القصيدة غير منشورة في إصدارات الموسوعة السابقة، وموضوعها مدح أنور باشا وجمال باشا لما قدما إلى بلاد الشام لقيادة الحرب التي عرفت فيما بعد باسم (حرب الترعة) أي حرب تحرير قناة السويس، وكان ذلك عام 1915م وقد باءت الحملة بالفشل وكانت السبب في غضب جمال باشا وإعدام من أمر بإعدامهم شنقا في دمشق وبيروت: وقد وصف المرحوم محمد كرد علي تفاصيل هذه الحملة منذ دخول أنور باشا إلى بلاد الشام في كتاب مفرد سماه (الرحلة الأنورية) وهو منشور في موسوعتنا في نسخة الإرشيف، التي تضم (1081) كتابا وأكتفي هنا بمقطع من هذا الكتاب يتعلق بوصف موكب أنور وجمال في القدس قال:
تتمخض الأيام في كل عصر وحين وتلد من النوابغ من يُحلّون أمتهم وبلادهم فيتجدد أو يزيد بهم رونقها بهاء ورواء ولكنها تجود في كل وقت وزمن بالنوابغ الأفراد الذين يدهشون زمانهم قد يمر الحين بعد الحين ولا تلد فردا منهم وأعني بهؤلاء الأفراد الذين امتازوا بالأعمال النادرة أو وقفوا موقفا عظيما في حادث عظيم أو رزقوا موهبة مدهشة مثل أبي بكر في محنة الردة وعمر في الفتوحات وصلاح الدين في علو الهمة وبونابرت في كبر النفس وواشنطون في قيادة الجيوش ولوثيروس في الثبات على المبدأ وأنور وجمال في النهضة والأعمال ... فإن صح الأثر المشهور "أن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجد لهذه الأمة أمر دينها" ف"أنور" و"جمال" من هؤلاء المجددين. هذا من جهة الأعمال أما هما من جهة الأخلاق الفاضلة فليست أعمالهما أعظم من أخلاقهما وقد عرف السوريون والفلسطينيون جمالهم وقائدهم وقد عرفوا أنور بثباته وإقدامه ومفاداته عرفوه أنه روح الأمة ومؤسس سعادتها عرفوه في مركزه العالي وذروة مجده الشاهقة ولكنهم ما عرفوه في أخلاقه الاجتماعية والدينية حتى تفضل فزارهم هذه الزيارة التي يعدونها أعظم أعيادهم ومبدأ لتاريخ حياتهم الجديدة.زار حلب وسورية وسمعنا وقرأنا ما قام به سكان تلك الجهات من الاحتفالات الباهرة والبهرجة النادرة ولا عجب فإنهم يستقبلون محبوبهم وفاديهم يستقبلون مخلص الأمة الذي احتفلت له القلوب بين ضلوعها وكادت تغرق المُقل فرحا بمياه دموعها "من عظم ما قد سرَّني أبكاني" زار سورية وما كان ليبخل وهو الكريم النفس والخلق بزيارة شقيقتها فلسطين التي تطايرت نفوس أهليها وألقت أشعتها اللطيفة على الخطوط القطارية في طريقه انتظارا لقدومه الجميل فزار أولا يافا صباح اليوم الثاني عشر من شهر شباط على الحساب الشرقي سنة 1331 فكان له ولجمالنا وزملائهما من الاستقبال الحافل أحسن استقبال.
لم تكن زيارة مدينة يافا داخلة في خطة سفر القائدين العظيمين صاحبي الدولة أنور باشا وكيل القائد العام وناظر الحربية وجمال باشا قائد الجيش الرابع وناظر البحرية ولكن قائد الموقع حسن بصري بك الجابي تجاسر على دولتيهما ودعاهما باسم البلدة فلبيا دعوتها فقابلته بكل ما لديها من وسائط الاحتفاء والزينات الباهرة التي فاقت على مثلها في غير بلدان بشهادة من كان في معية دولتهما فقد كانت الزينات التي أقامتها أبناء يافا واللد والرملة في ذلك اليوم من أجمل ما رأى ثغر يافا.
