــم فــي ريبهــم يتردَّدونــا
وأهــلُ الفقـرِ مـا زالـوا كنـوزاً لـدينِ اللـهِ ربِّ العالمينا .
أرى التفكيـــرَ أدركـــهُ خمـــولٌ ولـم تبـقَ العـزائمُ فـي اشتعالِ
وأصــبحَ وعظُكــم مــن غيــرِ سـحرٍ ولا نـــورٌ يُطِـــلُّ مــنَ المقــالِ
وعنـــد النَّـــاسِ فلســفة وفكــرٌ ولكــن أيــن تلقيــن الغزالـي
وجلجلــــــةُ الأذان بكـــــلّ أرضٍ ولكـــن أيـــن صـــوتٌ مــن بلالِ
منـــائرُكم علـــت فــي كــلِّ حــيٍّ ومسـجدُكم مـن العبَّـادِ خـالي .
فـــأَينَ أئمـــةٌ وجنـــودُ صـــدقٍ تهــاب شــَبَاةَ عزمهــم الحـرابُ
إذا صـــنعوا فصــنعهمُ المعــالي وإنْ قـــالوا فقــولُهم الصــَّوابُ
مرادُهــــم الإلــــهُ فلا ريــــاءٌ ونهجهـــمُ اليقيــن فلا ارتيــابُ
لأمَّتهــــمْ وللأوطــــان عاشــــوا فليــس لهــم إلــى الـدُّنيا طِلابُ
كمثــلِ الكــأس تبصــرها دِهاقــاً وليـس لأجلهـا صـُنِع الشـَّرابُ .
جهـــادُ المــؤمنينَ لهــمْ حيــاةٌ ألا إنَّ الحيـــاةَ هـــيَ الجهــادُ
عقــــائدُهم ســــواعدُ ناطقـــاتٌ وبالأعمـــالِ يثبـــت الاعتقـــادُ
وخـــوفُ المـــوتِ للأحيــاءِ قــبرٌ وخــــوفُ اللـــهِ للأحـــرارِ زادُ
أرى ميراثهـــم أضـــحى لـــديكم مضــاعاً حيــثُ قـد ضـاعَ الرَّشـادُ
وليــسَ لــوارثٍ فــي الخيــر حـظٌ إذا لـم يحفـظِ الإرث اتِّحادُ .
لأيِّ مــــآثر القـــوم انتســـبتُم لتكتســـبوا فخــارَ المســلمينا
فــأين مقــامُ ذي النـورين منكـم ودولــة عــزِّه دُنيــا ودِينـا
وفقـــــــرُ علـــــــيٍّ الأوَّاب هلَّا ربحتــم فيــه كنـزَ الفاتحينـا
أقمتـمْ فـي الـذُّنوب وفـي الخطايا وتغتـــابون حتَّـــى الصــَّالحينا
وهــم ســتروا عيـوب الخلـق فضـلاً وإن كـانوا أبـرَّ المتَّقينـا .
أريكـــةُ قيصـــرٍ وســريرُ كســرى قــد احتمينــا بملكهـم العَميـمِ
وأنتــم تطمحــون إلــى الثُّريــا بلا عــــزمٍ ولا قلــــبٍ ســــليمِ
تضــيعون الإخــاءَ وهــم أقــاموا صــروحَ إخــائهم فــوق النُّجــومِ
طلبتُــمْ زهــرةَ الــدنيا وعــدتُم بلا زهــــرٍ يضــــوعُ ولا شـــميمِ
وكــان لــديهم البســتان محضــاً وهـم أصـحاب جنـات النَّعيمِ .
يعيـــدُ الكــونُ قصــَّتهم حــديثاً و يُنشــئ مــن حـديثهمُ الفنونَـا
فكــمْ نَزَحُــوا عـن الأوكـارِ شـوقاً إلــى التَّحليـق فَـوق العالمينَـا
ويـــأسُ شـــبابكم أدمــى خطــاهم فظنُّــوا فيــهِ بالـدِّين الظُنونَـا
هــي المدنيَّــةُ الحمقــاءُ ألقــت ْ بهــمْ حــولَ المــذاهب حائرينَـا
لقــد صــنعتْ لهــم صـنمَ الملاهـي لتحجـبَ عنهـم الحـرمَ الأمينَـا .
لقـد سـئمَ الهـوى فـي البيـدِ قيسٌ ومــلَّ مــن الشــَّكايةِ والعــذابِ
ويحــاولُ أن يُبــاح العشــقُ حـتى يــــرى ليلاه وهـــي بلا حجـــابِ
يريــدُ ســفور وجــهِ الحسـن لمَّـا رأى وجـــهَ الغـــرامِ بلا نقــابِ
فهــذا العهــد أحــرقَ كــلَّ غـرسِ مــن الماضــي وأغلــقَ كـلَّ بـابِ
