نشرة علي أرشيد المحاسنة

هذه نشرة الأستاذ علي أرشيد المحاسنة لديوان جعفر بن عُلبة ننشرها مميزة عن شعره المنشور في الموسوعة لما لمسناه فيها من عمل دؤوب وصنعة متقنة، وحسن عرض وسلاسة ترتيب متمنين موافقته على ذلك مع جزيل الشكر والامتنان 

صفحة الغلاف:

جعفر بن عُلبة الحارثي (أخباره وما تبقّى من شعره)

علي أرشيد المحاسنة

أستاذ مشارك، قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب،

جامعة مؤتة، مؤتة، الكرك، المملكة الأردنية الهاشمية

 (قدم للنشر في 8/2/1419هـ / وقبل للنشر في 12/6/1420هـ)

*****

ملخص البحث. 

 جعفرُ بنُ عُلبة الحارثي شاعرٌ غزِلٌ فارسٌ، من شعراء مُخَضْرمِي الدولتين الأُمويّة والعباسيّة

أُعجب أبو الفرج الأصفهاني بشعره. 

وهذا البحثُ محاولةٌ لجمع شعر الشاعر من مصادر التراث المختلفة،

 وقد سبق المجموع بدراسة تناولت اسمهُ، ونسبَهُ ، وكُنْيَتَهُ، وَأُسْرَتَهُ، وقبيلته، وأغراضه الشعرية 

وهي - في حدود الشعر المجموع - في الغزل وفي مُغَاَورَاتِهِ على بني عُقَيل العامريين.

****

مقدمة

جعفر بن علبة الحارثي شاعرٌ مجيدٌ مُحْسِنٌ من شعراء الدولتين الأموية والعباسّية،

 أُعجب أبو الفرج الأصفهاني بشعره. 

فقال وهو يُترجم لِجَدِّه عبد يغوث بن صلاءة الحارِثي، ذاكرا حفيده جعفر:

 "ومنهم من أدرك الإسلام جعفر بن علبة بن ربيعة بن الحارث بن عبـد يَغُوث بن معاوية بن صلاءة 

 وكان فارسـا شاعرا صعلوكـا، أَخذ في دَمٍ، فحبس في المدينة ثم قُتِل صَبْرا، وخَبَرُهُ يذكر منفردا، 

لأن له شعرا فيه غناء."

 وقد أورد له بعض المقتطفـات الشِّعرية، والتي بلغت نَيِّفـا وخمسين بيتا،

 والأشعار التي أوردها له أبو الفرج لا تقلّ في مستواها عن شِعر غيره من مخضرمي الدولتين، 

ممّن حظوا بدراسات وافية محدثة.

ومن القدماء الذين نوّهوا بذكره، وأشاروا إلى مكانته، الهمداني في شرح القصيدة الدامغة،

 التي أجاب بها الكميت، فقال

وما مِثلُ ابن علبة وابن كُرْزٍ=وعبدِ يَغُوث بين القاتليـنا 

فهذا مُصْلحٌ شِسْعاً وهـذا=يقول قصيدةً في الحاذلينا 

كما عُدَّ جعفَر من شعراء اليَمَن المُفْلِقِين وفي قول الهمداني:

 "فهذا مُصْلحٌ شِسْعًا…" حكاية تروى عند تنفيذ عقوبة القِصاص بحقه، وفيها:

 "ثم أنّه –أي جعفر– وَافَى إلى مكة في أيام المهدي فاسْتَعْدَتْ عليه عُقيل إلى سلطان مكة، وأثبتوا شهوداً

 عليه بقتل سادتهم، فارتُصِد حتى أخذ فحبسه، ثم خيّرهُم بين العَقْل والقَتْل، فاختاروا قتله،

 فأمر بإخراجه من الحبس، فلما خرج وسار، انقطع شِسْعُ نَعْله، فقعد يُصْلُحه، ثـم انتعل وقام، فقيل له: 

ما أعجب أمرك أنت تسير إلى الَحتْف، فلم تَحْفَل حتى قعدت تُصلَح شِسْعًا، فأنشأ يقول:....."   

ومن الباحثين المُحْدَثِين الذين نوّهُوا بجعفر، الدكتور حسين عطوان، ضمن كتابه الذي خصصه لدراسة الشعراء من مُخَضْرِمي الدولتين الأموية والعباسيّة؛ فقد سَلكهُ ضمن فئة الشعراء الذين كانوا يُخيِفُون السبيل، ويقطعون الطريق. 

كما استشهد من شِعره على التصعلُك في أربعة مواضع، ولم يزد على ذلك، لأن خُطّة كتابه لا تسمح بدراسة تفصيلية 

لكل شاعر.

ومنهم أيضا الدكتور أحمد السُّومحي في كتابه الموسوم بأدب اليمن في القرنين الأول والثاني الهجري 

 ولعله من العدل ألا نبخس الناس أشياءهم إذ أن أستاذنا السُّومحي كان قد سبقني إلى إنجاز عمله السابق، وذيَّلهُ بشعر شعراء اليمن المشمولين في الدراسة في المدة الزمنية التي حدّدها في بحثه. 

بَيْد أن عملي هذا يعود إلى سنوات عدّة، لم أكن فيها على علم بعمل الباحث الكريم .

 وقد أشار إلى هذا العمل أحدُ مُقَومِّي البحث جزاه الله خيرا، زيادة على أن إصدار مجموعٍ 

يضم دراسة في الشاعر وشعره، وتوثيقًا للشعر المنسوب إليه يمكِّن القارئ من تكوين صورة

 وافية عن أدب اليمن في القرنين الأول والثاني الهجريين عامة، وعن جعفر بن علبة الحارثي خاصة.

وقد رأيت أن هذا الشاعر جديرٌ أن يُتَرجَم له، وأن يُكتبَ عنه بحث يستقصي أخباره

 ويَدْرُس شِعره، ويضعه في سياقه التاريخي، ثم يَلُمُّ شتاتَ شعره من مظانّ التراث المختلفة.

****

أولا: أخباره

اسمه ونسبه  

هو "جعفر بن علبة بن ماعز بن ربيعة بن عبد يغوث بن الحارث بن معاوية ابن صلاءة بن وقاص بن كعب بن المُعَقِّل بن كعب بن ربيعة بن الحارث بن كعب بن عمرو بن عُلَة بن جَلْد بن مالك بن أُدَد"

 بن زيد بن يَشجُب بن عُريب بن زيد بن كهلان ابن سبأ وولدُ مالك بن أُدد يُسَمّون مذحجًا.