وصل قطار الوزيرين الخاص إلى محطة الرملة الساعة الخامسة من صباح الجمعة فكان في انتظاره جميع من في القضاء من مأمورين عسكريين وملكيين وأعيان القوم وأفاضلهم ولما وطئا الأرض دوى الفضاء بأصوات التصفيق والهتاف فسارا بين جماهير الخلق إلى سرادق فخيم نصب هناك بعد أن مرا تحت قوس نصر زين بأحلى زينة وبعد أن تناولا الفطور في محطة سكة الحجاز أقلتهما السيارات إلى مكان استعرضا فيه الفرقة المرابطة في تلك الأنحاء ومن هناك أخذا طريق يافا والتوفيق قائدهما فوصلاها الساعة الحادية عشرة وكان دخولهما من شارع جمال باشا الجديد الذي أنشئ على أحدث طراز وهناك ترجلا بإزاء قناصل الدول والرؤساء الروحيين وأشراف البلدة ووجوهها الذين كانوا بانتظار بزوغ شمس طلعتهما فأسكرا الناس بلطفهما المشهور وابتسامهما الخلاب. ولما كان هذا الشارع لم يفتح بعد رسميا كلف صاحبه دولة جمال باشا دولة أنور باشا أن يفتحه بيده الكريمة فتنازل دولته وقط شريطا من الحديد كان يمنع مدخله ونحرت وقتئذ القاربين وتلا فضيلة مفتي يافا دعاء أمن عليه الجميع وسار بعد ذلك الضيفان الكريمان مشيا على الأقدام فمرا تحت قوس نصر مزدوج أقيم على عرض الشارع البالغ 30 مترا فكان منظرا لم تقع العين على أجمل منه ولما توسطا الشارع ركبا سياراتهما ومرا تحت قوسين آخرين من بديع الصنع وجميل الهندسة إلى أن وصلا إلى منزل هرنك حيث أعد المجلس البلدي لدولتهما مأدبة تليق بمقامهما.
وبعد الطعام ركبا إلى دار الحكومة فكانت ألوف الخلق تحييهما على الجانبين وهناك في البهو الكبير تصدرا بدرين منيرين وأخذ قائد الموقع يقدم لهما وجهاء البلدة وأعيانها واحداً واحدا فأبديا التفاتاً خاصا للخواجة فريدريك مراد الذي تبرع بأكثر أرض شارع جمال باشا وأرض جامع الجابي الجديد الذي أنشأه قائد الموقع باسمه.
ثم قدم لهما طبق من فضة عليه تمثال هرم كبير من الحلوى فابتسما لمغزاه واستل القائد خنجره وقدمه لهما فأخذ كل منهما قطعة منه وأدير على الحاضرين. ثم نزلا إلى ساحة السراي فأخذ المصورون رسم الحفلة وأنشد الشيخ أحمد الطريفي بعض أبيات بصوت رخيم ثم ركبا السيارات محفوفين باليمن والإقبال ووجهتهما بيت المقدس فمرا أيضا تحت أقواس نصر أخرى جمعت خلاصة الفن والأبهة.
ومما يذكر أن دولة أنور باشا تبرع بمبلغ لفقراء البلدة وأنه أعجبه برتقال يافا الشهير فأوقف سيارته أمام أحد البساتين في طريقه إلى القدس ودخل مع دولة جمال باشا وقطع بيده مقطفاً من البرتقال ونفح خادم البستان بضع ليرات عثمانية تلقاها هذا بالدعاء ولا عجب بهذه الأخلاق الرضية والجود والكرم فالعظيم عظيم في كل أمر.
