قف في ربى الخلد واهتف باسم شاعره

شوقي

الأبيات 50
قـف في ربى الخلد واهتف باسم شاعره فســدرة المنتهــى أدنــى منـابره
وامسـح جبينـك بـالركن الذي انبلجت أشــعة الــوحي شـعراً مـن منـائره
إلهــة الشــعر قــامت عـن ميـامنه وربــة النــثر قـامت عـن مياسـره
والحــور قصـت شـذوذاً مـن غـدائرها وأرســـلتها بــديلاً مــن ســتائره
أتــراب مريــم تلهــو فـي خمـائله ورهــط جبريــل يحبـو فـي مقاصـره
والملهمـون بنـو هـومير مـا تركـوا لمــا أهــل لهــم ســجعاً لطـائره
قال الملائك : من هذا ؟ فقيل لهم : هـذا هـوى الشـرق هـذا ضـوء نـاظره
هــذا الـذي نظـم الأرواح فـانتظمت عقــداً مـن الحـب سـلك مـن خـواطره
هــذا الـذي رفـع الأهـرام مـن أدب وكــان فــي تاجهــا أغلـى جـواهره
هــذا الــذي لمــس الآلام فابتسـمت جرحهــا ثــم ذابــت فــي محــاجره
كـم فـي ثغـور العـذارى مـن بوارقه وفــي جفـون اليتـامى مـن مـواطره
سـل جنـة الخلـد كـم ودت أزهارهـا لــو اســتحالت عـبيراً فـي مجـامره
وصــادح الطيـر لـو سـالت حناجرهـا مــع الصــباح نشـيداً فـي مزاهـره
والزهــر لــو كــن أزراراً مفضضـة علــى الـذيول الضـوافي مـن مـآزره
مــا بلـدة سـعدت بـالنهر يغمرهـا بكــل أزهــر حــالي العـود ناضـره
بالبلبــل المتغنــي فــي ملاعبــه والســنبل المتثنــي فــي غــدائره
بالحقـل ترعـى بـه القطعـان هـانئة والنحــل يرضـع مـن ثـديي أزاهـره
يســتقبل الفجــر أهلوهــا بغرتـه ويغرقــون الليــالي فــي ســرائره
نـاموا علـى سـرر الأعـراس وانتبهوا علــى صــباح بكــي الطـرف غـائره
علــى مــآنم مــن طيــر ومـن شـجر خرسـاء كـالقبر غرقـى فـي ديـاجره
يـا للرزيـة ... غـال النهر غائله وغــار فــي لهــوات مــن هــواجره
فلا الصـــباح ضــحوك فــي شــواطئه ولا المســاء لعــوب فــي جــزائره
وأســـلم الزهــر أجيــاداً منضــرة للشــوك جفــت علـى دامـي أظـافره
والنــاس فــي غمـرة عميـاء لا وتـر لناشـــديه ، ولا نجـــم لســـامره
ما الخطب بالنهر مجري الروح في بلد فــرد رقيــق حواشـي الـذكر دائره
كــالخطب يــدوي لـه كـون بجملتـه إذا أصــاب الــردى شــعباً بشـاعره
مــا للملاعــب فــي لبنــان مقفـرة وللمناهــــل عطلاً مـــن حـــرائره
وللمـــآذن فــي الفيحــاء كاســفة كخاشــع السـرو فـي داجـي مقـابره
وللأصــــائل والأســـحار أثخنتهـــا عــات مـن الريـح إرهاقـاً بحـافره
وللجـــــدوال أنــــات مجرحــــة كأنهـــا حمـــل فــي كــف نــاحره
وللنــدى فـي الـثرى جهـش ووسوسـة كأنهـــا همســـات فـــي ضـــمائره
أودى القريــض فللأحــزان مـا لبسـت علــى سـليل الـدراري مـن عبـاقره
شــوقي أتــذكر إذ عــاليه موعـدنا نمنــا ومـا نـام دهـر عـن مقـادره
وأنــت تحــت يــدي الآسـي ورأفتـه وبيــن كــل ضــعيف القلــب خـائره
ولابتســـامتك الصـــفراء رجفتهــا كــالنجم خلــف رقيــق مـن سـتائره
ونحـــن حولــك عكــاف علــى صــنم فـي الجاهليـة ماضـي البطش قاهره؟
سـألتنيه رثـاء .. خـذه مـن كبـدي لا يؤخــذ الشــيء إلا مــن مصــادره
تغــرب الحســن والإحســان فــالتمس وجهــاً مــن الأرض هشاشــاً لــزائره
لا يســتوي المجــد إلا فــي مفـارقه ولا يصـــــفق إلا فــــي ضــــفائره
مــا غــادرا بلــداً إلا إلــى بلـد والحــر يلهــب مــن خــدي مسـافره
حـــتى أطلا علـــى مصــر فراعهمــا مـا زخـرف النيـل مـن إبـداع ساحره
فألقيــا بعصـا الترحـال واعتصـما بضـــفتيه وهامـــا فـــي حواضــره
فــأطعم الجــود مـن كفـي قسـاوره وأشــرب الحســن مــن عينـي جـآذره
يـا مصـر مـا انفتحـت عين على حسن إلا وأطلعـــت ألفــاً مــن نظــائره
ولا تفتقــــت الأفكـــار عـــن أدب إلا وأنبـــت روضـــاً مــن بــواكره
لبنـان يـا مصـر مصـر فـي مطـامحه كمــا علمــت ومصــر فــي مفــاخره
هــل كــان قلبــك إلا فـي جـوانحه أو كـــان دمعــك إلا فــي محــاجره
أو كــان منبــت مصـر غيـر منبتـه أو كــان شـاعر مصـر غيـر شـاعره؟
قيثــارة النيـل كـم غنيـت قافيـة فــي مسـمع الـدهر مسـراها وخـاطره
لـو عـاد فرعـون كـانت مـن ذخـائره أو ختـم الخلـد كـانت فـي خناصـره
الأخطل الصغير
141 قصيدة
1 ديوان
بشارة بن عبد الله الخوري البيروتي، المعروف بالاخطل الصغير: أشهر شعراء لبنان في العصر الحديث. مولده ووفاته في بيروت وأصله من قرية إهمج في قضاء جبيل في جبل لبنان تعلم بمدرسة مطرانية الروم الارثوذكس، وتخرج بمدرسة (الحكمة) المارونية، وكان من تلاميذ عبد الله (بن ميخائيل) البستاني. وأنشأ جريدة (البرق) سنة 1908 أدبية أسبوعية ثم يومية بعد الحرب العامة الاولى وفى أواسط هذه الحرب بدأ يذيّل شعره بتوقيع (الاخطل الصغير) ولزمه اللقب. وسافر إلى بغداد للمشاركة في تأبين الملك فيصل بن الحسين، وإلى القاهرة، للمشاركة في مهرجان أحمد شوقي، وإلى حلب حيث ألقى قصيدة عن المتنبي في مهرجانه، وإلى دمشق لرثاء فوزي الغزي.



وأصدر ديوانيه (الهوى والشباب) و (شعر الاخطل الصغير) وعُين مستشارا فنيا للغة العربية في وزارة التربية الوطنية ببيروت سنة 1946



واستمر يعمل في الصحافة طول حياته. 

 

1968م-
1388هـ-

قصائد أخرى لالأخطل الصغير