كُنيَتُه 

ويُكنى جعفر بأبي عارم ويبدو أن عارما هو أكبر أولاده

 وقد ذكره في شعره مُوصيا به بعد مماته، فقال:

أوصِّيكُمُ إنْ مِتُّ يومًا بعارمٍ =ليغنيَ شيئًا أويكونَ مكانيا

وقد ذكره إياس بن يزيد الحارثي، وهو أحد أقارب جعفر، فقال:

أَبـا عَـارمٍ كيـف اغْـتررتَ ولـم تكُن تُغــرّ إذا مـا كـان أمـرًا تُحـاذِرُهْ

كما ذكره أيضا نَجَبَة بن كُلَيب العقيلي - الذي ضرب عنق جعفر في بعض الروايات- فقال مخاطبـا جعفرا: 

أَبــا عَــارمٍ فينــا عُـرَامٌ وشِــدَّةٌ وبســـطةُ أيمــانٍ ســَوَاعِدُها شــُعْرُ

أُسْرَتُه

يذكر القدماء من أسرته:

جَدَّه عبد يغوث بن صلاءة الحارثي وكان شاعراً وهو أحد الجرَّارين في اليمن ولا يُعَدُّ الرجل جرَّارا حتى يقود

 ألفا كان رئيس مَذْحج في يوم الكلاب الثاني وقد أُسِر في ذلك اليوم، وقُتل صبرا.

 وأبوه عُلبة بن ماعز، وكان شاعرا ومما قاله لامرأته قبل أن يُقتل جعفر:

 لعمرك أن الليل يا أم جعفر =علي وإن عللتني لطويل

 أحاذر أخبارا من القوم قد دنت= ورجعة أنقاض لهن دليل

   لعمرك أن ابني غداة تقـوده =عقيل لنأي الناصرين ذليل

ولجعفر أَخوان هما:

 ماعز وجَعْدَة

وعندما سُجن جعفر، بعث رسالة شعرية لأخيه ماعز، يَسْتَنْهِضُ همَّته لإخراجه من السجن، يقول فيها: 

وقُــل لأبــي عَــوْنٍ إذا مـا لقِيتُـهُ ومِــن دونــه عــرضُ الفلاة يَحُــولُ
تَعَلَّــمْ وعــدِّ الشــكَّ أنَّــى يَشـُفّني ثلاثـــةٌ أحـــراسٍ معـــًا وكُبُــولُ
إذا رُمْـتُ مشيــًا أو تبـوَّأْت مضجعـًا يَــبيتُ لهــا فـوق الكِعـابِ صـليلُ
ولــو بــكَ كــانت لاتَّبعَــتُ مَطِيَّـتي يعــود الحفــا أخفافَهــا وتَجُـولُ
إلـى العـدل حـتى يصدر الأمر مصدرًا وتـــبرأ منكـــم قَالَـــةٌ وعُــدُولُ

ومن أعْمامه:

 اللَّجْلاج الحارثي، وهو طفيل بن يزيد بن عبد يغوث بن صلاءة

وأخوه مُسْهِر فارسٌ مشهور، وهو الذي طعن عامرَ بن الطُّفيل في عَيْنِهِ يوم فَيْف الريح -كما تقول الرواية- فقال:(25)

رَهصْتُ بخُرصِ الرُّمح مُقْلَةَ عامرٍ= فأضحى بَخيصًا في الفوارس أعـورا

وغادر فينا رُمْحَهُ وسِلاحَهُ=فَأَدْبَرَ يدعو في الهَوالِكِ جَعْفَرا

قبيلته 

يعود جعفر بن علبة الحارثي في نسبه إلى بني الحارث بن كعب

 وبنو الحارث هم أبناء سعد العشيرة بن مالك بن أُدَد

وإخوتهم: جَلْد بن مذحج، ويُحَابر، وهو مراد، ويزيد، وهو عَنْس بن مذحج.

  وَوَلَدُ الحارث بن كعب: كعب وربيعة

ومن ولد كعب بن الحارث بن كعب: ربيعة، ومالك، ومُوَيلِك

ومن بني مالك بن كعب بن الحارث بن كعب: بنو عبد المَدَان.

 واسم عبد المَدَان عمرو بن الدَّيان

 واسم الدّيان: يزيد ابن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن كعب بن الحارث بن كعب.

 وبنو عبد المَدان بيتُ مذحج، وأخوال أبي العباس السفّاح.

وبنو عبد المدان أحد بُيُوتات العرب الثلاثة:

 وهم بيت زُرارة بن عُدُس في بني تميم

 وبيت حذيفة بن بدر في فزارة

 وبيت عبد المدان في بني الحارث.

وإليهم تعود ملكية (دير نجران)، الذي كان يُسَمى (كعبة نجران)، وكانوا يتأنَّقون في بنائه وتزيينه،

 وبقي على هذه الحال حتى جاء الله بالإسلام.

ويذكر أبو الفرج الأصفهاني ابن أخٍ لجعفر هو جُعْدُب الحارثي، وكان يُغيرُ معه على عُقَيْل.

 ومن أبناء عمومته:

إياس بن يزيد الحارثي، كان شاعرا، وكان يشترك أحيانا مع جعفر في مغاوراته لبني عُقَيل.

وقبيلة بني الحارث بن كعب لها شأنها في الجاهلية والإسلام. 

ففي الجاهلية كانت لها أيامها ووقائعها مع غيرها من القبائل العربية، منها ما أتت على ذكره كتب الأيام،

 ومنها ما ذكرته المصادر الأخرى.

يذكر البكري ( وهو يتحدث عن حركة القبائل العربية في الجزيرة )

أن قبائل جَرم ونَهْد قد جاورت مَذْحِج في مواطنهم في نجران وتثليث ومَا وَالاَها، وكانوا في عزّة 

ومنعة إلى أن اختلفوا وتفرقوا، فَطَمِعتْ فيهم بنو الحارث بن كعب. 

فحالفت نهد بني الحارث، وحالفت جَرْم بني زُبيد.

 فتحاربت بنو الحارث بن كعب وبنو زُبيد، فانهزمت زُبيد بعد فرار جَرْم عنها.

 وكان على بني الحارث في تلك الحرب عبد الله بن عبد المَدَان، وعلى زُبيد عمرو بن معد يكرب

فقال عمرووهو يذكر فرار جَرْم :

لحــا اللـه جَرْمًـا كلمَّـا ذرَّ شـارقٌ وجـــوه كلاب هَارَشـــَتْ فازبـــأرَّتِ
ظللـــتُ كـــأني للرمـــاح درِّيــةٌ أقاتــلُ عــن أبنــاء جَـرْمٍ وفـرَّتِ
 ولم تُغْنِ جَرْمٌ نَهْدَها إذْ تلاقَتَا ولكــنَّ جَرْمًـا فـي اللقـاء ابْـذَعَرَّتِ

ثمَّ لحقت جرم بنهد، وحالفوا في بني الحارث.

ومن وقائعهم أيضا، ما يُذْكَر عن إغارتهم مع بني الأَحْمس بن الغوث بن أنمار على بني زيد بن الغوث بن أنمار

 (إخوة بني الأحمس _ فقتلوا بني زيد ونفوهم عن ديارهم وأرجعوا بني الأحمس إلى ديارهم، بعد أن نفتهم بنو زيد في الحرب التي كانت بينهم.

