تَذكَّرتُ ليلَى وَالمَدامِعُ تُسكَبُ
الأبيات 82
تَـــذكَّرتُ ليلَــى وَالمَــدامِعُ تُســكَبُ وَتِـــذكارُها لِلصــبِّ يَحلــو ويَعــذبُ
أُجــنُّ بِهــا إِنْ جَــنّ لَيــلٌ وكلّمــا بَـدا كَـوكَبٌ أَو غـابَ فـي الغَربِ كَوكبُ
وَتُلهِــبُ أَحشــائي المَذوبَـة بِـالجَوى وَتَخفِــقُ روحــي وَالشــّرايينُ تضــربُ
فَـــأِنّي لِقلـــبي أَن يُبَــلَّ غَليلُــه وَفيــه لَظَـى الأشـواقِ بِالوَجْـدِ تثقـبُ
وَأَنّــى يَصــحُّ الجســمُ وَهـوَ عَليلُهـا وَأَيــن نَعيــمُ القَلــبِ وَهــوَ يعـذِّبُ
وَمـا هـيَ إِلّا الشـّمسُ لَـو أَنّهـا بَـدَت لَكــانَت شــُموسُ الأُفـقِ تَخفَـى وتغـرُبُ
وَكُـلُّ جَميـلٍ فـي الأَماسـي هـوَ اِسـمُها وَتَحــوي مِـن الأَوصـافِ مـا هـوَ أَطيـبُ
فَـإِن شـِئتَ قُـل ليلـى وَإِن شـِئتَ عَبلةٌ وَإِن شـِئتَ قُـل سـعدَى وَإِن شـِئتَ زينـبُ
تَميــلُ كَغُصــنِ الـرّوضِ والغُصـنُ لَيّـنٌ وَتبســَمُ مثـلَ الـرّوضِ وَالـرّوضُ مخصـبُ
وَتَرنــو بِطـرْفٍ يَأسـِر الأُسـْدَ وَالمَهـا وَمــا هــوَ إِلّا ذو الفقــارِ المجـرّبُ
تُراســِل قَلــبي فــي سـِهامِ جُفونِهـا وَتَرقُـــم بِالهِنـــديِّ فيــهِ وَتكتــبُ
وَمِــن حَبَّــةِ القَلـبِ الكَئيـبِ تَنَقَّشـت وَمــن دَمِــهِ القــاني غَــدَت تَتَخضـّبُ
وَإِنْ أَخَــذَت قَلــبي وَإِنّــي رقيقُهــا فــذاكَ لهــا ملــكٌ ولـم تـكُ تغصـبُ
وَإِنّ اِنشـِعارَ القلـبِ بِـالهَجرِ وَالجَفا وَضــــَبَّته وَصــــلٌ كَـــذاكَ تقـــرُّبُ
فَـــذاكَ إِنـــاءٌ لِلمَحبَّــةِ وَالهَــوى وَكُــــلُّ إِنـــاءٍ لِاِنشـــعارٍ يُضـــبَّبُ
وَكُـلُّ الّـذي تَقضـي مِـنَ الصـدِّ وَالجَفا فَعِنـــديَ ســـَهلٌ وَالتباعــدُ يَصــعُبُ
تَصـــابيت حَمْلاً ثـــمّ طفلاً وأَشـــيباً وحسـنُ التصـابي حيثمـا المـرءُ أشيبُ
وَإِنّ التّصــابي مِــن ذَوي الشـّيبِ لائِقٌ وَمــا هــوَ أَولــى بِالشـّبابِ وَأَنسـبُ
فَيــا أَيّهــا اللّاحـي بِمـاذا تَخلُّصـي مِـنَ العِشـقِ بَـل فيـمَ التَخلُّـص يُكسـَبُ
وَقَـد كنـتُ عـالَجتُ الفُؤادَ عَلى الهَوى لِيَخلَعَـــهُ تَركـــاً يَليــهِ التّجنُّــبُ
فَحـــارَبتُهُ عامـــاً بِجَيــشٍ عَرمــرَمٍ مِـنَ العَـزمِ وَالتَّصميمُ في الحَربِ يُرغَبُ
فَكــانَ لَـهُ التّأييـد فـي كُـلِّ مَـوطِنٍ وَكـــانَ لَــهُ حقّــاً عَلــيَّ التغلّــبُ
فَــأيُّ فَــتىً يَبغــي مُحارَبـةَ الهـوَى وَإِنَّ الهَــوى يَقــوى عَلَيــهِ ويُغلَــبُ
وَكُـلُّ فـتىً يَخلـو مِـنَ العِشـقِ وَالهَوى فَـذاكَ بَهيـمٌ لَيـسَ فـي النَّـاسِ يُحسـَبُ
وَإِنّــي اِمــرُؤٌ مِــن حـبَّ لَيلايَ منشـأٌ نَعيمــي بِــهِ لَــو كنـت فيـهِ أعـذَّبُ
كَتَمـــتُ هَواهــا والنُحــولُ يُــذيعُه وَتَشــهدُ عَينـي حينَمـا الـدّمعُ يسـكبُ
