تعَجَّبَ اللَّيْلُ مِنْها عِنْدَما بَرَزَتْ

سلمى الكورانية

الأبيات 48
تعَجَّـبَ اللَّيْـلُ مِنْهـا عِنْـدَما بَـرَزَتْ تُسَلْسـِلُ النُّـورَ فـي عَيْنَيْهِ عَيْناها
فَظَنَّهــا وَهـي عِنْـدَ المَـاءِ قائِمَـةٌ مَنَــارَةً ضــَمَّهَا الشـَّاطي وَفَـدَّاها
وَتَمْتَمَــتْ نَجْمَــةٌ فـي أذْنِ جارَتِهـا لمَّــا رَأَتْهــا وَجُنَّـتْ عِنْـدَ مَرآهـا
أُنْظُـرنَ يـا إِخْوَتـا هَـذِي شـَقيقَتُنا فَمَـنْ تُـرَاهُ عَلى الغَبْراءِ أَلْقَاها؟
أَتِلْــكَ مَـنْ حَـدَّثَتْ عَنْهـا عَجَائِزُنـا وَقُلْــنَ إِنَّ مَليــكَ الجِـنِّ يَهْواهـا
فَــأَطْلَقَ المــارِدُ الجَبَّـارَ عاصـِفَةً تَغْـرو النُّجُومَ فَكانتْ مِنْ سَباياها؟
قَصــَّتْ نُجَيْمَتُنـا الحسـناءُ بِـدْعَتَها عَـنْ نَجْمَـةِ الشـَّطِّ وَالآذانُ تَرْعاهَـا
وَكــانَ بِـالقُرْبِ مِنْهـا كَـوْكَبٌ غَـزِلٌ يُصــْغِي فَلَمـا رَآهـا، سـَبَّحَ اللـه
وَرَاحَ يُقْســـِمُ أَنْ لا بــاتَ لَيْلَتَــهُ إِلاَّ عَلــى شــَفَتَيْها لاثِمــاً فاهــا
يا مَلْعَبَ الشَّطِّ مِنْ (أَنْفا) أَتَعْلَمُ منْ داسـَتْ عَلـى صـَدْرِكَ البـازِيِّ رِجْلاها
وَيــا نَـواتِئَ مِـنْ مَـوجٍ وَمـنْ زَبَـدٍ أَثْنـى عَلَيْـكَ وَحَسـْبُ الفَخْرِ نَهْداها
وَ الشـَّطُّ فـي الصـَّيْفِ جَنَّـاتٌ مُفَوَّفَـةٌ كَـمْ فاخَرَ الجَبَلَ العالي وَكَمْ باهى
إِذا أَرَتْـكَ الجِبـالُ الغِيـدَ كاسـِيَةً فالشــَّطُّ أَذْوَقُ مِنْهــا حيـنَ عَرَّاهـا
وافَـتْ سـُلَيْمى وَمـا أَدْري أَدَمْعَتُها تِلْـكَ الَّـتي لَمَعَتْ لي أَمْ ثَنَاياها
وَذَلِـكَ الأَبْيَـضُ المَنْشـورُ فـي يَـدِها مِنْـديلُها أَمْ سـُطورُ الحُـبِّ تَقْراها
كَأَنَّمـا البَـدْرُ قِـدْماً كـانَ خَادِمَها فَمُــذْ أَرادَتْــهُ نــادَتْهُ فَلَبَّاهـا
ومـا أَصـابَ الهَـوى نَفْسـاً وَأَشْقاها إِلاَّ وَأَلْقَـتْ بِـإُذْنِ البَـدْرِ شـَكْواها
كَــأَنَّهُ حَكَــمُ العُشــَّاقِ كَـمْ وَسـِعَتْ بَيْضــاءُ جُبَّتِــهِ شــَتَّى قَضــاياها
أَوْ كــاهِنُ الأَزَلِ الحــالي بِشـَيْبَتِهِ قَبَّــالُ تَوْبَتِهــا مــاحِي خَطاياهـا
أَمَّـا سـُلَيْمى فَمـا زاغَـتْ وَلا عَثَـرَتْ فَـالْحُبُّ وَالطُّهْـرُ يُمْنَاهـا وَيُسْراها
مَـنْ كـانَتْ الكُـورَةُ الخَضْراءُ مَنْبِتَهُ فَلَيْــسَ يُنْبِـتُ إِلاَّ المَجْـدَ وَالجاهـا
تَعَلَّقَتْــهُ طَرِيــراً ، كـالهِلال علـى غُصْنٍ منَ البانِ مَاضِي العَزْمِ، تَيَّاها
نَمَتْــهُ لِلْشــَّرَفِ الأَســْمَى عُمُومَتُهـا وَنَشــَّأَتْهُ علــى مـا كـانَ جَـدَّاها
أَحَبَّهــــا وأَحَبَّتــــهُ وَعاهَـــدَها أنْ لا يُظلِّلَــهُ فــي الحُــبِّ إِلاَّهـا
فَيَبْنِيــا فــي ظلاِلِ الأرزِ وَكْرَهُمــا وَيجْرَعـا مـن كـؤُوس الحُـبِّ أَشْهاها
وَرَاحَ يَقْــرَعُ بـابَ الـرِّزْقِ مُشـْتَمِلاً بِعَزْمَــةٍ ســَنَّها عِلْــمٌ وَأمْضــَاها
حتَّــى انْثَنـى وَعلـى أَجْفـانِهِ بَلَـلٌ وَدَّ الإِبـاءُ لــه لَـوْ كـانَ أَعْماها
بَكــى فــؤادٌ لِسـلمى والبِلادِ معـاً وأَنْفُـسٍ رَضـِيَتْ فـي الـذُّلِّ مَثْواهـا