ومن أيامهم أيضًا: 

يوم معشر ( موضع في ديار جُشَم ) وكان لِبَنِي جُشَم على مُراد وبني الحارث بن كعب، 

وفيه يقول معاوية بن أنيف الجُشَمِي:

أتـــاني أن أهـــلَ قفـــا بَتيــلٍ أَتَـــاهُمْ أهــلُ أجــزاع الحصــادِ
علـــى قِعْــدانِهم كــي يَســْتَبيِحُوا نِســـَاءَهُمُ ومـــا هــو بالســَّدَادِ
أنـــاموا مِنْهُـــمُ ســـِتِّين صــَرْعى بحــــرّةِ مَعْشــــَرٍ ذاتِ القَتَــــادِ

وفي الذَّهاب (وهو غائط من أرض بني الحارث) أغار عليهم وعلى أحلافهم من اليمن فيه عامرُ بن الطُّفيل،

 وفيه يقول لبيد بن ربيعة العامري:

حــتى تهجــر فـي الـرَّواح وهَاجَهـا طلـــبُ المعقَّــب حقّــه المظلــومُ
إنّــي امُــرؤٌ منعـتْ أُرُومَـةُ عـامرٍ ضــَيْمي وقَــد حَنقَــتْ علــيَّ خُصـُومُ
منهـــا حُــوَيٌّ والــذُّهاب وقبلــه يـــومٌ ببرقـــة رَحْرَحَـــان كريــمُ

ومن أيام مذحج في الجاهلية:

 يوم الكُلاب الثاني، بينهم وبين تميم بعد أن أوقع كسرى ببني تميم في يوم الصَّفقة وطمعت مذحج فيها.

 وفي هذا اليوم شارك بنو الحارث بن كعب إِخوتهم، وأبلوا فيها بلاء حسنا

وكان عبد يغوث بن وقّاص بن صلاءة الحارثي مع يزيد بن هوبر، ويزيد بن عبد الَمدَان

 ويزيد بن الكيثم بن المأمور (وكُلُّهم حارثيوُّن) كلُّ واحد منهم على ألفين من الرجال.

 وهذا اليوم لتميم على مذحج، وفيه أُسِر عبد يغوث الحارثي، وقال قصيدته المشهورة التي يقول فيها:

ألا لا تَلُومـاني كفـى اللـومُ مَا بيا فمـا لَكُمَـا في اللَّوم خيرٌ ولا لِيـَا
أقــولُ وقـد شـُدوا لِسـَاني بِنسـْعةٍ أمعَشـَر تَيْـمٍ أطلقـوا مـن لِسـانيا
وتضـــحك منِّـــي شــيخةٌ عبشــمَّيةٌ كـأنْ لـم تـر قبلـي أسـيرًا يمانيا

ومن أيامهم:

 يوم فَيْف الريح، بينهم وبين عامر بن صعصعة، وكانت بنو الحارث ومَنْ معهم من قبائل مذحج في ذلك اليوم تحت رئاسة الحُصَيْن بن يزيد بن شدَّاد بن قنان الحارثي، ذي الغُصَّة، فاقتتلوا في ذلك اليوم ثلاثة أيام قتالا شديدا.

 وكان من فرسان بني الحارث الذين أبلوا بلاءً مشهودًا:

 مُسهر بن يزيد الحارثي، ويُقال:

إنه طعن عامرَ بن الطفيل في عينه، وأخذ امرأته. 

وفي أول الإسلام عندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل، كانت قبيلة الحارث من القبائل التي عرض الرسول عليه السلام نفسه عليها.

وفي العام التاسع للهجرة، قدِم وفد بني الحارث بن كعب على الرسول صلى الله عليه وسلم، أسوة بغيره من قبائل العرب، التي وفدت على الرسول عليه السلام.

 وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني الحارث، وأقام بينهم ثلاثة أيام، فأقبل خالد إلى رسول الله، ومعه وفد من

بني الحارث منهم:

 قيس بن الحُصين ذو الغُصَّة، ويزيد بن عبد المَدَان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشدَّاد بن عمر القنائي، وعمرو بن عبد الله الضبابي. 

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم قيس ابن الحُصين أميرا عليهم بعد مُنْصَرَفِهِم، وبعث معهم عمرو بن حزم لِيُفَقِّهَهمُ في أمور الدين، ويعلمهم السُنَّة، ومعالم الإسلام.

وفي عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم حَظِيَ بنو الحارث بن كعب بشرف المشاركة في معارك الفتوح الإسلامية في الشَّرق، فقد شاركوا في معركة القادسية- إحدى المعارك الإسلامية الفاصلة في الشرق- وكانوا تحت إمرة أصعر بن الحارث الحارثي.

وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُذكر من رجالهم ذوي المكانة والمنزلة:

 الربيع بن زياد بن النضر بن بشر بن مالك بن الدَّيان بن عبد المَدَان، وهو الذي فتح معظم خُراسـان، وتولَّى إمارتها.

ويُرْوى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال بحقه:

 "دُلُّوني على رجل إذا كان وهو أمير فكأنه ليس بأمير، وإذا كان ليس بأمير فكأنه أمير بعينه من تواضعه." 

وكان خَيِّرا، صاحب منزلةٍ عند الخليفة عمر، وكان يحضر مَجَالِسه، أورد له الزبير بن بكّار حديثا بينه وبين عمرو بن معد يكرب الزبيدي في مجلس الخليفة عمر بن الخطاب

 وقد استخلفه أبو موسى سنة سبع عشرة هجرية (17 هـ) على قتِال مناذر، فافتتحها عنوة، وقتل وسبى، وبها قُتِل أخوه المهاجر.

وبعد فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه وما تمخّض عنها من أحداث في معركة الجمل ومعركة صِفِّين، يبدو أن هوى بني الحارث كان مع علي، ومن رجاله الموالين لعلي: 

زياد بن النضر الحارثي، وحارب مع علي في مشاهده كلها، وكان على مقدمة الجيش في صِفِّين ومنهم شريك بن الأعور، شهد صِفِّين مع عمّار. وكان من شيعة علي الشديدي التشيُّع.

وفي العصر الأموي نقرأ من أخبار رجالاتهم شريك بن الأعور الشاعر، كان من الوافدين على الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وقد جرى حوارٌ بين الخليفة وبينه، فاخر فيه بنفسه وبرجالات قومه من بني الحارث، 

وقال (بعد خروجه من عند الخليفة) من أبيات شعرية:

أيشـــتمني معاويـــة بـــن حــرب وســـيفي صـــارمٌ ومعــي لســاني
وحــولي مــن بنــي عمِّــي لُيُــوثٌ ضـــَرَاغِمةٌ تهـــشُّ إلــى الطِّعــان
فلا تبســط لِســانك يــا ابـن حـربٍ علينــا قــد بلغـت مـدى الأمـاني
فــإن تــك فــي أميّـة فـي ذراهـا فــإني فــي بنــي عبــد الَمَــدان

وكان واليا على كَرْمان من قبل عبيد الله بن زياد، وذلك في سنة تسعٍ وخمسين هجرية.