وَقَـد قيـلَ لـي أَظهِـرْ هَواهـا وَبُح بِهِ فَقُلــتُ اِســكُتوا إِنّ العَــذول يكـذِّبُ
وَكُمَّـلُ أَهـلِ العِشـقِ مَـن كَتَموا الهوَى وَقَـد حَيَّـروا العُـذّالَ فيـهِ وأَتعبـوا
رَأَت مُقلَـتي شـامَت مِـنَ الشـَّمسِ نَظـرةً فَحــالاً بَــدت تَغتــاظُ منّــي وَتغضـبُ
وَقَـد سـَربَلَتني فـي قُيـودٍ مِـنَ الجَفا وَقــالَت تَأَمَّــلْ مــا عَلَيــكَ يرتّــبُ
وَقَــد أَرســلَتْ بـي نَحـوَ قـاضٍ مفخّـمٍ لَـهُ فـي عُلـومِ العِشـقِ وَالحـبِّ مـذهَبُ
فَقـــالَت لَــهُ هَــذا بِحبّــيَ محصــَنٌ وَقَــد شــامَ غَيــري فَهـوَ زانٍ يعـذَّبُ
فَـأَثْبِتْ عَلَيـهِ الرجـمَ بِالصـدِّ وَالجَفا وَمِـن بَعـدِ ذا رَأيـي عَلى الجذعِ يُصلَبُ
فَقــالَ لَهــا ســَمعاً لِمـا تَـأمُرينَهُ فَـإِنْ شـِئت ضـَربَ السـَّيفِ بِالسَّيفِ أَضربُ
فَجَــرَّدَ ســَيفاً يَخطِــفُ الـرُّوحَ لَمعُـهُ وَمِـن حَـدِّهِ الماضـي أَرى الحَتـفَ يقرُبُ
فَـأَوقَعَهُ فـي الجِسـمِ وَالـروحِ وَالحَشا وَقــالَ عَلــى هَــذا يَحــقُّ التغــرُّبُ
فَغَرَّبَنــي مِــن بَعــدِ مَـوتي وَقِتلَـتي وَقــالَ الَّــذي يَجنــي بِهــذا يـؤدَّبُ
تَعجَّبــتُ مِنــهُ كَيــفَ فـي ذاكَ حـدَّني وَعــاملَني كَــالحرّ مِــن حَيـثُ يـذنبُ
أَلَـم يَـدرِ أَنّي عَبدُها الحرُّ في الهَوى وَلَيـــسَ بِــذا حَــدّي وَلَســتُ أغــرّبُ
وَلَكـن بِشـرعِ العِشـقِ مـا كـانَ مُخطئاً وَلا عَــن طَريــقِ الحــقِّ فيــهِ تجنـبُ
فَــذلِكَ فــي فَصــلِ الحُكومَــةِ عـادلٌ وَلَســـت لَــهُ مِمّــن يَلــومُ ويعتــبُ
فَيمنــاهُ لا شــُلَّت ولا فُــضَّ فـوهُ بَـل وَلا عــاشَ مَــن يَجفــوهُ جَهلاً ويثلِــبُ
فَقُـم يـا نَـديمي نَدخُلِ الرّوضَ وَالرُّبى وَنَرتَــعُ فــي ظــلِّ الغَــرامِ وَنَلعـبُ
وَنشـطحُ عِنـدَ الزّهـرِ بِالوجـدِ والهوَى صـــَباحاً وَأَذيــالَ الخَلاعَــةِ نَســحَبُ
وَكَــرِّرْ حَــديثاً مِــن هَواهــا فَـإِنَّهُ عَلــى صــَفحَةِ القَلـبِ المُـتيَّمِ يكتـبُ
وَهــاتِ كُؤوســاً مِــن لُجَيــنٍ وَعَسـجَدٍ تَكـــادُ بِأَبصـــارِ المُــولَّهِ تَــذهَبُ
وَصــُبَّ بِهــا خَمــراً وَإِيّــاكَ مَزجُهـا بِغَيــرِ لَمــى لَيلــى لَعلِّــي أَشــربُ
وَهــاتِ ســَلاماً يُنعِـشُ الـروحَ نَفحُهـا وَتجــبي إِلَيهـا العقـلَ مِنّـا وَتجلـبُ
وَســَمِّ عَلَيهــا بِاِسـمِ لَيلَـى وَذِكرِهـا فَعِنــدَ اِســمِها طيــبٌ لِخَمــرك طيّـبُ
وَمِـن بَعدِ ذا فَاِسمَع أَخا الودّ وَالوفا بَلاغَـــةَ ذي مَـــدحٍ يـــبين ويُعــربُ
أُشـــنِّف بِالتمــداحِ أَســماعَ ســامعٍ فَيبهجُـــه مَـــدحي ســُروراً ويطــربُ
وَإِنّـــيَ مُثـــنٍ حامِــدٌ ثــمَّ شــاكِرٌ مَزايــا كَريــمٍ مَــدحُهُ لــيَ مَــذهَبُ