لقــد أفنــتْ صــواعقُه المغــاني وعاثتْ في الجبالِ وفي الهضابِ .
هــي النَّـارُ الجديـدة ليـس يُلقـى لهــا حطـبٌ سـوى المجـدِ القـديمِ
خُــذوا إيمــانَ إبراهيــمَ تَنْبُــتْ لكـمْ فـي النَّـار روضـاتُ النَّعيـمِ
ويـــذكو مـــن دم الشــهداء وردٌ ســـَنِيُّ العطــرِ قدســيُّ النســيمِ
ويلمــعُ فــي ســماء الكـون لـونٌ مـــن العنَّــابِ مخضــوبُ الأديــمِ
فلا تفـــزعْ إذا المرجــانُ أضــحى عقــوداً للـبراعمِ والكُـرومِ .
فكــم زالــت ريــاضٌ مــن رباهـا وكــم بـادت نخيـلٌ فـي البـوادي
ولكـــن نخلـــةُ الإســـلامِ تنمــو علــى مــرِّ العواصــف والعـوادي
ومجــدُك فــي حِمَــى الإســلام بـاقٍ بقــاءَ الشــمس والسـَّبع الشـِّدادِ
وإنّـــك يوســـفُ فـــي أيِّ مصـــرٍ يــــرى كنعــــانه كـــلَّ البلادِ
تســـيرُ بــك القوافــلُ مُســرعاتٍ بلا جــرسٍ ولا ترجيــعِ حَــادي .
ضـــياؤكَ مشـــرقٌ فـــي كــلِّ أرضٍ لأنَّـــك غيـــر محــدودِ المكــانِ
بَغَــتْ أمــمُ التَّتــار فأدركتْهــا مـــن الإيمــانِ عاقبــةُ الأمــانِ
وأصــبحَ عابــدو الأصــنامِ قُــدماً حمـاة الحِجْـر والرُّكـن اليماني
فلا تجـــزع فهــذا العصــر ليــلٌ وأنــت النجـم يشـرق فـي كـل آنِ
ولا تخــش العواصــف فيــه وانهـض بشـعلتك المضـيئة فـي الزمانِ .
أعــدْ مــن مشـرقِ التَّوحيـد نـوراً يتــمُّ بــه اتحــادُ العالمينــا
وأنــت العطــرُ فـي روض المعـالي فكيــف تعيــشُ محتبســاً دفينــا
وأنـــت نســـيمهُ فاحمــلْ شــذاه ولا تحمـــلْ غبـــارَ الخاملينــا
وأرســـل شــعلةَ الإيمــان شمســاً وصــــغْ مـــن ذرةٍ جبلاً حصـــينا
وكــن فــي قمَّــة الطوفـان موجـاً ومزنـاً يمطـر الغيـث الهَتَونا .
فباســـم محمــدٍ شــمسِ البرايــا أقيمــت خيمــةُ الفلــك المُنيـرِ
تلألأ فــي الريــاضِ وفـي الصـحارى و فــوق المـوجِ والسـيل المغيـرِ
ونبـــضُ الكـــونِ منـــه مســتمدٌ حرارتـــه علـــى مــرِّ العصــورِ
ومـــن مراكـــش يغـــزو صـــداه ربــوعَ الصــِّين بالصـوتِ الجهيـرِ
ومـــا مشــكاةُ هــذا النــور إلا ضـميرُ المسـلمِ الحـرِّ الغيُـورِ .
ورفـــعُ الــذِّكر للمختــار رفــعٌ لقــدرك نحــو غايــاتِ الكمــالِ
فكــن إنسـانَ عيـنِ الكـونِ واشـهدْ مقامــك عاليــاً فــوق المعـالي
بخنجـــرِ عزمـــك الوثَّــاب لاحــت علـــــى الأعلامِ أنــــوارُ الهلالِ
نــداؤك فــي العناصــر مســتجابٌ إذا دوَّى بصــــــوتٍ مـــــن بلالِ
وعقلُــك فــي الخطــوبِ أجــلُّ درعٍ وعشــقُك خيـر سـيفٍ للنضـالِ .
خلافــــةُ هــــذه الأرضِ اســـتقرَّت بمجـــدكَ وهــو للــدُّنيا ســماءُ
وفـــي تكــبيركَ القدســيِّ يبــدو صــغيراً كــلَّ مــا ضــمَّ الفضـاءُ
فيـــا مــن هــبَّ للإســلام يــدعو وأيقــظ صــدقَ غيرتــه الوفــاءُ
ســـترفعُ قـــدرك الأقــدارُ حــتى تشـــاهد أنَّ ســـاعدك القضـــاءُ
وقيــل لــكَ احتكـمْ دنيـا وأخـرى وشــأنكَ والخلـودَ كمـا تشـاءُ .
محمد إقبال
695 قصيدة
10 ديوان