ومن رجالاتهم في العصر الأموي:

 الربيع بن زياد الحارثي (الذي ذكرناه سابقا) قد ولاَّه معاوية بن أبي سفيان على سجستان بعد عزل 

عبد الرحمن بن سَمُرة. 

وبقي واليًا عليها إلى أن مات المغيرة بن شعبة، ثم عزله معاوية عن سجستان، وبعثه إلى خرسان فغزا بَلْخ.

 وفي سنة إحدى وخمسين هجرية وجهه زياد بن أبيه أميرا على خُراسان بعد موت الحكم بن عمر الغفاري

 وتوفي ربيعُ سنة ثلاث وخمسين هجرية.

وفي عصر بني العباس، عادت شوكة بني الحارث بن كعب قوية كما كانت في الجاهلية، وازداد نفوذهم، بسبب ازدهار حركة العمران والإصلاح، بعد قيام الدولة العباسية، فنشطت الحياة الاجتماعية نشاطًا ملحوظًا انعكس في عودة العصبيات القبلية والفارسية، فتعود شوكة بني عبد المدان الحارثيين قوية بقيادة علبة الحارثي وابنه جعفر.

وربما زاد في قوة شوكتهم أنهم كانوا أخوال أبي العباس السفاح.

في هذا العصر تعود الأيام والمغاورات بين الحارثيين وبين جيرانهم بني عُقيل العامريين، كالتي نقرأ أخبارها في الجاهلية، وتعود العصبية القبلية ثانية بين القبائل اليمانية، ممثلة ببني الحارث وبين القبائل الشمالية ممثلة ببني عُقيل العامريين. 

ومن أشهر هذه الوقائع والأيام "سَحْبل"، 

وبطل هذه الوقائع هو جعفر بن علبة الحارثي، الذي أُقيد منه بسبب كثرة مَنْ قتل مِن العقيليين.

 وسنفصل الحديث عن يوم سحبل، عند الحديث عن أغراض جعفر الشعرية.

ومن رجالات الحارثيين في العصر العباسي: 

منصور بن زياد وأولاده: محمد، والفضل، وزياد وكانوا ذوي قدْر ومنزلة في دولة بني العباس.

 ومن رجالاتهم كذلك:

 زياد بن عبيد الله بن عبد الله بن المدان الحارثي، وكان خال أبي العباس السفاح، ولاّه المدينة

 ثم أَمَّرَهُ أبو جعفر المنصور عليهما بعد وفاة أبي العباس، 

ومنهم الحارث بن زياد ابن الربيع بن زياد بن أنس(المتقدم ذكره) وهو حفيد الربيع، وكان في حملة أبي جعفر المنصور، وكان أعلم العرب والعجم بالنجوم، ويبصر حكم ما دلت عليه النجوم.

 مولده ومقتله 

ولا يعرف على وجه التحديد متى ولد جعفر، فلم يُشر أحدٌ من القدماء إلى ذلك، وعلى الرغم من الترجمة التي 

أفردها له أبو الفرج الأصفهاني، لكنه لم يذكر شيئا عن هذا الجانب، كما أننا لا نجد في شعره من أحداث عايشها 

أو رجال اتصل بهم، ما يسْعِفُنا على تَلَمُّس ذلك ولو على وجه التقريب؛ ذلك أن أكثر شعره الذي ورد في المصادر

 هو في غاراته على بني عُقيل وما يتصل بهذه الأحداث. ويكاد يتَّفق القدماء والمحدثون -على السواء- أنه قتل صبرا،

 لكنهم يختلفون فيما بينهم اختلافا شديدا حول الوالي الذي نفذ بحقه عقوبة القصاص. 

أما المكان الذي نُفِّذ فيه القصاص بجعفر، فبعض القدماء -والمحدثون كذلك- يذكرون أنه قتل بمكة، وبعضهم يذكر

 أنه قتل بالمدينة، وإن كنتُ أرجح أنه قتل بمكة، بدليل قول جعفر -وهو محبوس- قبل أن تنفذ بحقه عقوبة القصاص:

فأمـا الهوى والوُدُّ مِنِّي فَطَامِحٌ=إليك وجُثْمَانِي بمكة موثَقُ

أما فيما يتعلق بزمان تنفيذ العقوبة بحق جعفر

 فابن حزم، وتقي الدين الفاسي يَذْكُرانِ أنّه قتل في صدر دولة السفاح

 أي بحدود مائة واثنتين وثلاثين هجرية (132هـ).

 أما البكري:

 فيذكر زمان مقتله في أيام أبي جعفر المنصور، ويرى رأيه كلٌّ من سزكين، وياسين الأيوبي، وعلي زوين.

وإن كنت أختلف مع الغُنْدجُاني من القدماء، وعلي زوين(من المحدثين) فيما أوْرَدَاهُ

 إذ كيف يكون مقتل جعفر عام مائة وخمسة وعشرين هجرية (125هـ)، وفي خلافة المنصور؟!

 ففي هذا تناقض بيِّن

 ونحن نعلم أن المنصور تولى الخلافة عام مائة وستة وثلاثين هجرية (136هـ) 

أو مائة وسبعة وثلاثين هجرية (137هـ)،

 كما أن بداية الخلافة العباسية كانت بحدود مائة واثنين وثلاثين هجرية (132هـ). 

ويحدد الزركلي مَقْتل جعفر بحدود عام مائة وخمسة وأربعين هجــرية (145هـ)

ويرضى بهذا التحديد العلاّمة الشيخ حمد الجاسر

 لكن الهمداني يذكر أن مقتل جعفر كان في أيام المهدي.

 وتولِّي المهدي الخلافة كان بحدود مائة وثمانية وخمسين هجرية (158هـ).

وهذا يخالف ما جاء في الروايات السابقة جميعها، ويُخالف الزركلي أيضا.

  وعلى الرغم من هذا، فإني أميلُ إلى قبول رواية الزركلي 

وأنَّ تنفيذ العقوبة كان في آخر أيام ولاية السريّ بن عبد الله الهاشمي على مكة والمدينة

 في زمن أبي جعفر المنصور، وكان السريّ واليا على المدينة ومكة لأبي جعفر المنصور من عام 143هـ حتى 145هـ. 

وهذا يوافق روايتي أبي عمرو بن العلاء، والنضر بن حديد اللتين تقولان بأن السريَّ هو الذي طبق عقوبة القصاص.

سبب مقتله  

تَتَّفِق الروايات في المصادر القديمة على أن جعفرا قتل قصاصا، بسبب قتله غير واحدٍ من عُقيل، 

أو بسبب اشتراكه مع غيره في عملية القتل،

 لكنها تضطرب اضطرابا شديدا في تحديد السبب الذي أدّى به إلى هذه العقوبة.