فَحَمَّــلَ المَـوجَ مـنْ أشـجانِهِ حُمَمـاً وشــَدَّ يَضــْرِبُ أُولاهــا بأُخْراهــا
وقـال واليـأْسُ يمْشـي فـي جَـوارِحِهِ دِيــارُ سـُلْمَى عَلـى رُغْـمٍ هَجَرْناهـا
خمـسٌ مِـنَ السـَّنَواتِ السـُّودِ لا رجِعَتْ صــَبَّتْ عَلــى رأسِ لُبْنـانٍ بَلاياهـا
وَحُــبُّ ســُلْمَى ورِيــقٌ مِثْــلُ أوّلِـهِ سـَقَتْهُ مـنْ ذِكْريـاتِ الأَمْـسِ أَنْداها
تَمْضـي لِواجبِهـا حـتى إِذا انْصـَرَفَتْ فَلَيْـــسَ يَشـــْغَلُها إِلاَّ فُؤَاداهـــا
سـَلْمَى أَرَى الشـَّمْسَ فـي خَدَّيْكِ ضاحِكَةً وكُنْـتِ كالغَيْمَـةِ المَقْطُـوبِ جَفْناها
أَنَفْحَــةٌ مـن فُـؤَادٍ؟ كِـدْتُ أَقرَأُهـا فَفــي عُيُونِــكِ مَبْنَاهـا وَمَعْنَاهـا
أَمْ ســَوْرَةٌ مِــنْ عِتَـابٍ؟ أَيُّ فـاجِئَةٍ فـي لَحْظَـةٍ صـَبَغَ الخَـدَّيْنِ لَونَاهـا
قُـولي فَلَيـسَ سـِوى الخُلْجَانِ تَسْمَعُنا وَرَقْرِقيهــا ســُلافاً فَــوقَ حَصـْبَاها
قُـلْ لِلْحَـبيبِ إذا طَـابَ البِعـادُ لَهُ وَنَقَّـلَ النَّفْـسَ مِـنْ سـُلْمَى لِلَيْلاهـا
وَاسْتأْسـَرَتْهُ وَإخْوَانـاً لــه سـَبَقوا مَظَــاهِرٌ مِـنْ رَخـاءٍ مـا عَرَفْنَاهـا
إِنَّــا إِذَا ضــَيَّعَ الأوْطَـانَ فِتْيَتُهـا واسـْتَوثَقُوا بِسـِوَاها مـا أَضَعْنَاها
حَسـْبُ البُنُـوَّةِ إِنْ ضـَاق الرِّجالُ بِها أَنَّ الَّـتي أَرْضـَعَتْها المَجْـدَ أُنْثَاها
لُبْنَـانُ مـا لِفِـراخِ النَّسـْرِ جائِعَـةً وَالأَرْضُ أَرْضــُكَ أَعْلاهــا وَأَدْناهــا
أَلِلْغَرِيــبِ اخْتِيــالٌ فـي مَسـَارِحِها وَلِلْقَريــبِ انْـزِواءُ فـي زَواياهـا؟
مَـنْ ظَـنَّ أَنَّ الرَّيـاحينَ الَّـتي سُقِيَتْ دُمُوعَنـا الحُمْـرَ قَـدْ ضـَنَّتْ برَيَّاها
كــأَنَّ مــا غَـرَسَ الآبـاءُ مِـنْ ثَمَـرٍ لِغَيْـرِ أبنـائِهمْ قَـدْ طـابَ مَجْنَاها
ومَـا بَنَـوْهُ علـى الأَحقـابِ مـنْ أُطُمٍ لِغَيْـرِ أَبْنـائِهم قَـدْ حَـلَّ سـُكْناها؟
لا ، لَمْ أَجِدْ لَكَ في البُلْدانِ من شَبَهٍ ولا لِناســِكَ بَيْـنَ النَّـاسِ أشـْباها
لـوْ مَـسَّ غَيْـرَكَ هَـذا الـذُّلُّ من أسَدٍ لَعَـــضَّ جِبْهَتَـــهُ ســَيْفٌ وحَنَّاهــا‍
الأخطل الصغير
141 قصيدة
1 ديوان
بشارة بن عبد الله الخوري البيروتي، المعروف بالاخطل الصغير: أشهر شعراء لبنان في العصر الحديث. مولده ووفاته في بيروت وأصله من قرية إهمج في قضاء جبيل في جبل لبنان تعلم بمدرسة مطرانية الروم الارثوذكس، وتخرج بمدرسة (الحكمة) المارونية، وكان من تلاميذ عبد الله (بن ميخائيل) البستاني. وأنشأ جريدة (البرق) سنة 1908 أدبية أسبوعية ثم يومية بعد الحرب العامة الاولى وفى أواسط هذه الحرب بدأ يذيّل شعره بتوقيع (الاخطل الصغير) ولزمه اللقب. وسافر إلى بغداد للمشاركة في تأبين الملك فيصل بن الحسين، وإلى القاهرة، للمشاركة في مهرجان أحمد شوقي، وإلى حلب حيث ألقى قصيدة عن المتنبي في مهرجانه، وإلى دمشق لرثاء فوزي الغزي.



وأصدر ديوانيه (الهوى والشباب) و (شعر الاخطل الصغير) وعُين مستشارا فنيا للغة العربية في وزارة التربية الوطنية ببيروت سنة 1946



واستمر يعمل في الصحافة طول حياته. 

 

1968م-
1388هـ-

قصائد أخرى لالأخطل الصغير