أَعَائِدٌ بِكِ يَا رَيْحَانَةُ الزَّمَنُ
الأبيات 51
أَعَــائِدٌ بِــكِ يَـا رَيْحَانَـةُ الزَّمَـنُ فَيَلْتَقِـي الْجَفْـنُ بَعْدَ الْبَيْنِ وَالْوَسَنُ
أَشــْتَاقُ رَجْعَــةَ أَيَّــامِي لِكَاظِمَــةٍ وَمَـا بِـيَ الـدَّارُ لَوْلا الأَهْلُ وَالسَّكَنُ
فَهَـلْ تَـرُدُّ اللَّيَـالِي بَعْـضَ مَا سَلَبَتْ أَمْ هَـلْ تَعُـودُ إِلَـى أَوْطَانِهَا الظُّعُنُ
أَهَنْــتُ لِلْحُــبِّ نَفْسـِي بَعْـدَ عِزَّتِهَـا وَأَيُّ ذِي عِــــزَّةٍ لِلْحُـــبِّ لا يَهِـــنُ
لَـوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْهَوَى سِرٌّ لَمَا ظَهَرَتْ بِـوَحْيِ قُـدْرَتِهِ فِـي الْعَـالَمِ الْفِتَـنُ
فَكَيْــفَ أَمْلِـكُ نَفْسـِي بَعْـدَمَا عَلِقَـتْ بِــيَ الصـَّبَابَةُ حَتَّـى شـَفَّنِي الْـوَهَنُ
لَـوْلا جَرِيـرَةُ عَيْنِـي مَـا سـَمَحْتُ بِهَا لِلـــدَّمْعِ تَســْفَحُهُ الأَطْلالُ وَالــدِّمَنُ
دَعَـتْ إِلَـى الغَـيِّ قَلْبِـي فَاسْتَبَدَّ بِهِ شــَوْقٌ تَوَلَّــدَ مِنْـهُ الْهَـمُّ وَالشـَّجَنُ
وَدُونَ مَـا تَبْتَغِيـهِ النَّفْـسُ مِـنْ أَرَبٍ بَيْـدَاءُ تَصـْهَلُ فِـي أَرْجَائِهَـا الْحُصُنُ
وَفِــي الأَكِلَّــةِ آرَامٌ تُطِيــفُ بِهَــا أُســْدٌ بَرَاثِنُهَــا الْخَطِّيَّــةُ اللُّـدُنُ
مِـنْ كُـلِّ حَوْرَاءَ مِثْلِ الظَبْيِ لَوْ نَظَرَتْ لِعَابِــدٍ لَشــَجَاهُ اللَّهْــوُ وَالـدَّدَنُ
فِـي نَشـْوَةِ الـرَّاحِ مِنْ أَلْحَاظِهَا أَثَرٌ وَفِــي الْجَـآذِرِ مِـنْ أَلْفَاظِهَـا غُنَـنُ
دَقَّــتْ وَجَلَّــتْ وَلانَــتْ وَهْـيَ قَاسـِيَةٌ كَــذَاكَ حَــدُّ الْمَوَاضــِي لَيِّـنٌ خَشـِنُ
طَـوَتْ بِهِـنَّ النَّـوَى عَنِّـي بُـدُورَ دُجَىً لا يَســْتَبِينُ لِعَيْنِــي بَعْــدَهَا سـَنَنُ
أَتْبَعْتُهُــمْ نَظَــرَاتٍ كُلَّمَــا بَلَغَــتْ أُخْـرَى الْحُمُـولِ ثَنَاهَـا مَـدْمَعٌ هُتُـنُ
يَــا رَاحِلِيـنَ وَفِـي أَحْـدَاجِهِمْ قَمَـرٌ يَكَــادُ يَعْبُــدُهُ مِـنْ حُسـْنِهِ الْـوَثَنُ
مُنُّــوا عَلَــيَّ بِوَصــْلٍ أَسـْتَعِيدُ بِـهِ مِـنْ مُهْجَتِـي رَمَقَـاً يَحْيَـا بِهِ الْبَدَنُ
أَوْ فَاسـْمَحُوا لِـي بِوَعْدٍ إِنْ وَنَتْ صِلَةٌ فَالْوَعْـدُ مِنْكُـمْ بِطِيـبِ الْعَيْشِ مُقْتَرِنُ
لَـمْ أَلْـقَ مِـنْ بَعْـدِكُمْ يَوْماً أُسَرُّ بِهِ كَــأَنَّ كُــلَّ ســُرُورٍ بَعْــدَكُمْ حَــزَنُ
يَـا جِيـرَةَ الْحَيِّ مَا لِي لا أَنَالُ بِكُمْ مَعُونَــةً وَبِكُـمْ فِـي النَّـاسِ يُعْتَـوَنُ
مَـاذَا عَلَيْكُـمْ وَأَنْتُـمْ أَهْـلُ بَـادِرَةٍ إِذَا تَرَنَّـــمَ فِيكُــمْ شــَاعِرٌ فَطِــنُ
أَفِـي السـَّوِيَّةِ أَنْ يَبْكِي الْحَمَامُ وَلا يَبْكِــي عَلَـى إِلْفِـهِ ذُو لَوْعَـةٍ ضـَمِنُ
يَـا حَبَّـذَا مِصـْرُ لَـوْ دَامَـتْ مَوَدَّتُهَا وَهَـلْ يَـدُومُ لِحَـيٍّ فِـي الْـوَرَى سـَكَنُ
تَـاللَّهِ مَـا فَارَقَتْهَا النَّفْسُ عَنْ مَلَلٍ وَإِنَّمَــا هِــيَ أَيَّــامٌ لَهَــا إِحَــنُ
فَلا يَســُرَّ عُــدَاتِي مَــا بُلِيـتُ بِـهِ فَسـَوْفَ يَفْنَـى وَيَبْقَـى ذِكْـرِيَ الْحَسـَنُ
