أَلاَ لا أُبَالِي بعدَ يومٍ بِسَحْبَلٍ

القطعة (11)

وقال جعفر 

من الطويل

الأبيات 18
أَلاَ لا أُبَـــالِي بعــدَ يــومٍ بِســَحْبَلٍ إذا لــم أعــذَّبْ أنْ يجيـء حِمَامِيـا
تركـــتُ بـــأَعْلىَ ســـَحْبَلٍ ومَضــِيقهِ مُــرَاقَ دَمٍ لا يَبْـرحُ الـدهَر ثَاوِيــَا
شــفيتُ بــه غيظــي وجُـــرِّبَ مـوطني وكــان سناءً آخــرَ الـدَّهْــرِ بَاقِيـا
أرادوا لِيَثْنُــوني فقلــتُ تَجَنَبَّـــُوا طريقــي فَمَـالي حاجـةٌ مِـن وَرَائِيَـا
فِــدًى لبنــي عــمِّ أجـابوا لـدعوتي شـَفَوْا مـن بني القَرْعَاءِ عَمِّي وخَالِيَا
كــأنَّ بنــي القرعـاء يـومَ لِقَيتُهُـم فـراخُ القطـا لاَقَيْـنَ صـَقرًا يَمَانيَـا
وكالعســـل الصـــافي لأصـــحاَب وُدِّهِ وســُمٍّ يــذيقُ الكاشـحين القَوَاضـيَا
تَرَكْنَـــاهُمُ صـــَرْعَى كــأن ضــَجِيْجَهُمْ ضـجيجُ دبـارى النيِّـبِ لاَقَـتْ مُـداويَا
أقـول وقـد أجلـت مـن اليـومَ عركـةٌ ليَبْـكِ العُقيليِّيـن مَـنْ كـانَ بَاكِيَـا
فــــإن بُقــــرّى ســـَحْبَلٍ لأمـــارةً ونضـــح دمـــاء مِنْهُــمُ ومَحَابيَــا
ولــم أتَّــرِكْ لـي رِيْبَـةٍ غيـر أننـي وددتُ مُعــاذًا كــان فيمَـنْ أَتَانِيَـا
فتصــدُقُه النفــسُ الخبيثــةُ مـوطني ويــوُقِنُ بالعَشــْوَاءِ أنْ قَـدْ رآنِيَـا
شــَفيتُ غليلــي مــن خُشـينة بعـدما كسـوتُ الهـذيلَ المشـْرَفِيَّ اليمانِيَـا
أَحَقًّـا عبـاد اللـه أنْ لَسـْتُ رائيــًا صــَحَارِيَ نجــدٍ والريـاحَ الـذَّوَارِيَا
ولا زائرًا شـــُمَّ العرانيــن أَنْتَمِــي إلــى عــامرٍ يَحْلُلْـنَ رملًا معاليــَا
إذا مــا أتيـتَ الحارثيـاتِ فـانْعِنِي لَهُــــنَّ وخَبَّرْهُـــنَّ أنْ لا تلاقيــــَا
وقــوّد قلوصــي فـي الركـاب فإنهـا ســتبرد أكبــادًا وتُبكِـيَ بَواكِيــَا
أُوَصـــِّيكُمُ إنْ مِــتُّ يومـــًا بِعَــارِمٍ ليغنــي شيئـــًا أو يَكُــونَ مكانِيـا
جعفر بن عُلبة الحارثي
31 قصيدة
2 ديوان

جعفر بن عُلبة بن ماعز الحارثي: أبو عارم شاعر من اللصوص، من شعراء الحماسة، أورد له أبو تمام أربع قطع في الحماسة وسماه البكري في شرح الأمالي:

جعفر بن علبة بن ربيعة بن عبد يغوث بن صلاءة الحارثي. قال: وعبد يغوث هو الشاعر أسير يوم الكلاب وعلبة شاعر وابنه

جعفر بن علبة شاعر، وعمّر علبة إلى أول دولة بني هاشم. 

 ومما أورده له أبو تمام القطعة التي منها (الشاهد الثالث والخمسون بعد الثمانمائة) في خزانة الأدب وهو البيتان:

فلا تحسـبي أنـي تخشـعت بعـدكم لشـيء ولا أنـي مـن الموت أفرق
ولا أنـا ممـن يزدهيـه وعيـدكم ولا أنني بالمشي في القيد أخرق

وقد ترجم له البغدادي في آخر كلامه على الشاهد

وإنما قال هذه الأبيات لما كان محبوساً بمكة، لدم كان عليه لبني عقيل. وذكر في هذه الأبيات صبره على البلاء، وعدم خوفه من الموت، واستهانته بوعيد المتوعد، وحذقه بمشي المقيد.

