الأبيات 71
فــتى مــزق الحــب الــبرح قلبـه كمــا مـزق الظـل الضـياء أياديـا
قضــى نحبـه كـالمزن فضـن مـدامعاً وخلقـــن آثـــاراً لهــن بواديــا
ولمــا دنــا منـه الحمـام ورنقـت منيتــه نــادى الصــفي المصـافيا
وكاشــفه والعيــن ينهــل ماؤهــا بمـا كـان يخفـى من هوى ليس خافيا
وقلا وضـــم الراحــتين علــى يــد كســاها شـأبيب الـدموع الجواريـا
بقيــت وبلغــت الــذي بـت راجيـا وإن كنـت مـا أعطيـت منـك مراديـا
سيسـقي الـردى قلبي عن الحسن سلوةً فلا بــت حــران الجوانــح صــاديا
ولا عجــبٌ أن يطفــئ المــوت غلـتي ويصـــبح داء العــالمين دوائيــا
كتمتــك حـبي خشـية الصـد والقلـى وحصــنته حـتى رمـى بـي المراميـا
بعــدت كماضــي الأمــس عنـي غايـة وأقــرب شــيءٍ أنـت مثـوىً وثاويـا
أضــربي الكتمــان حــتى عــددتني خليلاً مـن التبريـح والوجـد خاليـا
كــأني لـم أحمـل هـواك ولـم أبـت أخاشــغل يغــري بصـدري القوافيـا
كــأن قريضـي لـم تكهـن أنـت سـره ومـوحي معـانيه العـذاب البواقيـا
مضـى مـا مضى لم أدر ما لذة الهوى ولا ذقتهــا إلــذا بطــرف خياليـا
إذا لــج بـي شـوقي فينـت حيائيـا وظلــت تباريـح النـزاع كمـا هيـا
نجيـي الصـخور الصـم أركـب ظهرهـا وأفـــرع فــي أذن الظلام شــكاتيا
ومـا بـي حـب الصخر والريح والدجى ولكـــن حـــالات لهـــن كحاليـــا
أرى فـي أديـم الطود عاث برأسه ال خـــراب وواراه الضــباب مثاليــا
وفـي الظلمة الطخياء من ظلمة الأسى مثابـة تـدريها القلـوب الصـواليا
إذا الليـل وأرانـي اطرحت الأمانيا وكـاد جمـود المـوت يصـبي فؤاديـا
ومـا كنـت آبـى المـوت سهلاص مذاقه لـو أنـي إذا اسـتأويته كـان أويا
أرى المـوت ظـل العيـش يبسـط تحته فيغشــى أدانيــه ويخطــى الأعليـا
ألـم تـرى للأشـجار تمتد تحتها الظ ظلال وتكسـو الشـمس منهـا النواصيا
فــإن تحتطــب يومــاً تـول ظلالهـا ومـا إن يزيـل المـوت إلا الدياجيا
كــذاك حيــاة الأفضــلين فلا تلــح إلـى الظـل وانظر نورها المتراميا
فيــا مرحبـا بـالموت يثلـج بـرده فــؤادي وينســيني طويــل عنائيـا
تمـوت مـع المـرء الهمـوم ولن ترى ككـأن الـردى مـن علة العيش شافيا
ولســت علــى شــيء بــآسٍ وأننــي لأهجــر ظهــر الأرض جــذلان راضــيا
ومــا طـال عمـري غيـر أن لواعجـاً أطلــن عنــاني فــاجتويت مفاميـا
أهـاب بنـا داعـي الـردى فـترحموا وقولوا سقى اللضه القلوب الظواميا
وقــم ودع الأرضــين عنــي فــإنني بقيـد الـردى المحتـوم إلّا لسـانيا
وقـــل لجبـــال عاريــات مخوفــةٍ تخـــال مــواميهن للجــن واديــا
ألا أطلقــى لــي صــوته والأغانيـا وغـذى بـذكراها الشـجون النواميـا
ألـــم تــع عنــه جنــةٌ عبقريــةٌ فقـد كـان يغشـى مثلهـن الفيافيـا
وكيــف تــؤدي مــا وعـاه سـماعها ومــا تحسـن الجنـان إلا التعاويـا
وقـل يـا عيـون الزهـر غضى وأطرقي قضـى عاشـقٌ أحلـى العيون الروانيا
لقـد كـان فـي روض الجبـال خميلـةٌ سـقتها دمـوع الحـب لا الطـل ساريا
فأعطشـــتها حــتى تصــوح عودهــا وألـوي بهـا عصـف الرياح السوافيا
لقــد أفردتــه نفســه بيـن قـومه فعـــاش خيــالاً بينهــم مترائيــا
ومــا كــان إلّا قــوة أحـدقت بهـا حــوائل ضــعف أمرهـا ليـس باديـا
فعــاد ومــا يســطيع حملاً لســاعة فكيـــف بأيـــام حملــن لياليــا
ومــا كــان إلّا كالســحابة أفـردت وقـام بهـا الرعـد المجلجـل ناعيا
ومــا كــان إلا موجــة قـد تحطمـت علـى سـاحل للعيـش كـم بـات راغيا
ومـــا غلاه مــوت ولا هاضــه كــرى ولكـن غـدا من حلم ذا العيش صاحيا
ومـا مـات إلّا الموت يا فجر فائتلق وحـــول ســـناء طلــك المتلاليــا
ولا غــاب إلا فــي الطبيعــة أمــه وقـدماً أعـارته الضـلوع الحوانيـا
فقوموا اسمعوا في هزمة الرعد صوته وفـي سـجعة الغريـد مـا بات شاديا
وفـي حيثمـا تبدو لنا القدرة التي دعتــه فلباهــا ولــم يـك عاصـيا
أرى عينــك اخضـلت وعهـدي بـدمعها عصــيّاً علــى ريـب النـوازل آبيـا
لقـد جـل هذا الجفن عن عادة البكى وقـد قـل فيـض الدمع إن كنت باكيا
تعـــز ولا ترخــص لمــوتي أدمعــاً أبــاة علـى سـوم الغـرام غواليـا
ســواء علينــا إن طــوتني حفرتـي أبكيتنــا أم بــات قلبــك سـاليا
بحســبي أنــي سـوف ألقـي حماميـا وأنــت إلـى جنـبي تراعـي فنائيـا
ولا تحســبوا أنــي قنعــت تكرمــاً ولكــن لأمــرٍ مــا عقـرت الأمانيـا
وردد أنفاســــاً تـــرددن برهـــة وحشـر جـن حـتى راح مـا كان جائيا
فخـان الحـبيب الصـبر فـانقض فوقه ينــادي مرمّـاً لا يبـالي المناديـا
فلمــا رأى بــرق الأمــاني خلبــا غـدا يسـتجير الـدمع ما كان جاريا
رأى مـــا جنـــاه حنســه ودلالــه فقـال أيـا ويحـي لقـد صـرت جانيا
عـدتي العـوادي لـم تكـن بي غباوة ولكننـــي كنــت امــرأ متغابيــا
سواســيةٌ مـن يقتـل النفـس عامـداً ومــن يـدع التبريـح يقتـل ظاميـا
لبســت جمــالاً مــن قريضـك خالـدا ورحـت وقـد ألبسـتك المـوت ضـافيا
وســوغتني مــن طيــب ذكـرك نفحـةٌ وســـوغتك الآلام والـــدمع قانيــا
لخلفتنـي عـاري الجمـال مـن الـتي تزيــن وكــم أمسـى وأصـبح كاسـيا
أعـض علـى الماضـي البنـان تحسـرا وهــل ينفعنـي اليـوم عـض بنانيـا
لقــد كنــت أقســو هـازلاً ولربمـا غـدا الهـزل بابـاً للشـقاء وداعيا
فــبئس علــى طــول التفــرق رقـةٌ أحـس بهـا تـذكي علـى الدهر ناريا
سـتبقى ويمضـي مـن علقـت وإن تمـت فقـد يحجـب الغيم النجوم الدراريا
وأنــك نــور تستضــيء بـه الـدنا وغيــرك ظــل ســوف يصــبح فانيـا
وأنــك حســن ليــس يبلــى وغيـره وديعــة دهــر يســترد العواريــا
فيــا آخــذاً مــن دهــره بنصـيبه هنيئاً لـك المجـد الـذي ليس ذاويا
وإنـــي لأستســـقيك كـــل دجنـــةٍ وإن كنــت أحــرى أن تبـل فؤاديـا

إبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني.

أديب مجدد، من كبار الكتاب، امتاز بأسلوب حلو الديباجة، تمضي فيه النكتة ضاحكة من نفسها، وتقسو فيه الحملة صاخبة عاتية.

نسبته إلى (كوم مازن) من المنوفية بمصر، ومولده ووفاته بالقاهرة.

تخرج بمدرسة المعلمين، وعانى التدريس، ثم الصحافة وكان من أبرع الناس في الترجمة عن الإنكليزية.

ونظم الشعر، وله فيه معان مبتكرة اقتبس بعضها من أدب الغرب، ثم رأى الانطلاق من قيود الأوزان والقوافي فانصرف إلى النثر.

وقرأ كثيراً من أدب العربية والإنكليزية، وكان جلداً على المطالعة وذكر لي أنه حفظ في صباه (الكامل للمبرد) غيباً، وكان ذلك سر الغنى في لغته.

وعمل في جريدة (الأخبار) مع أمين الرافعي، و(البلاغ) مع عبد القادر حمزة وكتب في صحف يومية أخرى، وأصدر مجلة (الأسبوع) مدة قصيرة، وملأ المجلات الشهرية والأسبوعية المصرية بفيض من مقالاته لا يغيض.

وهو من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة.

له (ديوان شعر - ط)، وله: (حصاد الهشيم - ط) مقالات، و(إبراهيم الكاتب - ط) جزآن،قصة، و(قبض الريح - ط)، و(صندوق الدنيا - ط)، و( ديوان شعر - ط) جزآن صغيران، و(رحلة الحجاز - ط) و(بشار بن برد - ط)، وترجم عن الإنكليزية (مختارات من القصص الإنجليزي - ط) و(الكتاب الأبيض الإنجليزي - ط).

1949م-
1368هـ-

قصائد أخرى لإبراهيم عبد القادر المازني