وقد أورد أبو الفرج الأصفهاني ثلاث روايات مُفَصَّلة ومنْسوبة إلى أصحابها،

 ولعل من الخير أن أوردها مختصرة ثم أرى رأيي فيها

يورد أبو الفرج الأولى عن أبي عمر بن العلاء وملخصها:

 أن جعفرا خرج مع بعض أفراد قومه بقصد الإغارة على بني عُقيل، وفي هذه الغارة تسبّبوا في قتل بعض العُقَيْليِّين

فخرج العقيليُّون في طلبهم، وافترقوا عليهم في الطريق، ووضعوا عليهم الأرصاد، فكانوا كلما أفلتوا من عصابة 

لقيتهم أخرى، حتى انتهوا إلى بلاد نَهْدٍ، فرجع عنهم العقيليُّون، فاسْتَعْدَتْ عقيل السريَّ بن عبد الله الهاشمي 

(عامل أبي جعفر المنصور على مكة) عليهم وأقامت قسامة على جعفر أنه قَتَل فيهم، فقتل جعفر قصاصا.

ويروي أبو الفرج الثانية عن ابن الكلبي ومُلَخَّصها: 

أن إياس بن يزيد الحارثي، وإسماعيل بن أحمر العقيلي اجتمعا عند أَمَةٍ لأحد الحارثيين، فتحدث الاثنان أمامها

 فمالت الأَمَة إلى العقيلي فهاج ذلك شرًّا بينهما، فصرع العُقَيليُّ الحارثي، ثم حدث أن تغاور الحيان غير مرة، 

فحدث أن لقي العقيليون جعفرا فضربوه، وآذوه، ثم تبعهم جعفر بعد ذلك، ومعه بعض أَبناء عمومته، 

فأغاروا على بني عُقيل، والتقوا في (سَحْبَل)، واقتتلوا اقتتالا شديدا، فقَتَلَ جعفرٌ (خُشيْنَة)

 فاستعدى العقيليون إبراهيم بن هشام المخزومي عامل مكة، فحبس الحارثيين، 

وأقام العقيليون قسامة على جعفر أنه قتل فيهم، فأقاده إبراهيم بن هشام.

أما الرواية الثالثة فيوردها أبو الفرج عن النضر بن حديد، وفيها:

 أن جعفرا كان يزور نساء عُقيل، ويتحدث إليهنَّ، فأخذته عُقيل وربطته إلى جُمته، وضربوه ضربا مُبرَّحا بالسِّياط

 كما كشفوا عورته بين أَيدي النساء، وأخذوا يُغْرُون به سُفهاءهم إمعانا في إذلاله حتى شفوا أنفسهم منه، ثم خلوا سبيله.

وبعد أيام أغار جعفر مع اثنين من رجالات قبيلته على بني عُقيل، وقتلوا فيهم، فاستعدتْ عقيلٌ السري بن عبد الله 

عليهم فأحضر الحارثيين وبينهم جعفر- فحبسهم، وأقاد من الجارح، ودافع عن جعفر لخؤولة أبي العباس السفاح

 في بني الحارث، فهدده العقيليون بالرجوع إلى الخليفة، فاضطر السريُ إلى الإذعان لمطلبهم فأحضر جعفرا 

وأقاد منه.

وعند النظر في هذه الروايات الثلاث يمكن استنتاج الآتي:

                       (رأي المحقق)

أولا: تتفق الروايات الثلاث فيما بينها أن جعفرا قتل في بني عُقيل، فأقيد منه بسبب ذلك. 

ثانيا: تتفـق رواية أبي عمرو بن العلاء مع رواية النَّضْر بن حديد في اسم الوالي الذي طبق العقوبــة

 وهو السريّ بن عبد الله الهاشمي، عامل مكة لأبي جعفر المنصور. 

وتختلف رواية ابن الكلبي عنهما، وهذا ما يطعن في صحتها، لاسيما إذا عرفنا أن إبراهيم ابن هشام المخزومي 

الوالي الذي يذكره ابن الكلبي كان واليا على مكة والمدينة لهشام بن عبد الملك من عام مائة وخمسة إلى سنة مائة 

وخمسة وعشرين (105-125هـ). 

ومعنى هذا أننا ما زلنا في زمن دولة بني أمية. وجعفر بن عُلبة من مخضرمي الدولتين الأمويّة والعباسية

فكيف يكون ذلك؟

ثالثا: إن ما يطعن في صحة الرواية الثالثة، ما يذكره النضر بن حديد من أن العُقيليين كشفوا عورة جعفر بين 

أيدي نسائهم فكيف يحدث هذا في مجتمع بدوي محافظ على حوزته، وأهم حوزته التي يحافظ عليها ويحميها هي المرأة؟

رابعا: يبدو لي أن هذه الروايات قد وضعت لِتَفْسير بعض الإشارات الواردة في شعره، خاصة ما يتصل منها بغاراته 

على بني عقيل وأيامه معهم، وهذا كله يتم دون الالتزام بمدى صدق الرواية أو كذبها. 

ويبدو لي أيضا أن حياة جعفر التي قضاها في الفتك والصعلكة، جعلت منه بطـلا شعبيا، فأصبحت حياته قريبة إلى

 روح الشعب، فكان هذا مجالا لانتحال الأخبار وخاصة أنه قتل في موقف مثير يبعث على الانتحال

 وقد يدعم هذا القول ما نجده من أخبار تتصل بجعفر تصل حد الأسطورة الشعبية، وذلك

فيما يرويه أبو الفرج الأصفهاني عن المشهد الذي أعقب قتله، يقول:

 "لما قتل جعفرٌ قام نساء الحي يبكين عليه، وقام أبوه إلى كل ناقة وشاة فنحر أولادها، وألقاها بين يديه

 وقال: ابكين معنا على جعفر، فما زالت النوق تَرْغُو والشاء تثغو والنساء يصحن ويَبْكِينَ، وهو يبكي معهن

 فَمَا رُئِيَ يومٌ كان أوجع وأحرق مأتمًا في العرب من يومئذ."

فالرواية تُصرُّ على إشراك الحيوان في الحزن على جعفر!!

خامسا: نستنتج من مجمل الروايات أَن جعفرا كان يُغير إما منفردا أو مع غيره على العُقيليين

وفي هذه الإغارات كان ينهب ويسلب ويقتل، مما أدى إلى توقيع عقوبة القصاص بحقه من قبل السلطان الذي 

يطبق القانون وينفذه. 