قال: و "جعفر بن عُلبة"، بضم العين المهملة وسكون اللام بعدها موحدة، ينتهي نسبه إلى كعب بن الحارث. والحارث: قبيلة من اليمن. قال الأصفهاني في الأغاني: ويكنى جعفر أبا عارم، بولد له. وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. وجعفر شاعر مقل غزل، فارس مذكور في قومه. وقتل جعفر في قصاص اختلف في سببه على ثلاثة أقوال، ثالثها: أنه كان يزور نساء من عقيل بن كعب، وكانوا متجاورين، هم وبنو الحارث. فأخذته عقيل، وكشفوا عورته، وكتفوه، وضربوه بالسياط، ثم أقبلوا به إلى النسوة اللاتي كان يتحدث إليهن، ليغيظوهن، ويفضحوه عندهن، فقال لهم: يا قوم لا تفعلوا، فإن هذا الفعل مثلة، وأنا أحلف لكم أن لا أزور بيوتكم أبداً. فلم يقبلوا منه، 

فقال لهم: حسبكم ما مضى، ومنوا علي بالكف عني، فإني أعده نعمة لكم، لا أكفرها أبداً، أو فاقتلوني، وأريحوني فأكون رجلاً آذى قومه في دارهم فقتلوه. 

فلم يفعلوا. وجعلوا يكشفون عورته بين أيدي النساء، ويضربونه ويغرون به سفهاءهم حتى شفوا أنفسهم منه، ثم خلوا سبيله، فلم تمض إلا أيام قليلة حتى عاد جعفر ومعه صاحبان له، فدفع راحلته حتى أولجها البيوت ثم مضى.

فلما كان في نقرة من الرمل أناخ هو، وصاحباه، وكانت عقيل أقفى خلق الله لأثر، فتبعوه حتى انتهوا إليه، وليس معهم سلاح ولا عصاً، فوثب عليهم جعفر وصاحباه بالسيوف فقتلوا منهم رجلاً، وجرحوا آخر وافترقوا.

فاستعدت عليهم عقيل السري بن عبد الله الهاشمي، عامل المنصور على مكة، فأحضرهم وحبسهم، وأقاد من الجارح، ودافع عن جعفر، وكان يحب أن يدرأ عنه الحد لخؤولة السفاح في بني الحارث، ولأن أخت جعفر كانت تحت السري، (1) وكانت حظيةً عنده، إلى أن قاموا عنده قسامة، أنه قتل صاحبهم، وتوعدوه بالخروج إلى أبي جعفر المنصور، والتظلم إليه، فحينئذ دعا جعفر وأقاد منه.

فلما خرج جعفر إلى القود انقطع شسع نعله، فوقف فأصلحه، فقال له رجل: ما يشغلك عن هذا ما أنت فيه؟ فقال:

أشــد قبــال نعلــي أن يرانـي عـــدوي للحـــوادث مســتكينا

وعن أبي عبيدة أنه قال: لما قتل جعفر قام نساء الحي يبكين عليه، وقام أبوه إلى كل شاة وناقة، فنحر أولادها، وألقاها بين أيديها، وقال: ابكين معنا على جعفر. فما زالت النوق ترغو، والشياه تثغو، والنساء يصحن ويبكين، وهو يبكي معهن، فما رئي يوم كان أوجع وأحرق مأتماً منه.

وأطال صاحب الأغاني ترجمته، وفي هذا القدر كفاية.

(1) اختلقت رواية المرزباني في "معجم الشعراء" للقصة اختلافا ذريعا فقال في تراجمة علبة والد جعفر:

علبة بن ماعز الحارثي. وهو أبو جعفر بن علبة المقتول في أيام هشام ابن عبد الملك قتلته بنو عقيل وكان محمد بن هشام المخزومي خال هشام بن عبد الملك زوج بنت علبة أخت جعفر فقال علبة بن ماعز في خبر طويل:

لعمـرك إنـي يـوم أسلمت جعفراً وأصــحابه للقـوم لمـا أقاتـل
كمجتنــب هيـج المنايـا وإنمـا يهيـج المنايـا كـل حـق وباطـل
فلم يدركوا حصناً من الموت حيصة كـم العيـش باق والمدى متطاول

وقال معاذ العقيلي (2) يجيبه:

أبـا جعفـر أسلمت للقوم جعفراً وضـيفيه فـي بهـو من الأرض واسع
أجـرت فلـم تمنـع وكنـت كقـابض علـى المـاء خانته فروج الأصابع

وقد روى الهجري بعض شعر جعفر في رحلته التي أودع فيها أخبار من التقاهم أو سمع شعرهم من الشعراء والشواعر والشيوخ وسماها "التعليقات والنوادر" قال (3): جعفر بن عٌلبة الحارثي في يوم سَحْبَل: (ثم أورد القصيدة):

يقـول العقيليـون إذ لحقوا بنا سـترجع مقرونـاً بإحـدى الرّواحل

(2) انظر ديوانه في الموسوعة وقد أبقينا على اسمه كما اعتمدته نشرات الموسوعة السابقة (الأقرع بن معاذ)

(3) رقم الترجمة 62 ص572 

762م-
145هـ-