الأبيات 64
مــاذا يريــد النــاسُ منــي إن كنــتُ قــد أكــثرتُ حزنـي
أفنيــتُ عمــري فــي البكـاء وفــي الرجــاءِ وفـي التمنـي
ذهـــبَ الشـــبابُ ومـــا ملأتُ بنــــوره قلــــبي وجفنـــي
يـا منـزل الفتيـان والفتيات ضـاعت عليـكَ شـبيبتي وحيـاتي
وبقيــتُ فيـك مخلَّـدَ الحسـرات
إنمــــا العمـــر الطويـــلُ يشـــبهُ العمـــر القصـــيرا
إنمــــا الحــــظُّ القليـــلُ يشــــبه الحـــظَّ الكـــثيرا
ودفنــتُ فيــك مـودتي وودادي وأطلــتُ عنـكَ تغيُّـبي وبعـادي
وجهلــتُ بعـدكَ مـوردَ اللـذات
فَطَمــــــوني عنــــــكَ طفلاً لاهيـــــاً فـــــي غفلاتــــي
تاركــــــاً صـــــحباً وأهلا تاركــــاً فيــــكَ حيــــاتي
فنزلـتُ فـي أرض الغريبِ وحيدا متحملاً بــأسَ الزمــانِ شـديدا
طاوي الضلوع على لظى الجمرات
أننـــــا كنــــا جميعــــاً ســــــــتَّةً أُمّــــــــاً وأَب
رزقـــــا أربعـــــةً غُــــر راً ميامينـــــــاً نُجُــــــب
فتفــرَّقَ الأبنــاءُ قبــل أوان أسـفاً وغُيِّـبَ في الثرى الأبوان
فـي فـترةٍ حُسـِبا مـع الأمـوات
دفــــن الأبنــــاءُ بــــدراً دفــــن الأبنــــاءُ شمســــا
قــد أعــادا الجفــنَ بحــراً وأعــــادا القلـــبَ رمســـا
هلا ذكــرتَ أبـي وطـول حنـانه وســناءَ طلعتــه وحُـرَّ جنـانهِ
وكمـــال أخلاقٍ وغـــرَّ صــفات
كـــان لــم يُبــلِ الشــبابا مشـــــــرقاً كــــــالنيرات
أنـــــه صـــــار ترابــــا وعظامــــــــاً نخـــــــرات
فــذكت عليــه أضـالعٌ ونفـوس أَخــذت عليهـا للشـقاء نحـوس
عهـداً علـى أن تسـكن الظلمات
يـــا لهـــا اللَــه نفوســاً حُــــرةَ الطبــــعِ كريمــــه
حــــالفت ياســــاً وبؤســـاً وجراحـــــــاتٍ أليمـــــــه
لـم تنسَ أمي وهي جوهرة الحمى بنـتُ الطهارة أختُ سكان السما
نـزل الكمـالُ بهـا بأكرم ذات
أنهــــا عاشــــت حزينــــه بعــــده عشــــرين شــــهرا
وهــــي للــــداء رهينــــه تحســــب الليلــــة دهـــرا
نـزل السـقامُ بها فأكثر همَّها وأزال رونقهـا وأبلـى جسـمها
وغــدت كذابلـة مـن الزهـرات
فقضـــــــت ذاتَ مســـــــاءِ وابنُهــا فــي البعــدِ مُكـرَه
فــــي ديــــار الغربــــاءِ لــــم تبــــاركهُ بنظــــره
اليـوم يـذكرها ويكـبي آيسـا مـن عمـره ذاكي الأضالع تاعسا
دامـي الجفـون مفلَّـلَ العزمات
إيــــه يــــا أم حيــــاتي ذهبـــــت فيــــك أنينــــا
صــــامتاً فــــي خلــــواتي أَذرفُ الـــــدمعَ الســــخينا
أتـذكر العيـشَ القـديمَ وكلنا يتلـفُّ حولـكِ نـاعمين بانسـنا
لاهيــن عـن دهـرٍ وعـن أوقـات
قاتــــلَ اللَــــه القضـــاءَ لـــم يـــراعَ لـــك حرمـــه
أنــــــــه صـــــــبَّ البلاءَ قـــاتلاً مـــن غيـــر رحمــه
لو كنتِ بالمهجات توقين الردى يـا أم قَلَّت أن تكونَ لك الفدا
فتمَنَّعيـــن بهــذه المهجــات
ليـــت أنـــي مـــا ولـــدتُ مــا الـذي فـي العيـش أَلقـى
أنـــــا يــــا أم وجــــدتُ أننــــي يــــا أم أَشــــقى
كنـتِ الأمـانَ لروحـي المتفـزع كنـتِ الشـفاءَ لقلـبي المتقطع
كنـت الحيـاةَ إذا فقدتُ حياتي
إنَّ قلـــــــبَ الأم كنــــــزٌ كلــــــه حـــــب وســـــعد
وهـــو بيـــن النــاس رمــزٌ فيـــه لطـــفُ اللَــه يبــدو
لكـن فقـدتُ حنـانه المتـدفقا يروي شبابي في الحياة ليورقا
مستبشــراً بـالزهر والثمـرات
انضــــب الأدمــــعَ دهــــري غيــــر أن النفـــس تبكـــي
بـــــدموع مثـــــل جمــــر فــي الحشــا تــذكو وتــذكي
قومي انظريني بعد موتك عانيا يـا أم أنـي مـتُّ موتـاً خافيا
لمــا فقـدتُ لنـدبك العـبرات
مــــن ليأســـي واحـــتراقي ولبؤســـــــي وشـــــــقائي
مـــا الـــذي صـــرتُ ألاقــي مــــن تباريــــح العنـــاء
ضـاعت عليـكَ شـبيبتي وحيـاتي وبقيــتُ فيـك مخلـدَ الحسـرات
يـا منـزلَ الفتيـان والفتيات
مــاذا يريــد النــاسُ منــي إن كنــت قــد أكــثرت حزنـي
أفنــتيُ عمــري فــي البكـاءِ وفــي الرجــاءِ وفـي التمنـي
ذهـــب الشـــبابُ ومـــا ملأتُ بنــــوره قلــــبي وجفنـــي
خليل شيبوب
96 قصيدة
1 ديوان

خليل بن إبراهيم بن عبد الخالق شيبوب.

شاعر من أدباء الكتاب، من طائفة الروم الأرثوذكس.

سوري الأصل، ولد بالاذقية، واشتهر وتوفي بالإسكندرية.

له (الفجر الأول-ط) وهو الجزء الأول من ديوان شعره.

له: (المعجم القضائي - ط) عربي فرنسي، و(عبد الرحمن الجبرتي - ط) رسالة، و(قبس من الشرق-ط) مقتطفات من شعر تاغور وغيره.

1951م-
1370هـ-