وبينما كان أنور وجمال بيافا بين دقات القلوب سرورا وابتهاج النفوس فرحا كان أهالي القدس منتشرين في جهة بزوغهما إلى مكان مقرهما مقر الجيش المظفر مائة ألف أو يزيدون وبينا نحن في السرادق المضروب لاستقبالهما إذا بضجة صعدت للسماء وهتاف بصوت واحد ليحيى أنور وجمال فهرع القوم جميعا وإذا بالبدرين قد بزغا من مطلع الأفق على سيارتهما وعرجا على السرادق هنيهة ثم استأنفا السير بين أقواس النصر وصفوف الأهلين على اختلاف عناصرهم ومذاهبهم رجالا ونساء وأطفالا وطلبة مدارس على طبقاتها ومشاربها والأعلام بأيديهم يحيون أعظم من يحبون. مرت سيارتهما ورفقاؤهما تخترق الطريق بين تصفيق الرجال وهتاف الأطفال وزغاريد النساء حتى وصلا إلى المقر العسكري العالي. لم يقم الأهالي بهذا الاحتفال النادر خوفا أو رياء ولكنه الإحساس الوطني الحي والقلوب والنفوس التي تعشق أنور وجمالاً عشقا عُذرياً ومن لا يعشق النور والجمال ومن لا يحتفل بمحبي حريته ومؤسسي سعادته ولقد رأيت بنفسي امرأة قروية جاءت مندهشة هائجة تخترق الصفوف وهي تزغرد وتقول "أروني أنور أروني أنور أروني ولدي وحبيبي أنني سامحته في أولادي الموجودين تحت السلاح فليموتوا فداء له وللوطن" قال الراوي: فبكيت أنا واله شهيد ورأيت قروية أخرى فاتتها مشاهدة أنورنا تتأسف وتعض يديها ندما لعدم حضورها ملاقاة هذا البطل ورؤيته كأنها فاقدة أنجح أبنائها. هذا لعمري هو الإخلاص الحقيقي والشعور الصحيح والحب الخالي من التصنع والمداجاة لأنه شعور قروي طبيعي لا أقول أنه الوفاء العربي ولكنه الإخلاص العثماني الخالص.
كان وصول أنورنا وجمالنا ورفقائهما عصر الجمعة فتناول طعام العشاء ليلة السبت في مقر الجيش الرابع وفي صباحه اجتمع أركان الحكومة والعلماء والوجوه وكل مذكور في دار الحكومة وركبوا العربات وساروا نحو المقر يقدمهم مدحت بك متصرف اللواء حتى وصلوا المقر وتشرفوا بالسلام على أنور الأمة وجمالها مصافحة بالترتيب وهما يستقبلان الزائرين بالطلاقة والبشاشة وقبل الظهر تناولا طعام الغذاء ومن معهما في مقر الفيلق الثامن بدعوة جمال باشا قائده المبجل ومن هناك زارا الحرم القدسي فبدأ بالصخرة المشرفة حيث سمعا بعض الآيات الكريمة وبعد أن صلى أنور باشا ركعتين تحية المسجد سارا يحف بهما العلماء والأشراف إلى مسجد الأقصى الجامع وصلى هناك أيضا ركعتين وعندئذ تقدم خطيب الشرق الشيخ أسعد الشقيري وأبان لحضرة القائدين العظيمين فضائل الحرم القدسي والأحاديث الواردة في شرفه، وهناك قدم لدولة القائد العظيم كامل أفندي الحسيني مفتي القدس نسخة من فتاوى الأنقروي كتبت منذ مئة وثمانين سنة لتكون تذكارا في خزانة كتب أنور العثمانيين.
وبعد أن زار حضرات قائدينا العظيمين الحرم الشريف ذهبا بموكب حافل إلى الكلية الصلاحية فاستقبلهما مديرها ومعلموها وطلبتها وبعد أن جلسا في بهوها الكبير قرأ تلميذ بعض الآي الكريمة ثم قرأ أحد المعلمين خطابا عربيا ثم استعرض الطلبة استعراضا عسكريا رياضيا فأبدعوا وادهشوا ثم تلا أحدهم قصيدة تركية العبارة وآخر قصيدة باللغة الألمانية الفصيحة كأنه من إحدى مدارس برلين لهجة وحركة وإشارة وهذا ما زاد الدهشة وأطرب ضباط العسكرية الألمانيين وجعل للحفلة رونقا وبهاء ثم ختم تلميذ آخر الحفلة بخطاب تركي.