ظَنُّــوا ابْتِعَـادِيَ إِغْفَـالاً لِمَنْقَبَتِـي وَذَاكَ عِــزٌّ لَهَـا لَـوْ أَنَّهُـمْ فَطَنُـوا
فَـإِنْ أَكُـنْ سـِرْتُ عَنْ أَهْلِي وَعَنْ وَطَنِي فَالنَّـاسُ أَهْلِـي وَكُـلُّ الأَرْضِ لِـي وَطَنُ
لا يَطْمِـسُ الْجَهْـلُ مَـا أَثْقَبْتُ مِنْ شَرَفٍ وَكَيْـفَ يَحْجُـبُ نُـورَ الْجَوْنَـةِ الـدَّخَنُ
قَـدْ يَرْفَعُ الْعِلْمُ أَقْوَامَاً وَإِنْ تَرِبُوا وَيَخْفِـضُ الْجَهْـلُ أَقْوَامـاً وَإِنْ خَزَنوا
فَــرُبَّ مَيْــتٍ لَــهُ مِـنْ فَضـْلِهِ نَسـَمٌ وَرُبَّ حَــيٍّ لَــهُ مِــنْ جَهْلِــهِ كَفَــنُ
فَلا تَغُرَّنْـــكَ أَشــْبَاهٌ تَمُــرُّ بِهَــا هَيْهَــاتَ مَــا كُـلُّ طِـرْفٍ سـَابِقٌ أَرِنُ
فَلا مَلامَ عَلَــى مَــا كَـانَ مِـنْ حَـدَثٍ فَكُلُّنَـــا بِيَــدِ الأَقْــدَارِ مُرْتَهَــنُ
لَـوْ كَـانَ لِلْمَـرْءِ حُكْـمٌ فِـي تَصـَرُّفِهِ لَعَـاشَ حُـرّاً وَلَـمْ تَعْلَـقْ بِـهِ الْمِحَنُ
وَأَيُّ حَــــيٍّ وَإِنْ طَـــالَتْ ســـَلامَتُهُ يَبْقَــى وَأَيُّ عَزِيــزٍ لَيْــسَ يُمْتَهَــنُ
كُــلُّ امْــرِئٍ غَــرَضٌ لِلـدَّهْرِ يَرْشـُقُهُ بِأَســْهُمٍ لا تَقِــي أَمْثَالَهَـا الْجُنَـنُ
فَلْيَشـْغَبِ الـدَّهْرُ أَوْ تَسـْكُنْ نَـوَافِرُهُ فَلَسـْت مِنْـهُ عَلَـى مَـا فَـاتَ أَحْتَـرِنُ
غَنِيـتُ عَمَّـا يُهِيـنُ النَّفْـسَ مِـنْ عَرَضٍ فَمَــا عَلَـيَّ لِحَـيٍّ فِـي الْـوَرَى مِنَـنُ
لَكِنَّنِــي بَيْــنَ قَــوْمٍ لا خَلاقَ لَهُــمْ إِنْ عَاقَدُوا غَدَرُوا أَوْ عَاشَرُوا دَهَنُوا
يُخْفُـونَ مِـنْ حَسـَدٍ مَـا فِـي نُفُوسـِهِمُ وَيُظْهِـرُونَ خِـدَاعَاً غَيْـرَ مَـا بَطَنُـوا
يَـا لَلْحُمَـاةِ أَمَا فِي النَّاسِ مِنْ رَجُلٍ وَارِي الضــَّمِيرِ لَـهُ عَقْـلٌ بِـهِ يَـزِنُ
أَكُـــلَّ خِـــلٍّ أَرَاهُ لا وَفَــاءَ لَــهُ وَكُــلَّ قَلْــبٍ عَلَــيَّ الْيَـوْمَ مُضـْطَغِنُ
تَغَيَّــرَ النَّــاسُ عَمَّـا كُنْـتُ أَعْهَـدُهُ فَـــالْيَوْمَ لا أَدَبٌ يُغْنِــي وَلا فِطَــنُ
فَــالْخَيْرُ مُنْقَبِــضٌ وَالشــَّرُّ مُنْبَسـِطٌ وَالْجَهْــلُ مُنْتَشــِرٌ وَالْعِلْـمُ مُنْـدَفِنُ
لَـمْ تَلْـقَ مِنْهُـمْ سـَلِيماً فِـي مَوَدَّتِهِ كَــأَنَّ كُــلَّ امْـرِئٍ فِـي قَلْبِـهِ دَخَـنُ
طَـوَاهُمُ الْغِـلُّ طَـيَّ الْقـدِّ وَانْتَشـَرَتْ بِالْغَــدْرِ بَيْنَهُـمُ الأَحْقَـادُ وَالـدِّمَنُ
فَلا صــَدِيقَ يُرَاعِــي غَيْــبَ صــَاحِبِهِ وَلا رَفِيــقَ عَلَــى الأَســْرَارِ يُـؤْتَمَنُ
بَلَــوْتُهُمْ فَسـَئِمْتُ الْعَيْـشَ وَانْصـَرَفَتْ نَفْسـِي عَـنِ النَّـاسِ حَتَّى لَيْسَ لِي شَجَنُ
فَـإِنْ يَكُـنْ فَـاتَنِي مَـا كُنْـتُ أَمْلُكُهُ فَالْبُعْـدُ عَنْهُـمْ لِمَـا أَتْلَفْتُـهُ ثَمَـنُ
كَفَـى بِحَـرْبِ النَّـوَى سـِلْماً نَجَوْتُ بِهِ وَرُبَّ مَخْشـــِيَّةٍ فِـــي طَيِّهَــا أَمَــنُ
لَعَــلَّ مُزْنَــةَ خَيْــرٍ تَســْتَهِلُّ عَلَـى رَوْضِ الأَمَـانِي فَيَحْيَـا الأَصـْلُ وَالْفَنَنُ
وَكُــلُّ شــَيءٍ لَــهُ بَــدْءٌ وَعَاقِبَــةٌ وَكَيْـفَ يَبْقَـى عَلَـى حِـدْثَانِهِ الزَّمَـنُ
محمود سامي البارودي
375 قصيدة
1 ديوان

محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري.

أول ناهض بالشعر العربي من كبوته، في العصر الحديث، وأحد القادة الشجعان، جركسي الأصل من سلالة المقام السيفي نوروز الأتابكي (أخي برسباي).

نسبته إلى ( إيتاي البارود)، بمصر، وكان لأحد أجداده في عهد الالتزام مولده ووفاته بمصر، تعلم بها في المدرسة الحربية.

ورحل إلى الأستانة فأتقن الفارسية والتركية، وله فيها قصائد دعاء إلى مصر فكان من قواد الحملتين المصريتين لمساعدة تركيا.

الأولى في ثورة كريد سنة1868، والثانية في الحرب الروسية سنة 1877، وتقلب في مناصب انتهت به إلى رئاسة النظار، واستقال.

ولما حدثت الثورة العرابية كان في صفوف الثائرين، ودخل الإنجليز القاهرة، فقبض عليه وسجن وحكم بإعدامه، ثم أبدل الحكم بالنفي إلى جزيرة سيلان.

حيث أقام سبعة عشر عاماً، أكثرها في كندا تعلم الإنجليزية في خلالها وترجم كتباً إلى العربية وكفَّ بصره وعفي عنه سنة 1317ه‍ فعاد إلى مصر.

أما شعره فيصح اتخاذه قاتحة للأسلوب العصري الراقي بعد إسفاف النظم زمناً غير معتبر.

له (ديوان شعر -ط)، جزآن منه، (ومختارات البارودي -ط) أربعة أجزاء.

1904م-
1322هـ-