محمد إقبال بن محمد نور بن محمد توفيق: أكبر شعراء الإسلام في القرن العشرين، مولده في سيالكوت، يوم 24 ذي الحجة سنة 1289 هـ الموافق / 22 / 2/ 1873 م . وأدخله أبوه مدرسة البعثة الأسكوتية في سِيالَكوت ليكون في رعاية صديقه مير حسن . و كان أستاذاً مُتضلعاً في الأدب الفارسي عارفاً بالعربية . وتخرج من الكلية الأسكوتية سنة 1895 وهو في الثانية والعشرين من عمره، ثم تابع دراسته في جامعة عليكره في لاهور ، ونال منها عام 1905 شهادة أستاذ في الفن (الفلسفة) بإشراف أستاذ الفلسفة الإسلامية فيها السير توماس آرنولد. ونصحه آرنولد بمتابعة دراسته في أوربا ويسر له ذلك، وركب سفينة قاصداً إنكلترا ، والتحق بجامعة كمبردج ، وتتلمذ للأستاذ الدكتور ميكتاكرت ، ونال من هذه الجامعة درجة الليسانس في فلسفة الأخلاق والماجستير في القانون، ثم سافر إلى ألمانيا فتعلم الألمانية في زمن قليل ، و التحق بجامعة ميونخ وكتب رسالته ( تطور ما وراء الطبيعة في فارس ) ، و هي أول كتاب في الفلسفة عرَّف الناس بقدرة إقبال . ولبث إقبال في أوربا زهاء ثلاث سنين ، ثم رجع إلى وطنه سنة 1908 م . واختير لتدريس التاريخ و الفلسفة في الكلية الشرقية في لاهور . وأستاذا للفلسفة و اللغة الإنكليزية بكلية الحكومة التي تخرج فيها وجال في أرجاء الهند ومعاهدها محاضرا بكتابه (تجديد الفكر الديني في الإسلام) وهو أشهر مؤلفاته في الفلسفة ..ونشر أول دواوينه ( أسرار خودي ) سنة 1915 م ؛.

