تحِيَّةُ ناء من شَذَى المسكِ أطيبُ
الأبيات 65
تحِيَّـةُ نـاء مـن شـَذَى المسـكِ أطيبُ ومـن قَطَـراتِ المـزْنِ أصـفَى وأعـذبُ
وتبريــحُ أشــواقٍ إذا مـا تَنفّسـَتْ يكــادُ لهــا فحـمُ الـدجَى يتلهَّـبُ
وقلــبٌ يضـيقُ الصـدرُ عـن نَبَضـاتِهِ فيخفِــقُ غيظــاً بالْجَنــاحِ ويَضـْرِبُ
تلفَّــتَ فـي الأضـلاعِ حَيْـرانَ يائسـاً وأنَّ كمـــا أنَّ الســجينُ المُعــذَّبُ
تعــاوِدُه الــذكْرَى فتنْكَــاُ جُرحَـه ويــا ربَّ جُـرْحٍ حـارَ فيـه المُطَبِّـبُ
ويخــدَعُه طَيْــفُ الخيـالِ إذا سـَرى فيبعَـــثُ آمــالَ الشــجيّ ويــذهَبُ
ومَــنْ أبصـرَ اليـامَ خَلْـفَ قِناعِهَـا رأى الـدَّهرَ يلهـو والأمـانيّ تكـذِبُ
عجــائبُ أحــداثٍ تليهــا عجــائبٌ وصـَبْري علـى تلـكَ العجـائب أعْجَـب
ولــولا حيـاةُ الـوَهْمِ أودَى بـأهله زمــانٌ بأشــواكِ الحقــائقِ مُخْصـِب
تَبَسـَّمْ إذا مـا الـدّهرُ قطّـبَ وجهـه وصــَفّقْ لــه فـي دورِه حيـنَ يلْعَـب
يموتُ الفتَى من قَبْلِ أنْ يعرِفَ الفتَى مـن الأمـرِ مـا يـأتي ومـا يتجنَّـب
وسـيان مـا يـدريه والشـَّعْرُ فـاحمٌ أثيـثٌ ومـا يَـدْريه والشـَّعْرُ أشـْيَبُ
وقـالوا حيـاةُ المـرءِ درسٌ فقهقهتْ صـُروفُ الليـالي والقَضـاءُ المُغَيِّـب
إذا مـا جهِلـتَ النفـسَ وهـي قريبةٌ فــأيُّ المعـاني بعـد نفسـِكَ أقْـرَب
حَنانـاً لقلـبي كيف طاحتْ به المنَى وعــزّ علــى الأيــامِ مــا يتطَلَّـبُ
يغــازِلُه فـي مطـرَحِ النسـْرِ مـأرَبٌ ويختِلُــهُ فـي مسـبَحِ الحـوت مـأرَبُ
يكــادُ إذا مــرَّ الحِجـازُ بـذكْرِهه وجِيرتُـــهُ مـــن صـــدرِه يتــوثّبُ
بلادٌ بهــا الرحمــنُ القـى ضـياءه علــى لابَتَيهــا والعــوالِمُ غَيْهَـبُ
تكـادُ إذا مـرَّتْ بهـا الشـمسُ غُدوةً حيــاءً بأهــدابِ الســحابِ تَنقَّــبُ
يجلِّلُهــا قُــدْسٌ مــن اللّـه سـابغٌ وينفَحُهَــا نَشــْرٌ مـن الْخُلـد طيِّـبُ
إذا نَســَبَ النــاسُ البلادَ رأيتَهـا إلـى جَنَّـة الفـردوس تُعْـزَى وتُنْسـَبُ
وإن نَضـــَبَتْ أنهارُهــا فَبحَســْبِهَا مـن الـدِّين نَهـر للهُـدَى ليس ينضُبُ
إذا مـا جرَى في الأرض فالجدب مُخْصبٌ وإنْ هـو جـافَى الأرضَ فالخِصـْبُ مجدبُ
يفيـضُ علـى الأقطـارِ يُمنـاً ورحمـةً ويــزأرُ فــي أُذْنِ العُتَـاةِ ويصـْخَب
