القطعة 1133 قصيدة في (101) مائة وبيت (الديوان ج4/ ص1487) من مشهور شعر ابن الرومي، وتسمى (رمي البندق) وهي من أجمل شعر الطرد والصيد اختار منها الصفدي (55) بيتا أوردها في ترجمة ابن الرومي، والشمشاطي (31) بيتا في (الأنوار ومحاسن الأشعار) وفي (التذكرة الحمدونية) ستة أبيات منها بدءا من البيت (كأن بنات الماء) افتتحها ابن الرومي بقوله :( بكيت فلم تترك لعينيك مدمعا) أشار بذلك إلى قول جرير
| وَتَبكــي عَلــى مـا فـاتَ قَبلَـكَ دارِمـاً | وَإِن تَبـــكِ لا تَـــترُك بِعَينِـــكَ مَــدمَعا |
وقد لحق هذه القصيدة خطأ فني في نشرات الموسوعة إذ نشرت (78) بيتا منها في قطعة، و23 بيتا في قطعة أخرى أولها
| أمــونٍ مــن العظعــاظ عنــد مروقهــا | وإن عارضــتها الريــحُ نكبــاءَ زعزعـا |
والصواب أن هذ البيت هو البيت (التاسع والسبعون) من القصيدة
وفيها قوله البيت 11 وما بعده يصف صاحبيه في رحلة الصيد
| وقـــد أغتــدي للطيــر والطيــر هجَّــعٌ | ولــو أوجســت مغــداي مـا بتـن هجَّعـا |
| بِخِلَّيْـــنِ تمَّـــا بــي ثلاثــةَ إخــوةٍ | جســــومهم شـــتى وأرواحهـــم معـــا |
ويزيد في وصف صداقتهم في بضعة ابيات منها:
| إذا مـــا رَفَعنـــا مقبليـــن لمجلــسٍ | طلعنـــا جميعـــاً لا نغـــادر مطلعـــا |
ويستمر في وصف مجالسه معهما حتى البيت 34:
| وفاضـــت أحــاديث الفكاهــات بيننــا | كأحســـن مــا فــاض الحــديث وأمتعــا |
ويشرع في حديث الصيد ووصف بندقياتهم في البيت 37 فما بعده:
| فثــــاروا إلـــى آلاتهـــم فتقلـــدوا | خــرائط حمــراً تحمــل الســمَّ مُنقَعــا |
ثم يصف وقوفهم للصيد فيقول:
| وللــه عينــا مــن رآهـم إذا انتهـوا | إلــى موقــف المرمــى فــأقبلن نُزَّعـا |
| وقـــد وقفـــوا للحائنـــات وشــمَّروا | لهــنَّ إلــى الأنصــاف ســوقاً وأذرعــا |
ويصف البندقية في البيت 60 فما بعده فيقول:
| كــأن لبــاب التــبر عنــد انتضـائها | جـــرى مـــاؤه فــي ليطهــا فترَبّعــا |
| كأنـــك إذ ألقيـــت عنهـــا ثيابهـــا | ســفرت بــه عــن وجــه عـذراء برقعـا |
| كـــأن قراهــا والفــروز الــتي بــه | وإن لـــم تجــدها العيــن إلا تتبعــا |
| مـــذر ســـحيق الـــورس فـــوق صــلاية | يخــالطه مــن أرجــل النمــل أكرعــا |
| لهـــا أول طـــوع اليـــدين وآخـــر | إذا ســـمته الإغـــراق فيهــا تمنعــا |
| ولا عيـــب فيهـــا غيـــر أن نـــذيرها | يـــروع قلــوب الطيــر حــتى تضعضــعا |
إلى أن قال:
| لهــا عولــة أولــى بهــا مــن تصـيبه | وأجــدر بــالإعوال مــن كــان موجعــا |
| مربعــــــة مســـــقومة بشـــــبابها | كتمثــال بيــت الوشــي حيــك مربعــا |
| تقـــاذف عنهـــا كلمــا ســاء حــذرة | يمــــر مـــروراً بالفضـــاء مشـــيعا |
| فـــإن أخطـــأته اســتوهلته لأختهــا | فتلحقـــه الأخـــرى مروعـــاً مفزَّعـــا |
| وإن ثقفتـــــه أنفـــــذته وقـــــدرت | لــه مــا يــوازيه مــن الأرض مصــرعا |
ثم يصف الصيد بعد سقوطه على الأرض، بقوله:
| كــأن بنــات المــاء فـي صـرح متنـه | إذا مــــا علا رأد الضـــحى فترفعـــا |
| زرابـــي كســرى بثهــا فــي صــحابه | ليحضـــر وفـــداً أو ليجمـــع مجمعــا |
والمراد ببنات الماء كل الطيور التي تألف البحر وتقتات السمك.
