جزمت بقرب إطلاق الأسير

القصيدة في الديوان باب القصائد الوطنية بعنوان: مناجاة بين أسير "وأبى بشير" وفي مقدمتها:

لما اندلعت الثورة ألقي القبض على الشاعر وزج به في السجن ثم أطلق سراحه بعد المحاكمة، ثم امتحن بتجربة استعمارية قاسية فنجاه الله منها بلطف خاص والحمد لله، فغادر "عين مليلة" إلى بسكرة فألزم بالإقامة الإجبارية وحرم من حق حرية الاجتماع وطوق برقابة شديدة إلى انتهاء الثورة سنة 1962.

وفي فترة من فترات وحدته المضنية سمع صوت هذا الطائر الجميل داخل منزله وكأنه يحييه بصوته العذب تحية طيبة مباركة فاستبشر بذلك وتفاءل خيرا بقرب انفراج الأزمة وأبت له شاعريته إلا أن يرد تحية زائره المحبوب ويناجيه بهذه النجوى الطريفة:

الأبيات 36
جزمــت بقــرب إطلاق الأسـير غـداة سـمعت صـوت أبي بشير
فقمــت مرحبـا بنزيـل يمـن علــي بكــل إكــرام جـدير
وجئت أبثــه نجــواي ســرا ومـن للحـر بالصـوت الجهير
أنــاجيه بآمــالي وحــالي وأسـتفتيه عـن شعبي الكسير
كمـا نـاجى الأمير أبو فراس حمـــامته بشــعر مســتثير
فقلـت أبـا بشـير أنـت ضيف قـراك الشـعر لا حـب الشعير
رأيتـك فـابتهجت فكن سميرا لمشـتاق إلـى سـمر السـمير
وواع مــا تقــول ورب مصـغ لصـوتك مـا وعى غير الصفير
أراك أبـا بشـير ضـيف خيـر وطــائر رحمــة للمســتخير
وكـل سـفارة لـك فهـي بشرى فــأهلا بالسـفارة والسـفير
أرح قلـبي بزقزقـة الأمـاني ومتعنــي بمنظــرك النضـير
وأنـبئني عـن الأمـل المرجى وحـدثني عـن الحـدث الخطير
فقـال: لقـد أتيتك من بعيد فأصـغ إلـي وارو عن الخبير
كمـا أصـغى سـليمان قـديما إلـى أنبـاء هدهـده الصغير
سـيحمد شـعبك العقبى قريبا ويحـرز نصـره بيـد القـدير
ويشـهد بعـث دولتـه فيرضـى ويحضــى بــالهلالي المنيـر
ويحكـم حكمـه الشـوري حـرا وخيـر الحكـم حكم المستشير
إذا كـان الوفـاق لـه دليلا فمجلــوب إلــى خيـر كـثير
وإن كـان الشـقاق لـه سبيلا فمنكـــوب بشـــر مســتطير
فقـم واهتـف بوحـدته وحـرض عليهـا فهـي كهـف المستجير
وكـن عبدا لها واطلب رضاها ولـو بالصـبر والذل المرير
أذانـات السـلام غـدا تـدوي فيسـكت صـوتها صـوت النفير
كـأني بـالجزائر في ابتهاج بنصرتها على الباغي المغير
لقـد شـطت فرنسـا في أذاها وحطتهـا إلـى الدرك الحقير
سـقتها بالعـذاب كـؤوس صـاب وآخـر سـقيها شـرب المـدير
فقـل لمـن استعار حمى سواه أعــده بغيـر مطـل للمعيـر
كـأني بـالمواكب وهـي نشوى من التحرير ترفل في الحرير
وتهتــف للجــزائر عـابرات بشـتى الطـرق تعبق بالعبير
ومـا شـعب الجزائر غير شعب ســخي بالفـدى حـر الضـمير
وحسـبك ثـورة الأحـرار حكما أخيـرا منه في العهد الأخير
لقــد ضـحى بثـورته فأضـحى بها في الصبر منقطع النظير
ولا تزعجـــك آلاف الضــحايا ومـا أجـراه من دمه الغزير
فتلـك شـهادة الشـهداء فيه وذلـك أجـر مطلبـه الكـبير
أتـى اسـتقلاله حتمـا فأبشر وبشـر مـا لقولـك مـن نكير
ودع عنـك التشـاؤم فهو وهم وهــم ليـس يجمـل بالبصـير
فليــس لأمــة بـالحق ثـارت مصـير غيـر تقريـر المصـير
محمد العيد آل خليفة
44 قصيدة
1 ديوان
محمد العيد بن محمد علي بن خليفة من أشهر الشعراء الجزائريين الذين واكبوا الثورة التحررية والاستقلال، ويعد شعره مرآة لتلك الفترة من تاريخ الجزائر الحديث. لقبه الشيخ عبد الحميد بن باديس بأمير شعراء الجزائر، يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: (رافق شعره النهضة الجزائرية في جميع مراحلها، وله في كل ناحية من نواحيها، وفي كل طور من أطوارها، وفي كل أثر من آثارها- القصائد الغر، والمقاطع الخالدة، فشعره- لو جمع- سجل صادق لهذه النهضة، وعرض رائع لأطوارها.)

