لا السيفُ قَرَّ ولا المحارِبُ عادا
الأبيات 58
لا السـيفُ قَـرَّ ولا المحارِبُ عادا وَيْـحَ البشـيرِ بـأيِّ سـلْمٍ نـادى
الأرضُ مـن أجسـادِ من قُتِلوا بها تَجْنـي العـذابَ وتُنْبِـتُ الأحقادا
فـاض السـحابُ لها دَماً مذ شَيَّعت شـمسَ النهـارِ فخـالطتْهُ سـوادا
رأتِ الحِـدادَ بـه علـى أحيائها أتُراهمـو صـَبَغوا السماءَ حِدادا
ودَّ الطُّغــاةُ بكـلِّ مطلَـعِ كـوكبٍ لــو أطفـأوهُ وأسـقطوهُ رَمـادا
وتخوّفـوا وَمْـضَ الشَّهابِ إذا هوى وَبُــروقَ كــلِّ غمامــةٍ تتهـادى
ولو أنَّهم وَصَلوا السماءَ بعِلْمِهم ضـَرَبوا علـى آفاقهـا الأسـدادا
لـولا لوامِـعُ مـن نُهـىً وبصـائر تغــزو كُهوفـاً أو تَـؤُمُّ وهـادا
لـم يَـرْقَ عَقْـلٌ أو تَـرِقُّ سـريرةٌ وقضــى الوجـودُ ضـلالةً وفسـادا
راعَ الطُّغـاةَ شـُعاعُهُ فتسـاءلوا مَـنْ نَـصَّ هـذا الكـوكبَ الوقَّادا
إنْ تجهلـوا فسـلوا بـه آباءَكُم أيــامَ شــَعَّ عدالَــةً ورِغــادا
هــل أبصــروا حُريَّــةً إلَّا بــه أو شــيَّدوا لحضــارةٍ أوْتــادا
حَمَلَــتْ سـناهُ لهـم يَـدٌ عربيَّـةٌ تبنـي الشـعوبَ وتنسـجُ الآبـادا
هــي أُمَّـةٌ بـالأمس شـادتْ دولـةً لا تعــرفُ العِبْــدانَ والأسـيادا
جُرْتُــمْ عليهـا ظـالمين بعَـدِّكم وعدِيــدِكم تتخــايلون عَتَــادا
ومَنَعْتُمُوهـا مـن مـواهب أرضـِها مــاءً بـه تجـدُ الحيـاةَ وَزَادا
في المغرب الأقصى فتىً من نورِها قـدَحَتْ بـه كـفُّ السـماءِ زِنـادا
ســَلَّتهُ سـيفاً كـي يحـرِّرَ قـوْمَهُ ويُزِيـلَ عـن أوطـانِهِ اسـتعبادَا
مـا بـالُكم ضـِقْتُم بـه وحشَدْتُمُو مــن دونـه الأسـيافَ والأجنـادَا
أشـــعلتُمُوها ثـــورةً دمَوِيَّــةً لا تعرفــونَ لنارِهــا إخمــادَا
حـتى إذا أوْهَـى القتـالُ جِلادَكم ومضـــى أشـــدَّ بســالةً وجِلادَا
جئتــمْ إِليـهِ تُهـادِنونَ سـُيوفهُ وســيوفُهُ لــم تسـكُنِ الأغمـادَا
وكتبتمــو عهـداً بحـدِّ سـيوفكم مزَّقتُمُــوهُ ولــم يجِــفَّ مِـدَادَا
الأهـلُ أهْلُـك يـا أميرُ كما تَرَى والــدَّارُ دارُكَ قُبَّــةً وعِمَــادَا
أنّـى نَزَلْـت بمصـرَ أو جاراتِهـا جئتَ العُروبَــــةَ أُمَّـــةً وبلادَا
مَـدَّتْ يَـديْها واحتَوَتـكَ بصـدرها أُمٌّ يَضــــمُّ حنانُهــــا الأولادا
ولـو استطاعت رَدَّ ما استودَعْتَها ردَّتْ عليـــك المَهْــدَ والميلادا
وأتَتـكَ بالـذِّكر الخوالِـدِ طاقةً كأجَـلِّ مـا جمـعَ المحـبُّ وهـادى
مـاذا لقِيـتَ مـن الزمان بصخرةٍ قاســَيتَ فيهــا غُرْبـةً ووِحـادَا
وبَلَـوْتَ مـن صَلفِ الطُّغاةِ وعَسْفِهم فيهـا الليـالي والسنين شِدَادا
جعلـوا البحـارَ ومثلُهُنَّ جبالُها ســَدّاً عليــك وأوسـعوك بعـادا
دعْهُـم فـأنتَ سـَخِرْتَ مـن أحلامهم وأطرتُهُــنَّ مـع الريـاحِ بـدادا