وبالرجوع إلى شعر جعفر، فإننا نجد ما يؤيد هذا القول، يقول جعفر:

ليُهْــنِ عُقيلاً أننــي قــد تركتهــا ينــوء بقتلاهــا الـذئاب الهوامـلُ

ويقول:

تركـــتُ بـــأَعْلىَ ســَحْبَلٍ ومَضــِيقهِ مُـرَاقَ دَمٍ لا يَبْـرحُ الـدهرَ ثَاويــَا
فــــإنّ بُقـــرَّى ســـحبلٍ لأمـــارةً ونضــحَ دمــاءٍ منهُـمُ ومَحَابِيـــــَا

وفي مناقضات معاذ بن كُلَيِب العقيلي، وكان يغاور الحارثيين، يعترف أن دَيْـنـًا لعقيل في عنق جعفر الحارثي

وأنها لن تنسى الثأر منه، يقول مخاطبًا علبة الحارثي بعد مقتل ابنه:

فلا تحسـبَنّ الـدَّيْنَ يـا عُلــبَ مُنْظَرًا ولا الثـائر الَحَّـرانَ ينسى التقاضيَا

أغراضه الشعرية 

لعلّ من المفيد بداية أن أذكر أن ديوانا شعريا لجعفر كان موجودا، ولعل أول إشارة إلى ديوانه نجدها 

عند أبي الفرج الأصفهاني (ت356هـ)، فعندما روى خبر مقتله كان بين يديه ثلاث نُسَخ من كتب فيها أخباره وأشعاره.

 وبعد أَن نقل خبر مقتله من رواية النضر بن حديد، قال –مُعَقِّبا على بعض الأبيات-

 "ووجدتُ الأبيات القافية التي منها الغناء في نسخة النضر بن حديد أتمّ مما ذكره أبو عمرو الشيباني."

وترد الإشارة الثانية إلى ديوانه عند الآمدي (ت370هـ)، ويبدو أن سِفْرا يحوي شعر شعراء بني الحارث 

-ومنهم جعفر- كان معروفا عنده يقول:

 "وقصة جعفر بن علبة، وفيما كان بينه وبين بني عُقيل مذكورة عند ذكره مع شعراء بني الحارث."

 ويبدو لي أن جعفر بن علبة الحارثي كان شاعرا مشهورا، يدل على ذلك كثرة ورود أشعاره في كتب الأدب واللغة والحماسات والمعاجم الجغرافية؛ ونظرةٌ إلى مصادر التخريج توضح هذا.

وجعفر بن علبة الحارثي شاعر مُقلٌّ غزل فارسٌ. لكن جُلَّ شعره- الذي استطعتُ جمعه- يصور 

 غاراته على بني عُقيل بن كعب، وشعره الغزلي نزْرٌ يسيرٌ؛ وفي شعره مقطوعتان يتحدث في الأولى منهما عن

صاحبته التي جمعها وإياه في مشهد مُثير ومحزن، وقد وقفت تُوَدِّعه وقد كشفت عن ثنايا كالبَرَد

 وقد آلمها وأحزنها افتراق حبيبها عنها، الذي لا تجمعه الأيام معها إلاّ لمِامًا،

 وفي مشهد الوداع هذا تمنعه كبرياؤه وعزةُ نفسه من البكاء لئلاّ يشمت به الشامتون، يقول:

أشــارت لنــا بـالكفِّ وهـي حزينـةٌ تُوَدِّعُنــا إِذ لــم يــودع ســَلاَمُها
ومـا أنـس مِ الأشـياءِ لا أنـسَ قولها وقـد زل عـن غُـرِّ الثنايـا لثِاَمُها
أمـا مـن فراقي اليوم بُدٌّ ولا النوى بمجتمــــع إِلا لِشـــَحْط لمِامُهـــا
فلـو كنـتُ أبكـي مـن فـراق صـَبَابَةٍ لأذريــت عينــي دمعــة لا أُلاَمُهــا
ولكــنَّ لــي عينًـا كتومًـا بمائهـا جَمُـودًا بأيـدي النـاظرين انسجامُها

ولجعفر مقطوعةٌ غزليةٌ أخرى، تشكل حلما من أحلام اليقظة وقد منعته الظروف من أن يلتقي بحبيبته في عالم

 الواقع فيحاول الالتقاء بها خيالا ليتعلل بطيفها، وقد تراءى له هذا الطيف لمحبوبته التي تزوره في سجنه

ويتعجب من سُرى طيفها ووصوله إليه 

"على بُعد الدار، وشحط المزار، ووعرة الطريق، واشتباه السبل، واهتدائه إلى المضاجع من غير هادٍ يرشده وعَاضِدٍ يعضده."

فيبدل طيفُ محبوبته ظلام السجن من الداخل، وظلاَم الدنيا مِن الخارج إلى نورٍ وإشراق،

 فيتملكه الخشوع، ويستبد به الذُّهول، فيتصور حاله كأنَّ روحه قد فارقت جسده، يقول:

عَجِبْـــتُ لمســراها وأنَّــى تخَلَّصــتْ إلــيَّ وبــابُ السـجن دُونـيَ مُغْلَـقُ
عجبــتُ لمســراها وســربٌ أتـت بـه بُعيـد الكـرى كـادتْ له الأرض تُشْرِقُ
ألـــمَّتْ فحيّــتْ ثــم قـامت فـوّدعت فلمــا تـولت كـادت النفـسُ تزهَـقُ
فلا تَحْســَبني أنــيِّ تخشــَعْتُ بعـدكم لشــيءٍ ولا أنـيِّ مـن المـوت أفـرقُ
ولكــن عَرَتْنِــي مــن هـواكِ صـبابةٌ كمـا كنـتُ أَلقـى منك إِذ أنا مُطلقُ
فأمــا الهـوى والـوُدُّ منـي فَطَامِـحٌ إليـــكِ وجثمـــاني بمكــة موُثــقُ

إن جعفرا يعيش حالة حصار داخليا وخارجيـا، وهو ينتظر الموت في أية لحظة، لذلك يحاول بهذه الوسيلة الفنية

 أن يخرج من حالة الحصار هذه، ومن الهمِّ الثقيل الذي يجثم على صدره، ومن الوساوسِ التي تُسَاوره. 

إنه يُحاول أيضا الخروج من ضيق المكان إلى الفضاء الرحب، وإلى الدنيا الفسيحة التي كان يحياها،

 فتتراءى له المحبوبة 

و"ترائي المحبوبة حلم واعٍ يحياه الشاعرُ حياة داخلية نشِطة، خارجة من انغلاق الذات في الحبس القاهر،

 ليتعلق بالرياح والسحاب والبُرُوق والنيران، ويتخذ هذا النشاط الداخلي مسلكًا

آخر في التعويض عن الحرمان، لا يخرج فيه الشاعر إلى الطبيعة، بل تفتح عليه الأبواب ليلا ويُزَار."

 إن الشاعر يُحاول جاهدًا أن يُسلِّيَ نفسه بهذا الحلم، ويحاول أن يحقق نوعا من الاندماج الروحي بينه وبين صاحبته

 ولكنه حين يصحو تبرز له الحقيقة الفاجعة، فيكون "كمن صحا على حقيقةٍ رهيبة يجهلها، فطغى عليه يأسٌ فاجعٌ 

وخيبة قاتلة."