ولد بعين البيضاء بولاية أم البواقي وسط عائلة محافظة متصوفة تنتمي إلى الطريقة التجانية تنحدر من بلدة كوينين من ولاية واد سوف. حفظ القرآن وبدأ تلقي علوم الدين على شيوخ بسكرة، ثم بجامع الزيتونة، وبعد ذلك على علماء الجزائر. درّس في عدة مدارس بمختلف ولايات الجزائر وتولى إدارتها خلال الحقبة الاستعمارية، كما أسهم في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931، ونشر شعره في جريدة البصائر لسان حال الجمعية وفي العديد من الجرائد الوطنية كجريدة الشهاب وصدى الصحراء ، وكان عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق. 

احتك بأعمدة الحركة الوطنية الإصلاحية مثل العلامة عبد الحميد بن باديس والشيخ محمد البشير الإبراهيمي والشيخ محمد العقبي وكان لذلك أثر كبير على إنتاجه الشعري.

اعتقلته السلطات الفرنسية بعد اندلاع الثورة الكبرى بسبب شعره الإصلاحي الدعوي ومواقفه الوطنية، ثم وضع تحت الإقامة الجبرية ببسكرة إلى غاية الاستقلال.

بعد الاستقلال تفرغ الشاعر للعبادة وآثر الخلوة إلى أن وافته المنية بمستشفى باتنة سنة 1979م.

جمع ديوانه أول مرة تلميذه أحمد بوعدو سنة 1952 وعلق على قصائده الشيخ محمد البشير الإبراهيمي وتمت طباعته ويحوي 6797 بيتا، تحت إشراف نجله أحمد طالب الإبراهيمي سنة 1967.

وتمت طباعة تكملة للديوان سنة 2003 لمحمد بن سمينة تحت عنوان العيديات المجهولة

بالتصرف عن محمد العيد آل خليفة: دراسة تحليلية لحياته، تأليف أ/محمد ابن سمينة /ديوان المطبوعات الجامعية، ابن عكنون –الجزائر

 

1979م-
1399هـ-

قصائد أخرى لمحمد العيد آل خليفة

محمد العيد آل خليفة
محمد العيد آل خليفة

يقول الشاعر في إهداء الديوان:

محمد العيد آل خليفة
محمد العيد آل خليفة

وفي خاتمة الديوان يشير إلى الفضل الذي يعود للأستاذ أحمد طالب الإبراهيمي نجل الشيخ البشير الإبراهيمي في طباعة الديوان، وكان حينها وزيرا للإعلام والثقافة، يقول:

محمد العيد آل خليفة
محمد العيد آل خليفة

القصيدة في الديوان بعناون (أسطر الكون) ويفهم من البيت الرابع أنه كتبها وهو في العشرين من عمره