تفجَّــرَ مــن نَبْــع النُبُـوَّة مـاؤُه لــه الحــقُّ وِرْدٌ والسـماحةُ مَشـْرب
ووحَّـدَ بيـن النـاس لا البُعـد مُبْعِدٌ عـن الساحةِ الكبرى ولا القُرْب مُقْربُ
فليــس لــدَى الإسـلامِ شـرقٌ ومَشـْرقٌ وليــس لــدى الإسـلامِ غَـرْبٌ ومَغْـرِبُ
هـمُ النـاسُ إخوانٌ سواءٌ على الهدى بطيـءُ المسـاعي والشـريفُ المهيَّـب
فمـا حَـطّ مـن قَـدْرِ الفَـزَاريّ فاقَةٌ ولا زاد فـي قـدْرِ ابـن أيهـم مَنْصِب
يجمِّعُهُــم قلــب عُلـى الحـقِّ واحـدٌ وإن فُرقـــتْ أوطــانُهم وتَشــَعّبُوا
إذا صـاح فـي جَيْجُـونَ يومـاً مُـؤَذِّنٌ أجــاب علــى التـاميز داعٍ مثَـوِّبُ
وإن ذَرَفَــتْ مـن جَفْـن دِجْلَـةَ دمْعَـةٌ رأيــتَ دمـوعَ النيـلِ حَيْـرَى تَصـَبَّبُ
وإن مـسَّ جُـرْحٌ مـن فِلَسـْطين إصـْبعاً شــكا حــاجِرٌ منــه وأنّ المحَصــَّبُ
بنفســي وليــداً فـي أباطـح مكـةٍ تــتيه بـه الـدنيا ويشـرُفُ يَعْـرُبُ
أطـلَّ عليهـا مثلمـا تبسـِمُ المنَـى ويسـطَعُ فـي الليـل الخُـدَاريِّ كوكَبُ
وكـان لهـا رمـزَ الحيـاة فأشـرقتْ كمــا هــز أفنـانَ الخمـائل صـَيِّبُ
وكــم مــدَّتِ الأعنـاقَ ترقُـبُ لمحـةً فطــال عليهــا صــبرُها والـترقُّبُ
تــوالت بهـا الأيـامُ تـذهَب أَحْقُـبٌ وتـأتي علـى اليـأس المـبرح أحْقُبُ
إلـى أنْ بـدا نـورُ الإلـه فـأقبلتْ عوالمهـــا تشــدو بطــه وتَطْــرَبُ
وليــدٌ لــه عُلْيَــا معــدّ ذُوابـةٌ جلالـــةُ أنســـابٍ ومجـــدٌ مُؤشــَّب
حـوته كمـا اعتـاد الأعـاريبُ جَفْنَةٌ وقـد ضـاق عـن آمـاله الفِيح سَبْسَب
يحيِّيــه مــن طَيْــفِ الملائِك مَـوْكِبٌ ويرعــاه مـن طَيْـفِ النـبينَ مَـوْكب
فهــل علــم الرومــانُ أنَّ مهـادَه قِــرابٌ بــه ماضـي الغـرارِ مُشـَطّب
وأنّ بـــه نفســاً يحطّــمُ دونهــا منيـعُ الصياصـي والحديـد المَـذرَّب
وأن بــه مــن صـَوْلةِ اللّـه جَحْفَلاً يَثُــل عُــروشَ القاســطينَ ويَســْلُب
لـه الكـونُ مَيْـدانٌ إذا سـلَّ سـيفَه وقــال لِفُرْسـانِ الملائِكـةِ اركبُـوا
يطيــرُ عِــداهُ منـه ذُعْـراً وخَشـْيةً وإنْ مَلأُوا الأرضَ الفضــاء وأجْلبُـوا
ومَــنْ لـم يُـؤَدِّبْهُ البيـانُ وهَـدْيُه فـإنَّ الحسـامَ العَضـبَ نعـمَ المؤَدِّبُ