ويكشف لنا قوله:

فأمــا الهـوى والـوُدُّ منـي فطامِـحٌ إليـــكِ وجثمـــاني بمكــة موُثــقُ

الصراع بين النفس الإنسانية التي تعشق الحرية، وتهوى الأماكن الرحبة وبين ضيق المكان -السجن- وبما يثيره

 في النفس الإنسانية من وساوس وشكوك وتخيلات، فيحاول -فنيَّا- التغلُّب على هذا الواقع في حلم من أحلام اليقظة.

ولما كان جعفر وغيره من الصعاليك 

"مُفسدين خارجين على القانون، فقد جدَّت( أي الدولة) في طلبهم، وتشدّدت في تَعَقُّبِهم، وأَنْزلتْ بمن قبضت عليه منهم أشدَّ العقاب، إِمّا بالحبس أو القتل."

وقد خضع جعفرٌ للعقوبتين معا، فعندما قُبض عليه، بقي مسجونا إلى أن نفذت عقوبة القصاص بحقه

 وقد أنطقهُ السجن بأشعار رائعة؛ ففي شعره وصف دقيق للسجون وللسجانين وأعمالهم وما كانوا ينفذون 

من تعليمات تصدر إِليهم، كما وصف أبواب السجون، وحُراسَها والأقفالَ التي كانت توضع على أبوابها

والقيودَ التي كانوا يَرْسُفُون بها. وفي شعر جعفر وصفٌ للأجراس التي كان يقرعها السجَّانون طوال الليل لكي

 "يُحال بين السجناء وبين النوم ليلا، بعد العذاب المضني، فتقرع الأجراس طِوالَ الليل فيجتمع 

عليه (أي المسجون) النصب والوصب وثقل النُّعاس المحطم للأعصاب."

 وفي ظل هذه الظروف القاسية، والمعيشة الضنكى، كان جعفر يَسْتَشْعِر القهر والظلم، فيتألم ويشكو

 ويتمنى أن يخرج من هذا السجن الرهيب، يقول واصفًا السجون وواصفا هذه المشاعر جميعها:

إذا بــابُ دَوران تَرَنَّـم فـي الـدجى وشـــدَّ بــأغلالٍ علينــا وأقْفَــالِ
وأظلــم ليــلٌ قــام علــجٌ بِجُلْجُـلٍ يــدور بـه حـتى الصـباح بإعمـالِ
وحُّــراسُ ســوءٍ مــا يَنَـامُونَ حَـولَهُ فكيــف لمظلــومٍ بحيِلــةِ مُحْتَــالِ
ويصــبر فيـه ذو الشـجاعة والنـدى علـى الذُلّ للمأمور والعلجِ والوالي

إنه وصف دقيقٌ للسِّجن، لا يصفه هذا الوصف إلا مَنْ كابد همومه وأحزانه وغُرْبَتَهُ  

إنه كما يقول جَحْدر بن معاوية العكلي:

ســـجنٌ يلاقــي أهْلُــهُ مــن خَــوْفِهِ أَزْلاً ويُمنَــــعُ منهُـــمُ الـــزُّوَّارُ
يَغْشـــُونَ مِقْطَـــرَةً كــأنَّ عَمُودَهــا عُنُـــقٌ يُعَـــرِّقُ لَحْمَهـــا الجّــزارُ

والغريب أن جعفرا على كثرة جناياته(كما تَدُلُّ أخباره وأشعاره) يرى نفسه مظلوما

 وينتظر بفارغ الصبر وسيلة للخلاص، كما يرى أنَّ هذا المقام الذليل لا يليق به فارسا شجاعا،

 إنه المنطق نفسهُ الذي نراه في أشعار غيره من الشعراء الصعاليك، فالسمهريُّ بن بشر العكلي الصعلوك 

 يرى أنَّ السُّجون منزلة للئام. أما كرام القوم- ويرى نفسه واحدا منهم- فلا يليق بهم هذا المقام الذليل

 وهذه المنزلة الرديئة، بل إنهم يتذمَّرُون وَيَتَمْلمَلُون، ويفكرون في وسيلة للخلاص، يقول:

لقــد جَمَــعَ الحـدّادُ بيـن عصـابةٍ تَسـَاءَلُ فـي الأسـْجَانِ مـاذا ذنُوبها
بمنزلـــةٍ أمـــا اللئيــم فــآمنٌ بهــا وكـرامُ القـوم بَـادٍ شـُحُوُبها

والسجن عند جحدر العكلي أيضا:

مــأوى الفتـوة للأنْـذَالِ مُـذْ خُلِقَـتْ عنــد الكـرام مَحَـلُّ الـذُلِّ والعَـارِ

وفي شعر جعفر قطعة أخرى يصور فيها ما كان يكابده من هَمٍّ وَوَصَب وَنَصب

وما كان يشعر به من تبرُّم وضيق في هذه الأماكن المظلمة، فالقيود التي يرسف بها تُثْقِلُ خُطاه

 فلا يستطيع المشي أو النوم، والأحراس الثلاثة الذين تكفلوا بمراقبته يضيّقون عليه ويكتمون عليه أنفاسه.

 وفي ظِل هذه الأوضاع، يبعث جعفر رسالة شعرية من سجنه مستنجدا وحاثّا

ابن عمه على إخراجه من السِّجن، وتخليصه مما هو فيه، لأن جعفرا لو كان حرا طليقا، وكان ابن عمه في مكانه

 لما قبل بهذا الضيم. يقول جعفر من قصيدة:

ألاَ لا أُبــالي بعــدَ يــومٍ بســَحْبَلٍ إذا لــم أعَـذَّبْ أن يجيـء حِمَامِيَـا
تركـــتُ بــأعلى ســَحْبَلٍ ومضــيقِهِ مُــراقَ دمٍ لا يـبرح الـدهر ثاويَـا
فــدًى لبنـي عمِّـي أجـابوا لِـدْعوَتي شـَفَوْا من بني القَرْعَاء عمِّي وخاليا
تركنــاهُمُ صــرعى كــأن ضــَجيجَهُم ضـجيجُ دَبـارى النـوق لاقـت مُدَاوِيا
فــــإن بقُـــرّى ســـحبلٍ لأمـــارةً ونضـــحَ دمـــاءٍ منهُــمُ وَمَحابِيَــا

 وهذا الكلام لجعفر يدل على أن عملية التَرَاسُلِ من داخل السجن كان مَعْمُولا بها في ذلك الزمان 

"وتعد الرسائل إحدى الوسائل لإيصال صوت المُحْتَبَسِينَ إلى العالم الخارجي، ولتذكير معارفهم بأمرهم

 وتعريفهم أحوالهم وحاجاتهم، وكانت المعبر الذي نفذ منه كثير منهم إلى الحرية، ويبدو أن التراسل حق مَارَسَه

 السجناء منذ القدم بعلم السلطة أو خفية عنها."