ودعاه نادر شاه ملك الأفغان إلى أفغانستان فلبى الدعوة ومعه السير رأس مسعود و الشيخ سليمان الندوي ، وزار هناك ضريح ( محمود الغزنوي) وقبر ( مجد الدين سنائي ) و له في هذين المشهدين قصائد بليغة

وعمل في المحاماة فكانت مهنته الأساسية حتى اضطره المرض إلى تركها عام 1934م قبل وفاته ب 4 سنوات. وبدأ مرض الحصوة يفتك به منذ عام 1935 وهي السنة التي توفيت فيها زوجته، وترادفت عليه العلل حتى وفاته يوم 19/ 4 / 1938 ودفن في فناء ( شاهي مسجد ) ، وكتب على شاهدة قبره : إن محمد نادر شاه ملك الأفغان أمر بصنع هذا الضريح اعترافاً منه ، و من الأمة الأفغانية بفضل الشاعر محمد إقبال.

ويروي راجه حسن ، و كان مع إقبال ليلة وفاته أنه أنشد قبل موته بعشر دقائق ما ترجمته: 

نغماتٌ مضينَ لي هل تعود ؟ = أنسيمٌ من الحجاز يعودُ ؟ 

آذنت عيشتي بوشك رحيلٍ = هل لعلم الأسرار قلبٌ جديدُ ؟ 

قال عزام: (توفي إقبال و عمره بالتوقيت الهجري : سبع و ستون سنة و شهر و ستة و عشرين يوماً ، و بالحساب الشمسي خمس و ستون سنة وشهر و تسعة و عشرون يوماً) .

وعقب وفاته صدرت في لاهور مجلة تحمل اسمه "إقبال" باللغتين الأردية والإنكليزية اعتنت بنشر شعره وفلسفته . منها : 

( التطور في فلسفة إقبال). 

( الفن في مذهب إقبال). 

(إبليس في تصور إقبال). 

(فلسفة الذاتية عند إقبال).

(إقبال و مسألة الاجتهاد).

(معنى العشق في شعر إقبال) . 

( معنى الفقر في شعر إقبال). 

و لا تكاد تخلو مجلة أدبية في باكستان من مقال عن إقبال ، مثال مجلة باكستان ، عدد نيسان ، و فيه هذا المقالات : 

(إقبال رسالة أمل مشرق) .

(إقبال و الوطنية ) . 

(إقبال الشعر الفيلسوف). 

( بيتٌ من شعر إقبال). 

(إقبال و مسجد قرطبة). 

 قال: عبد الوهاب عزام: (ودعي إقبال إلى دار حاكم بنجاب الإنكليز لمنحه لقب (سير) و قد حكى أحد أصدقائه أنه لم يرغب في إجابة الدعوة ، و أنه ألح عليه، و حمله في عربته إلى دار الحاكم ، و أعطي لقب ( سير) على شرطٍ منه إعطاء أستاذه (مير حسن) لقب شمس العلماء فأجيب إلى ما اشترط . 

ويقترن ذكر مير حسن بسيرة إقبال ، و يشاد بأثر هذا الأستاذ في تأديب تلميذه ، وهو من المنتسبين إلى آل البيت ، و كان أستاذ اللغة العربية في كلية سِيالَكوت ، و كان متضلعاً في الأدب الفارسي ، و كان علماً من أعلام البلد ، يعرفه الصغير و الكبير ، مهيباً مبجلاً ، و كان ضعيف البصر يمشي الهوينى متوكئاً على عصا طويلة لا يتأخر عن موعده دقيقة ، و قد بلغ من هيبته أن الأساتذة ، و الطلبة كانوا إذا رأوه قادماً خلّوا له الطريق أو أفسحوا له ، و لم يكن غليظاً جافاً بل كان طريفاً فكهاً في مواضع الظرف ، و التفكه . 