ثم زارا مقام نبي الله داود عليه السلام ثم عطفا على كنيسة القيامة فزاراها ومن يصحبهما من القواد والضباط الألمانيين والنمسويين وقد تبرع دولة الأنور لها بمائتي ذهب عثمانية بعد أن وهب لخدمة الحرم الشريف خمسين ذهبا ليعلم الناس أن هذا الدين الإسلامي القويم يحترم الشعائر والمذاهب لا تعصب فيه وأن الدولة أيدها الله تساوي بين عناصرها وطوائفها وكنيسة القيامة هي التي دخلها سيدنا عمر وصلاح الدين وفي عصرنا دخلها أنور سيف الإسلام. وفي تلك الليلة ليلة الأحد تناول القواد العظام طعام العشاء على حساب المجلس البلدي في نزل فاست الكبير وكان المدعوون ستين شخصا من أركان الحكومة والعلماء والأدباء مع ضيوفنا الكرام وفي أثناء الطعام صعد الشيخ علي ريماوي من فضلاء القدس [اعتمدنا على ما كتبه هو لنا بهذا الشأن عن القدس وأكثره من عباراته وعلى ما كتبه مكاتب المقتبس في يافا وعلى مصادر أخرى جديرة بالثقة] وقال: لو كنت طويلا لوجب عليَّ أن اتقاصر أما عظمة حضرات قوادنا العظام وضيوفنا الكرام ثم أنشد قصيدة طرب لها الحاضرون جدا واستخفت طرب الأستاذ الشقيري حتى استعاد أبياتها مراراً ثم تلا الشيخ سليم اليعقوبي من أساتذة يافا قصيدة غراء ثم خطب خاتما الحفلة جميل بك النيال مدير الأوقاف والكلية الصلاحية خطابا تركيا.
وبعد الطعام ركب القائدان الجليلان ومن معهما سياراتهم إلى المقر العالي تاركين طلبة الصلاحية يتجولون بالمصابيح والمدينة كلها نور وفرح وسرور وفي صباح الأحد سار أنور باشا وجمال باشا ورفقاؤهما إلى جهات بئر السبع ويوم الثلاثاء رجعا بالعز والإقبال وبين بئر السبع والخليل وقفا ساعة حيث استقبلتهما قطعة من الجيش المرابطة هناك ثم عطفا على مدينة السيد الخليل عليه السلام وزارا أضرحة الأنبياء الكرام وشربا الشاي في دار الحكومة وركبا إلى بيت لحم حيث ولد السيد المسيح عليه السلام وزارا المغارة ومن هناك رجعا إلى القدس بين الهتاف والتصفيق.
وصباح الأربعاء توجه قائدانا العظيمان إلى أريحا على السيارة فشيعهما الأهالي والقلوب بأجل مظاهر التشييع والوداع وبعد الغداء في أريحا على حساب بلدية القدس سارا على طريق عمان حيث ركبا القطار إلى مدينة الإسلام والسلام صلوات الله على ساكنها.
وكان الاستقبال في أريحا جميلا قام به جميع العشائر المخيمة حول نهر الأردن بالسلاح والخيول المطهمة ومشايخ الطرق والزوايا بالأعلام والطبول ثم جاءا إلى السلط فنصبت السرادق والخيام وأقامت بلدية السلط ضيافة شاي وكان جميع عربان السلط وأشرافهم وطلبة مدارسهم يرددون الأناشيد والألحان والرؤساء والقبائل يظهرون للقائدين شعائرهما وعواطفهم.
ومن السلط ركبوا السيارات أيضا إلى عمان حيث استعرض الجراكسة سكان تلك القصبة بخيولهم ومنها ركبا القطار إلى المدينة المنورة.