ومن داخل السجن، وفي ظل هذه الأوضاع السيئة، وفي غياهب السجن المظلم، إذ يقاسي جعفر مرارة الغربة

 ويكابد الآلام، ويتجرع الغُصص، يستبدُّ به الشوق والحنين إلى الأهل والوطن، ويجذبه الشوق إلى تلك المرابع

 التي كان يقضي فيها أجمل أوقاته وأحلى ذكرياته، فيتَمنىَّ- لو تُسْعِفُه الظروف- أن يُكحل عينيه برؤية تلك المرابع

ويُطفئ حرَّ عطشه من ماء خدوراء العذب الصافي، أو يستمع إلى تهْتاف الحَمام، وذكر الحمام هنا إسقاط لما في نفس الشاعر من حنين وشوق، يقول:

ألا هَــلْ إلــى فِتْيَــانِ لَهـوٍ ولـذَّةٍ ســبيلٌ وتَهْتــافِ الحَمَـام المُطَـوَّقِ
وشــربةِ مــاءٍ مــن خَـدُوراءَ بـاردٍ جــرى تحــت أظْلاَلِ الأرَاكِ المُســَوَّقِ
وســَيْري مــع الفتيـان ظـلِّ عشـيَّةٍ أُبــاَري مَطَايَــاهُم بصـَهْباءَ سـيْلَق

ولجعفر قصيدتان تُصوِّرَانِ مغامراته لبني عُقيل، فوَّارتانِ بالدم

 ونكاد نَشُمُّ رائحة الدم تفوح من خلال الأبيات يخرجها جعفر في صورة ما عرف بالأدب العربي بالقصائد

 "المُنْصفَات" 

يصوّر في الأولى معركة بينه وبين جمع من بني عُقيل يمتازون بالشجاعة والإقدام، غير هيَّابين ولا وقَّافين،

 لكن ما يمتاز به جعفر من شجاعة وإقدام أيضا، قد خفف عنهم مواجهة هذا الجمع الذي لا يهاب الموت.

 موقفٌ مهيب يتخلص فيه الحارثيون من المراصد التي نصبها العقيليون لهم بسيوف بتارة، إذا مسَّت ضَرِيبَتَها تقطع

 إنه موقفٌ يجد فيه الإنسان نفسه بين خيارين:

 أحلاهما مُرٌّ، أو كما يقول أبو العلاء المعرّي:

 "إِمَّا إِسارا يطيل استخدامك، أو سيفا يسفك دمك."

وما دام الموقف على هذه الصورة فالإقدام أفضل من الإحجام، والقتال أولى من الفرار

 والخيار الصعب أولى بالفرسان، فتقع المعركة، ويغادر جعفر أرضها وقد ترك جثث العقيليين طعاما لوحوش البراري. يقول جعفر:

وســـائلةٍ عنَّـــا بغيـــبٍ وســائلٍ بمَصـْدقِنَا فـي الحـربِ كيـف نُحَـاولُ
عشـــية قـــرى ســَحْبَلَ إذْ تعطفــتْ علينـا السـرايا والعـدو المباسلُ
ففــرَّج عنــا اللــه مُرَمْـىَ عَـدُوِّنا وضــربٌ بــبيض المشــَرفَّيةِ خابــلُ
إذا مـا فَـرَى هامَ الرؤوس اعتْرَامُها تَعَاوَرَهَـــا منَّـــا أكــفٌّ وكاهــلُ
إذا مـا رَصـَدْنَا مَرْصـَدًا فَرَجَـتْ لنـا بأيماننــاَ بيـضٌ جَلَتْهـا الصـَّيَاقلُ
وقـالوا لنـا ثنْتَـان لا بُـدَّ منهمـا صــدورُ رمــاحٍ أشــرعتْ أو سَلاســلُ
فقلنــا لهـم تِلْكُـم إذًا بعـد كـرةٍ تُغَــادرُ صــَرْعى نهضــُها مُتَخَــاذلُ
ليِهْــنِ عُقَيْلاً أنَّنِــي قــد تَرَكْتُهــا يَنُــوء بقتلاهـا الـذئابُ ا لهوامـلُ

ولجعفر قصيدة أخرى قالها بعد أن وقع في الأسر، وكأنها تُمثل استرجاعـا لما حدث بينه وبين العقيليين

 في يوم (سحبل)وقد ترك بني عُقيل في هذه الواقعة يتعالى ضجيجهم من أثر الجراح العميقة كأنه دبارى 

النوق وقد طليت بالقطران، فيعلو رغاؤها من أثر الآلام.

إنّ هذه الأبيات (كما أسلفت) تتحدث عن تجربة ماضية، وقد قالها جعفر وهو يرسف بأغلال القيود

ويُكابد الآلام والهموم، لذلك يلجأ جعفر إلى هذه الوسيلة الفنية لخلق عملية توازن لِبُنْيَانِهِ الداخلي الممزّق

 عبر الالتجاء إلى الذات والاحتماء بالأنا، والتعبير عن بطولاتها وأمجادها

 إنه يرفض الاستسلام لفكرة الموت التي ينتظرها في كل لحظة وهو قابع في سجنه، 

فيسعى إلى خلق توازن لذاته يخفف عنها ألم المصاب، ويهرب من حالة الضعف الأسر والموت المنتظر إلى حالة القوة، كما تظهر في أبياته التي يفتخر فيها بنفسه وببطولاته في يوم (سحبل).

وفي القصيدة نفسها نجد التغني بالبطولات، والتحدث عن البأس والحمية والشجاعة والإقدام مُتَجاوِرا مع الدَّماثة 

والرقَّة والخضوع لسلطان الحنين والشوق، وهذا ما نجده عادة في أدب الفروسية.

 ولذا ينطلق لسان جعفر بأبيات زاخرة بالأسى الباكي، والحزن الممض شوقا إلى الديار

وحنينا إلى أهلها ونسائها، ويقول جعفر:

أحقًّـا عبـادَ اللـه أنْ لسـتُ رائيـًا صــَحَارِيَ نَجْـدٍ والريـاحَ الـذَّوَاريَا
ولا زائرًا شــُمَّ العرانيــن أنتمــي إلــى عــامرٍ يَحْلُلْـنَ رَمْلاً معاليِـا
إذا مـا أَتَيْـتَ الحَارِثِيَّـاتِ فـانعني لهُــــنَّ وخَبِّرهُــــنَّ ألاَّ تَلاَقِيَــــا
وقــوّد قلوصـي فـي الركـاب فإنهـا ســتبرد أكبــادًا وتبكـيَ بَواكيَـا
أُوَصـــِّيكُمُ إنْ مِــتُّ يومًــا بعــارمٍ ليُغْنِــيَ شــيئًا أو يكــونَ مَكَانِيَـا

ثانيًا: شعر جعفر بن علبة الحارثي

البحور (2)

الطويل
الوافر

القوافي (6)

ر
ق
ل
م
ن
ي

القصائد (11)