وأخذ إقبال فنون الشعر في صباه عن الشاعر ( داغ ) أحد شعراء الأردية النابهين

أما أصل إقبال فمن براهمة كشمير من بلدة فيها تسمى لوهَر. أسلم أحد أجداده وكان برهمياً قبل ثلاثة قرون في عهد الدولة المغولية ،على يد الشيخ شاه همداني. و هاجر جده ( محمد رفيق ) جد محمد إقبال من كشمير إلى مدينة سِيالَكوت من ولاية البنجاب مع أخوته الثلاثة ومنهم محمد رمضان صاحب التآليف المشهورة باللغة الفارسية . وقد أشار إقبال إلى أصله البرهمي في كثير من شعره كقوله يخاطب فيلسوفا هاشميا

و إنني في الأصل سُومَناتي = إلى مناةٍ نسبي و اللاتِ 

و أنت من أولاد هاشمي = و طِينَتي من نسل برهَمي 

وقوله في قصيدة بعنوان: ( إلى أمراء العرب ) : 

هلْ يُسعِدُ الكافِرَ الهنديَّ منطقُه = مخاطباً أمراء العرب في أدبِ 

وقوله في بيام مشرق : 

انظر إليَّ فما ترى في الهندِ غيري رجلاً من سلالة البراهمة عارفاً بأسرار الروم ، و تبريز. 

و في شعرٍ آخر : 

قد قام الأمراء بالدين ، و القلب في حَلْبة السياسة ، فما ترى غير ابن البرهمن مَحرماً للأسرار. 

و يقول في هجرة أسرته من كشمير : 

لقد هجر الدُّرُّ أرضَ اليمن = و نافجةُ المسكِ أرضَ الخُتن 

و بُلبل كشمير في الهند ثاو = بعيداً من الروض خارَ الوطن . 

وقد خص أمه بقصيدة مطولة في ديوانه (صلصلة الجرس). 

وكانت لجلال الدين الرومي منزلة استثنائية في قلبه عبر عنها 

بمنظومته الخالدة جاويد نامه و قص فيها سفره في الأفلاك السبعة وجعل جلال الدين دليله في السفر ، يقول إقبال في مقدمة أسرار خودي : 

صيَّر الرومي طيني جوهرا = من غباري شاد كوناً آخرا 

ذرة تصعد من صحرائها = لتنال الشمس في عليائها 

إنني في لُجَّه موجٌ سرى = لأصيب الدر فيه نيرا 

دواوينه:

( ديوان بانك درا / أو: صلصلة الجرس ): 

نشر أول مرة سنة 1924 م . و هذا الديوان يحوي شعر الصبا و قد قسمه إقبال إلى ثلاث أقسام : 

القسم الأول :إلى سنة 1905 و فيه زهاء ستين قصيدة منذ أن شرع إقبال بنظم الشعر إلى أن سافر أوربا سنة 1905 . 

و في هذا القسم قصائد قومية و وطنية ، إلى قصائد إسلامية و إنسانية . 

القسم الثاني : من 1905 إلى 1908 م . 

و هو ما أنشأه في أوربا حينما ذهب إليها للدرس ، و هو زهاء ثلاثين قصيدة و قطعة . و هذا القسم جديرٌ بالعناية بما يبين عن شعور الشاعر أو عهده بالإقامة في أوربا . و رؤيته حضارتها في مواطنها على اختلاف وجوهها ، و تعدد مظاهرها. 

و القسم الثالث : من 1908 م إلى أن نشر الكتاب سنة 1924 م و فيه زهاء ثمانين قصيدة و قطعة . 

في هذا الديوان شعر لإقبال أنشأ بعضه في صباه و بعضه في سن الخمسين ...

( ديوان الأسرار و الرموز ): 

( أسرار خودي و رموز بيخودي ): 

(أسرار الذات و رموز نفي الذات ) باللغة الفارسية ، منظومتان على القافية المزدوجة و هي تسمى المثنوي في عرف شعراء الفارسية و من تبعهم من شعراء التركية و الأردية . 

( ديوان بيام مشرق) : 

( رسالة المشرق في اللغة الفارسية) : 

طبع هذا الديوان أول مرة سنة 1923 . 

