إسمعي أيَّتُها الروحُ أفي الكون غِناءُ
الأبيات 57
إسمعي أيَّتُها الروحُ أفي الكون غِناءُ
وانظري هل في نواحي الأرض بالليل ضياءُ
لا تُرَاعي أنْ يكنْ قصَّرَ عنكِ البُشراءُ
فالنواقيس التي حيَّتكِ أشجاها القضاءُ
الشَّجَى رَجْعُ صداها والأسى والبُرحاءُ
والتراتيلُ من البيعَة نوحٌ وبكاءُ
ردَّدتهنَّ الثكالى واليتامى الشهداءُ
والمصابيحُ التي كان بها يُزهى المساءُ
خنقتْها قبضةُ الشرِّ فما فيها ذَماءُ
صبغوها بسوادٍ فهيَ والليلُ سواءُ
مأتمٌ للنور قام الويلُ فيه والشقاءُ
تحت ليلٍ ما له بدءٌ ولا منهُ انتهاءُ
أيها المبعوث لا ضنَّتْ برُجعاكَ السماءُ
أُنظرِ الأرضَ فهل في الأرض حُبٌّ وإخاءُ
نسِيَ القومُ وصاياكَ وضلُّوا وأساءوا
وكما باعوكَ يا منقذُ بِيعَ الأبرياءُ
ليلةَ الميلاد والدنيا دموعٌ ودماءُ
في ربوعٍ كانَ فيها لكِ بالسلم ازدهاءُ
باسمه يشدو المغنُّون ويشدو الشُّعراءُ
أين ولَّتْ هذه الفرحةُ أم أين الصَّفاءُ
لم تصافحكِ من الأطفال أحلامٌ وِضاءُ
رقدوا غيرَ عيونٍ رِيعَ منهنَّ الفضاءُ
ترقب الآباءَ هلْ عادوا وهل حان اللقاءُ
بين أيدي أُمهاتٍ بِتنَ والليل جفاءُ
في طوايا النفس يبكين وقد عزَّ الرجاءُ
ويحهم أين تُراهم هؤلاء الأشقياءُ
هم وراء الليل أجسادٌ وأرواحٌ هباءُ
ووجوهٌ رسَمَ الرعبُ عليها ما يشاءُ
خندقوا في مأزقِ الموتِ وما منهُ نجاءُ
بين موجٍ من سعيرٍ يتوقَّاه الفناءُ
وجبالٍ من رُكام الثلج يُرسيها الشتاءُ
وحديدٍ طائرٍ يحذر مسراه الهواءُ
وعجيبٌ فيمَ للموت يُساق التعساءُ
في سبيل الخبز والخبز اكتسابٌ ورضاءُ
في سبيل الحقِّ والحقُّ لدى القوم طلاءُ
في سبيل المجد والمجدُ من البغي براءُ
أو في المجزرة الكبرى تنالُ المجدَ شاءُ
كذب الباغي وللسيف بكفَّيه مَضاءُ
وخداعٌ كلُّ ما قال وزورٌ وافتراءُ
أيها الشرق الذي خصَّته بالرُّوح السماءُ
هذه الروح التي شيدَ بكفَّيها البناءُ
والتي من نورها العالم يُجْلى ويُضاءُ
يا أبا الحكمة لا هانَ عليك الحكماءُ
نادِ أوربا فقد ينفعها منك النداءُ
حانتِ الساعةُ يا أختاهُ أم حقَّ الجزاءُ
دِنتِ بالقوَّة حتى صَرَعَتكِ الكبرياءُ
أرقصي في النَّار أنتِ اليوم للنار غذاءُ
واشربي في حانة الشيطان ما فاض الإناءُ
حانةٌ للموتِ فيها من دَمِ القتلى انتشاءُ
نادِمي مَن شئتِ فيها فالمنايا الندماءُ
وارفعي الكأس وغنّي وعلى الدنيا العفاءُ
يا قوياً لم يَهُنْ يوماً عليه الضعفاءُ
وضعيفاً واسمه يفزعُ منه الأقوياءُ
وأنا المسلمُ لا يجحَدُ عندي الأنبياءُ
أنتَ في القرآن حُبٌّ وجمالٌ ونقاءُ
عَجبٌ فِديتُك المُثلى وفي القول عزاءُ
ألهذا العالَمِ الشرِّير قد ضاع الفداءُ
علي محمود طه
155 قصيدة
1 ديوان

علي محمود طه المهندس.

شاعر مصري كثير النظم، ولد بالمنصورة، وتخرج بمدرسة الهندسة التطبيقية، وخدم في الأعمال الحكومية إلى أن كان وكيلاً لدار الكتب المصرية وتوفي بالقاهرة ودفن بالمنصورة.

له دواوين شعرية، طبع منها (الملّاح التائه)، (وليالي الملاح التائه) و(أرواح شاردة) و(أرواح وأشباه) و(زهر وخمر) و(شرق وغرب) و(الشوق المائد) و(أغنية الرياح الأربع) وهو صاحب (الجندول) أغنية كانت من أسباب شهرته.

1949م-
1369هـ-