عشـرين عامـاً قـد حَرمتَ عيونَهم غُمْـضَ الجفـونِ فمـا عَرفنَ رُقادا
يَتَلفَّتُـــون وراءَ كــلِّ جزيــرةٍ ويســائلون المــوجَ والأطـوادا
مــن أيِّ وادٍ موجــةٌ هتفَـتْ بـه ومضــى فحمَّلهـا السـلامَ وعـادا
لـو أنصـفوا قدرُوا بطولةَ فارسٍ لبلادِهِ بــدَم الحشاشــة جــادا
نـادَى بـأحرار الرجـال فقرَّبوا مُهجــاً تمـوتُ وراءَه استشـهادا
يـــدعو لحـــقٍّ أو لإِنســـانيَّةٍ تـأبى السـجونَ وتلعـنُ الأصفادا
شـيخَ الفوارِسِ حسبُ عيْنِك أن ترى هــذي الفتـوح وهـذه الأمجـادا
الرِّيــفُ هَــبَّ منـازلاً وقبـائلاً يـدعو فتـاهُ الباسـلَ الـذَّوَّادا
حَـنَّ الحسـامُ لقَبْضـَتَيْكَ وحَمْحَمَـتْ خيــلٌ تُقـرِّبُ مـن يـديك قِيـادا
وعلـى الصـَّحَارَى مـن صَداكَ مَلاحِمٌ تُشـْجي النُّسـورَ وتُطـرِبُ الآسـادا
أوحَتْ إلى العُرْبِ الحُداءَ وألهمتْ فُرسـانهم تحـت الـوغى الإِنشادا
عبدَ الكريم أنظُرْ حِيالك هل ترى إلَّا صـــراعاً قائمــاً وجهــادا
الشــرق أجمَعــهُ لــواءٌ واحـدٌ نَظَــمَ الصـفوفَ وهيَّـأ القُـوَّادا
لـم يـتركِ السيفُ الجوابَ لسائلٍ أو يَنْــسَ مــن مُـترقِّبٍ ميعـادا
سـالت حلوقُ الهاتفين دماًن وما هـزُّوا لطاغيـةِ الشـعوب وِسـادا
فصـُغِ البيـانَ بِـهِ وأَنْطِـقْ حَـدّهُ يَســْمَعْ إِليــكَ مكـرَّراً ومُعـادا
كَـذَبَتْ مـودَّاتُ الشـِّفاه ولم أجدْ رغـم العـداوة كالسـيوف وِدادا
لهجَـتْ قلـوبٌ بالـذي صـَنَعَتْ يـدٌ شــَدَّتْ لجُـرْح المسـلمين ضـِمادا
حَملَــتْ نَـدَى مَلِـكٍ ونخـوة أُمَّـةٍ صــانت بهــا شـرفاً أَشـمَّ تِلادا
وحَمَــتْ عزيــزاً لا يقِـرُّ وأَمّنـت حُـرّاً يقاسـي الجـورَ والإِبعـادا
فـادٍ مـن الغُـرِّ الكُمـاةِ مجاهدٌ تتنـــازعُ الآلامُ منــه فــؤادا
جـارت عليـه الحـربُ ثـم تعقَّبَتْ فـي السـّلْمِ تحـت جَناحِهِ أكبادا
زُغْـبٌ صـِغارٌ مثـل أفـراخ القَطَا وحــرائرٌ بِتـنَ السـنين سـُهادا
هـو مـن رواسـي المجـد إِلا أنه عَصـَفَ الزمـانُ بجـانِبَيْهِ فمـادا
رَجُــلٌ رأى شــرّاً ففـادى قـوْمَهُ وأحـــسّ عاديَـــةً فهــبّ ورادى
ظلمــوا هــواهُ إذْ أحــبّ بلادَهُ مـا كـان ذنبـاً أنْ أَحـبّ ففادى
علي محمود طه
155 قصيدة
1 ديوان

علي محمود طه المهندس.

شاعر مصري كثير النظم، ولد بالمنصورة، وتخرج بمدرسة الهندسة التطبيقية، وخدم في الأعمال الحكومية إلى أن كان وكيلاً لدار الكتب المصرية وتوفي بالقاهرة ودفن بالمنصورة.

له دواوين شعرية، طبع منها (الملّاح التائه)، (وليالي الملاح التائه) و(أرواح شاردة) و(أرواح وأشباه) و(زهر وخمر) و(شرق وغرب) و(الشوق المائد) و(أغنية الرياح الأربع) وهو صاحب (الجندول) أغنية كانت من أسباب شهرته.

1949م-
1369هـ-