و كتب الشاعر فوق عنوان الديوان : (ولله المشرق و المغرب) و كتب تحته: 

جواب ديوان الشاعر الألماني غوته . 

و هو روضة من الشعر تختلف أزهارها، و نوارها و ضروب النبات فيها و ألوانه ، و صنوف الريحان فيها و روائحه . جمعت أشتات الزهر من المشرق و المغرب. 

و فيها الأقسام الآتية : 

(1):شقائق الطور ، و هي رباعيات. 

(2): الأفكار ، و هي أحدى و خمسون قطعة و قصيدة . 

(3): الخمر الباقية ، و هي قصائد صوفية رمزية من الضرب الذي يسمى في اصطلاح الأدب الفارسي غزلاً . و هو غير الاصطلاح العربي . 

و الغزل في اصطلاح شعراء الفرس أبيات قليلة لا يلتزم فيها الشاعر موضوعاً واحداً . و عدد الغزليات في هذا القسم خمسٌ وأربعون . 

(4): نقش الإفرنج ، و هي أربع و عشرون قطعة و قصيدة ، يذكر فيها إقبال بعض شعراء أوربا و فلاسفتها ، و ينتقد مذاهبهم و آراءهم فيقبل منها و يرد. 

(5): الدقائق ، و هي قطع صغيرة و أبيات مفردة ألحقها بالديوان ، و قد طبع الديوان في كراجي . 

(ديوان زبور عجم): 

باللغة الفارسية . نشره سنة 1929 م . و هو من أجود شعره و أدقه معنى ، و أبعده مرمى . صدره بكلمة إلى القراء ، يقول فيها : 

تحجب عيني شعرة حيناً ، و ترى عيني العالمين حيناً . إن وادي العشق سحيق و طويل ، و لكن طريق مائة سنة تطوى بآهة حيناً .

 جِدَّ و لا يهن أملك و عزمك . فربَّ سعادة تواتي على قارعة الطريق حيناً . 

وهذا الديوان أربعة أقسام : 

الأول: فيه دعاء و ست وستون قطعة أكثرها بدون عنوان. 

و الثاني: فيه خمس وسبعون قطعة تقل فيها العناوين أيضاً. 

و الثالث: حديقة السر الجديدة (كلشن راز جديد) ، وهو على طريقة (كلشن راز) الذي ألفه الشيخ محمود الشستري إجابة لأسئلة في التصوف أرسلها إليه بعض المتصوفة ، و لهذا سمى إقبال منظومته ( كلشن راز جديد) ، و فيه يجيب إقبال على تسعة أسئلة فيها دقائق فلسفية و صوفية ... 

والرابع : بين فيه آثار العبودية في الحياة ، و الفنون الجميلة ، على مذهبه المعروف ، و هذه الأقسام كلها تعرف باسم (زبور العجم) و قد جمعت في مجلد واحد ، عليه هذا العنوان ، و لكن يتبين من العناوين الداخلة أن القسمين الأولين هما زبور العجم ، و ألحق بهما القسمين الأخيرين بعنوانين منفصلين . 

(ديوان جاويد نامة ): 

بالفارسية ، طبع سنة 1932 ، و معناه الكتاب الخالد ، و فيه تورية إلى جاويد ابن الشاعر . 

و هو منظومة مزدوجة القافية ( مثنوية) في بحر واحد هو الرمل مثل منظومتي الأسرار و الرموز . و هي من أعمق شعره ، يحتاج قارئها إلى زاد كثير من المعرفة بالتصوف و الفلسفة و التاريخ . 

و جاويد نامة قصة سفر في الأفلاك كقصة دانتي الشاعر الإيطالي ، فيها زهاء ألفي بيت . 

للقصة مقدمة فيها مناجاة ، و فصول أخرى ، إلى أن تظهر روح جلال الدين الرومي صاحب المثنوي المشهور . فيشرح أسرار المعراج ، و هو دليل الشاعر في هذه الرحلة ثم يأتي زروان ، و هو روح الزمان و المكان ؛فيحمل الشاعر و دليله جلال الدين إلى العالم العلوي ، فيسيحان في الأفلاك الستة : القمر ، و عطارد ، و الزهرة ، و المريخ، و المشتري ، و زحل ، ثم فيما وراء الأفلاك . و تختم المنظومات بأبيات كثيرة يخاطب فيها ابنه ( جاويد) و الجيل الجديد . 