ثم يشير إلى أنواع هذه الطيور بنات الماء فيقول:
| تلبَّـــسُ أصـــنافاً مـــن الــبزِّ خلقــةً | حريـــراً وديباجـــاً وريطـــاً مُقَطَّعـــا |
ثم يشرع في وصف بعضها فمنها في البيت في وصف الخيابوذ
| فــــبين خُيــــابوذٍ زهتــــه شـــياتُهُ | فزينــــه ريــــش تــــراه موزَّعــــا |
البيت والذي يليه سقطا من كتاب (الأنوار ومحاسن الأشعار) للشميشاطي (ت 377) وهو قريب العهد بابن الرومي (ت 283هـ) كما سقط من التذكرة الحمدونية و(الوافي) للصفدي. وهما في وصف (الخيابوذ) ولم أهتد إلى معرفته، والظاهر من صفته أنه (البط البري) قال ابن سيده في المخصص: (وطير الماء أكثر من مائتي لون زعموا والعرب لا تعرف أكثرها قال وأسماؤها عندنا بالنبطية لأنها في البطائح في بلاد النبط والشاهمرجات أيضاً ضروب وألوان)
ثم يصف طائرا من بنات الماء لم اهتد إلى تحديده ؟ أهم صفاته أن على منقاره حبائك وهو أشبه ما يكون بملعقة الصيني، وأن على رأسه تاجا كالطاووس، وأن لونه أخضر. فمن طيور الماء الخضراء (الأخيل) ويسمى (الخضاري) أيضا، وفي انواع الحبارى حبرج أخضر أشبه شيء بالطاووس، أما الببغاء فليست من بنات الماء ومن بنات الماء التي على رأس بعضها تاج الكركي ويعتبر أثمن أنواع بنات الماء على الإطلاق (وذكر السهيلي من رواية ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في بني سعد، نزل عليه كركيان فشق أحدهما بمنقاره جوفه، ومج الآخر في فيه بمنقاره ثلجاً ...إلخ) ومن طيور الماء التي يشبه منقارها الملعقة (أبو ملعقة) ويسمى (الملاعقي)، إلا أن ابن الرومي لا يريد هذا النوع من المناقير، وإنما يريد ما يشبه (ملعقة الصيني) وهي عودان اثنان يشبان منقار مالك الحزين ولا يستبعد سقوط أبيات في هذا الموضع من القصيدة ويكون الحديث فيها عن أكثر من طائر، وقد وقع مثل ذلك في رواية التذكرة الحمدونية والوافي للصفدي و(الانوار) للشمشاطي.
وأخضر كالطاووس يُحسَبُ رأسُهُ بخضراء من حُرِّ الحرير مقنَّعا
يتيه بمنقارٍ عليه حبائلٌ تخيّلنَ في ضاحيه جَزعاً مجزَّعا
وحبائل هي في (التذكرة) و(الأنوار ومحاسن الأشعار) حبائك وهي الصواب
وفي هذا الوصف قوله وهو من مفردات الحضارة:
يلوح على إسطامه وشيُ صفرةٍ ترقِّشُ منها متنَهُ فتلمَّعا
كملعقة الصيني أخدمها يداً صناعاً وإن كانت يد الله أصنعا
أخدمها يدا: أي كلف أمهر خدامه بصناعتها وصناعا صفة لليد.
ويبلغ قمة الروعة في وصف (أبو منجل) فيقول.
ومن أعقف أحذاه منقارُهُ اسمَهُ أضدَّ بديعُ الخلق فيه فأبدعا
قوله: أحذاه: أي اعطاه، أي أعطاه منقاره اسمه، وهو بكل تاكيد (أبو منجل) لا مجال للشك في ذلك، لأن كل الأوصاف التي تضمنتها الأبيات التالية تنطبق عليه، وتسمية (أبو منجل) قديمة وردت في (آثار البلاد) للقزويني و(معجم البلدان) لياقوت نقلا عن (تاريخ تنيس) في نص سمى فيه أكثر من (130) طائرا.
وقوله: كأن حجاجيه بفَصَّينِ رُصِّعا
الحجاج العظم الذي ينبت عليه شعر الحاجب
وقوله (أضد بديع الخلق فيه فأبدع) أي جمع فيه الأضداد
| مشــــينٌ بجيــــدٍ ذي ســـواد وزُعـــرةٍ | ورأس شـــبيه الجيـــد أســود أقرعــا |
ففيه من الشين: صدر ورأس أسودان، هذا أقرع وذلك أزعر (قال في المحيط: الزعرُ: قلةُ الشعَر والريْش وتَفَرُّقُهما)
| مَزِيـــنٌ بســربالٍ مــن الريــش ناصــع | لــه زبــرج يحكــي الثغــام المترَّعـا |
وفيه من الزين سربال ريشه الأبيض الناصع، وأبرز ما يميز (أبو منجل) أن رأسه أسود أقرع وجسمه كله أبيض.
| مطــــرَّفُ أطــــرافِ الجنـــاحِ كـــأنَّه | بنـــانُ عـــروسٍ بالخضـــاب تقَمَّعـــا |
(والمطرف المخضوب والمصبغ، وفي اللسان يقال: طَرَّفَت الجارية بَنانَها إذا خضَبت أَطْراف أَصابعها بالحِنَّاء)
قال الصفدي في خاتمة القصيدة: (هذه القصيدة العينية طويلة اخترت منها هذا الذي أثبته) وأرجح أن القصيدة وصلتنا ناقصة لأن من شأن ابن الرومي أن يعرض مقدرته في التحكم في القوافي، مع أن القصيدة خالية تماما من قواف سائرة في هذا الروي، وليس من شأن ابن الرومي إهمالها.