فقـد أنـزلَ اللّـهُ الحديـدَ وبأسـَه لمـن سـَدّ أُذنَيْـهِ الهـوى والتعصـّبُ
وفــي صـَدْعَةِ الإيـوانِ إنـذارُ أمـةٍ بـأنَّ مـن الأشـياء مـا ليـس يُشـعَبُ
محمــد أنقــذتَ الخلائقَ بعــد مـا تنكَّبَــتِ الــدّنيا بهــم وتنكَّبـوا
وأطلقــتَ عقلاً كـان بـالأمس مُصـْفَداً فــدان لــه سـرُّ الوجـودِ المحجَّـبُ
وأرســـلتها مــن صــَيْحةٍ نبويَّــةٍ يَمُــور لهـا قَلْـبُ الجبـالِ ويُرْعَـبُ
إذا كـان صوتُ اللّهِ في صيحةِ الفَتى فــأيَّ عبــادِ اللّـهِ يخشـَى وَيرهَـبُ
وبلَّغْـــتَ آيـــاتٍ روائعُ لفظِهـــا مـن الصبحِ أهدَى أو من النجم أثْقبُ
كــأنّ ومــا تُغْنِــي كــأنّ فَخلِّهـا فــإنّ مــن التشــبيه مـا يتصـعَّبُ
ومـاذا يقـولُ الشـِّعْرُ فـي آيِ رحمةٍ لهــا اللّـه يُمْلِـي والملائكُ تكتُـبُ
خطبــتَ لنـا يـومَ الـوَداعِ مشـَرِّعاً وهـل لـكَ نِـدٌّ فـي الوَرى حين تخطب
فكشــَّفْتَ أســرارَ السياسـةِ مُـوجِزاً وجئتَ بمـا يَعْيَـا بـه اليـومَ مُسهبُ
وأمليــتَ دُســْتُوراً شـَقِينا بتَرْكِـه فَثُرنـا علـى الأيـام نشـكو ونعتـبُ
إليـكَ رسـولَ اللّـهِ طار بنا الهوَى وحُلُــو الأمـاني والرجـاءُ المحبَّـبُ
أفِضــْها علينــا نَفحــةً هاشــميةً تَلُــم شــتَاتَ المســلمينَ وتــرأبُ
وترجــعُ فيهــم مثـلَ سـعدٍ وخالـدٍ وترفَــعُ مـن رايـاتهم حيـنَ تُنصـَبُ
سنصــحو فقـد مـلَّ الطريـحُ وِسـَادَه وفـي نـورِك القدسـيِّ نسـعى ونـدأبُ
عليــكَ سـلامُ اللّـهِ مـا حَـنّ واجـدٌ وفــاخرتِ الــدّنيا بقــبركَ يَثْـرِبُ
علي الجارم
138 قصيدة
1 ديوان

علي بن صالح بن عبد الفتاح الجارم.

أديب مصري، من رجال التعليم له شعر ونظم كثير، ولد في رشيد، وتعلم في القاهرة وإنجلترة، واختير ليكون كبير مفتشي اللغة العربية بمصر.

ثم وكيلاً لدار العلوم حتى عام (1942)، مثل مصر في بعض المؤتمرات العلمية والثقافية، وكان من أعضاء المجمع اللغوي.

وتوفي بالقاهرة فجأة، وهو مصغ إلى أحد أبنائه يلقي قصيدة له في حفلة تأبين لمحمود فهمي النقراش.

له (ديوان الجارم-ط) أربعة أجزاء، (قصة العرب في إسبانيا - ط) ترجمة عن الإنكليزية.

و(فارس بن حمدان-ط)، (شاعر ملك-ط)، وقد شارك في تأليف كتب أدبية منها: (المجمل-ط)، و(المفصل-ط) وكتب مدرسية في النحو والتربية.

1949م-
1368هـ-