(ديوان مسافر): 

 نشر هذا الديوان في سنة 1934 باللغة الفارسية ، و هي منظومة مزدوجة ( مثنوية) سجل فيها ما جال بفكره، و جاش في قلبه حينما سافر إلى أفغانستان بدعوة من الملك نادر شاه . 

و خاطب في هذه المنظومة الملك نادر شاه ، و قبائل الأفغان ، و هو كثير الإعجاب بشجاعتهم و حريتهم . 

و كذلك وقف على ضريح الملك بابر رأس الدولة التيمورية في الهند ، و هو من أعظم ملوك العالم ، و على قبر سنائي و الغزنوي و غيرهم .... 

وختم المنظومة بأبيات خاطب بها الملك ظاهر شاه بن نادر شاه . و قد قتل نادر شاه رحمه الله بعد عودة إقبال من أفغانستان ؛ فخلفه ابنه ظاهر شاه .

(بال جبريل): 

( جناح جبريل باللغة الأردية ): 

نشره سنة 1935 و فيه هذه الأقسام : 

(1): إحدى و ستون قطعة تتناول أفكاره الشائعة في شعره في صور شتى و رباعيات قليلة . 

(2): قصائد نظمها في الأندلس حينما زارها . 

(3): من عيون القصائد في القسم الثالث منظومة عنوانها ( لينين أمام الله) ، و هي في صورة قصة تمثيلية ، و أشعار نظمت في فلسطين و منظومة عنوانها ( الملائكة يودعون آدم خارجاً من الجنة)، و محاورة طويلة بين جلال الدين الرومي و مريد هندي .. 

(4): و قطع أخرى كثيرة ... 

( ديوان ماذا ينبغي أن نصنع الآن يا أمم الشرق) 

(بس جه بايد كرد أي أقوام مشرق ) : 

 باللغة الفارسية . 

منظومات مثنوية نشرها سنة 1936 م ، بعد أن استولت إيطاليا على الحبشة . ووضع عليها كلها عنوان المنظومة التي ذكر فيها حرب الحبشة، و عصبة الأمم . و هو ذات العنوان الذي صدرت به هذه الأسطر ، و لكن فيها عناوين متعددة في موضوعات مختلفة مثل : خطاب الشمس ، الحكمة الكليمية ، الحكمة الفرعونية ، لا إله إلا الله ، الفقر ، الرجل الحر ، في أسرار الشريعة ، كلمات إلى الأمة العربية ... الخ 

و هذه المنظومات في جملتها حكمة بالغة ، و شعر بليغ نفثهما الشاعر حين حزنته أحوال المسلمين .... 

(ديوان ضرب الكليم): 

باللغة الأردية ، نشر سنة 1937 . و لم ينشر في حياته ديوان بعده. 

و هو ديوان مفصل على أبواب فيها نظرات في الإسلام ، والتربية ، والمرأة ، والفنون الجميلة ، والسياسة ، وغيرها .. 

( ديوان أرمغان حجاز) : 

هذا الديوان نشر بعد وفاة الشاعر ، فيه آخر أفكاره ، و ختام نظراته ، و لكن فيه منظومة مهمة عنوانها ( مجلس شورى إبليس ) .. 

و القسم الفارسي من هذا الديوان و هو أكثره رباعيات مقسمة و بعضها جعل عنوانها إلى الأمة يخاطب بها شعراء العرب . 

و في كل قسم من هذه الأقسام عناوين أخرى .. 

باختصار عن كتاب عبد الوهاب عزام ( محمد إقبال سيرته و فلسفته وشعره)

(إعداد: تغريد بلله)

1938م-
1357هـ-