إِمـــامٌ بِمِحـــرابِ العلــومِ مُقــدَّمٌ يَــؤمُّ مُلــوكَ الفضــلِ حَيـثُ تكتَّبـوا
خَطيــبٌ لَــهُ ذَلَّــت خُضــوعاً مَصــاقِعٌ عَلـى مِنبَـرِ التبيـانِ إِذْ قـامَ يَخطـبُ
بَليـــغٌ لَــدَيهِ ذو البَلاغَــةِ مفحَــمٌ وَيخـــرَس ســـَحبانٌ وقـــسٌّ ويعـــرُبُ
كَريــمٌ عَلــى حُسـنِ المَكـارِمِ يَنطَـوي شــَريفٌ عَلــى كَســبِ المَحامِـدِ يـدأبُ
هـوَ الجَـوهَرُ الفـردُ المَصونُ عَنِ الّذي يُمـــاثلُه وهــوَ الطّــرازُ المــذهَّبُ
هوَ العالِمُ النحريرُ ذو الفَضلِ والتّقى هـوَ الجَهبَـذُ النّـدْبُ الهُمـامُ المهذّبُ
هــوَ الأسـَدُ المِقـدامُ فـي كـلِّ مُشـكلٍ هـوَ السـيّدُ الشـَّهمُ اللَّطيـفُ المـؤدّبُ
هُـوَ العـالَم العلويّ يَرقى إِلى العُلا وَفـي مَركَـزِ السـفلي أَرى الغير يرسُبُ
لَـهُ الرايـةُ البيضاءُ في مَوكِبِ العُلى علــى عَلَــم التّفخيــمِ لا شـكّ تُنصـبُ
لَــهُ السـَّعدُ بُـرجٌ وَالمَعـالي مَنـازِلٌ لَــهُ العــزُّ جــاهٌ وَالمَهابَـةُ منصـبُ
لَـهُ الشـّرفُ الأَعلـى لَـهُ النَسبُ العُلى لَــهُ الحَسـَبُ الأَغلـى النقـيُّ المرجِّـبُ
لَــهُ الحِلــمُ طَبـعٌ وَاللَّطافَـةُ ديـدنٌ لَــهُ الصــّفحُ شـَأنٌ وَالبشاشـَةُ مشـربُ
لَــهُ الحِــذْقُ وَصـفٌ وَالبَراعـةُ شـيمَةٌ لَــهُ الفَضــلُ قَصـدٌ وَالمَعـارِفُ مطلَـبُ
تَــرَدّى بِحُسـنِ الخُلـقِ مِـن حَيـثُ أَنّـهُ تَحَلّـى بِحُسـنِ الخَلْـق مِـن حَيـثُ يعـذبُ
ســـَقَى جِلَّقــاً صــَوبٌ بِغَيــرِ مَضــرَّةٍ مِـنَ المُـزْنِ سـَهلُ الوَقـعِ كَالطـلِّ صَيِّبُ
فَتِلـكَ سـَماءُ السـعدِ قَـد أَظهَـرت لَنا مِـنَ المَجـدِ بَدراً لَيسَ في الدَّهرِ يغرُبُ
وَتــاهَت بِــهِ عِــزّاً عَلـى كُـلِّ بَلـدَةٍ وَحـازَت بِـهِ مَجـداً لَـهُ الفَخـرُ يصـحبُ
تَطــاوَلت فــي مَــدحي جَميـلَ صـِفاتِهِ وَإِنّــيَ فــي التمــداحِ لا شــَكّ أرزبُ
فَيـا أَيّهـا المَـولى الَّـذي أَنا عَبدُهُ وَمَــنْ أَنــا فــي نعمــائِهِ أَتَقلّــبُ
وَمَــنْ شــُكرُهُ أَضــحى عَلَــيَّ مُحتَّمــاً وتمـــداحُهُ عِنـــدي يُســـَنُّ ويُنْــدَبُ
وَحَمـــدي لَـــهُ فَــرضٌ علــيَّ مؤكَّــدٌ وَذِكـــري لَـــهُ وِردٌ علـــيَّ مرتَّـــبُ
يَتيمَــــةُ درٍّ لا ســــِواكَ لَهـــا أبٌ أَتَتــكَ بِجَــدٍّ إِذ غَــدَت فيــك ترغـبُ
لَقَـد بَـرَزت شَمسـاً مِـنَ الخِدر والخِبا وَكــانَ لَهــا فـي شـَرقِ فِكـري تحجـبُ
وَإِنَّــــكَ إِذ أصــــدقتَها بِقَصـــيدةٍ أَتَتــكَ عَلــى اِسـتِحيائِها لَـكَ تخطَـبُ
إِلَيــكَ لَقَــد زفَّــت عَروســاً جَميلـةً تَــتيهُ عَلــى الأَمثـالِ فَخـراً وتُعْجَـبُ
وَرُبَّ عَـــذولٍ رامَ عَيبـــاً يُشـــينُها فَيـــذكره فيهــا اِفــتراءً وَيَكــذبُ
فَـأَعرِضْ رَعـاكَ اللَّـهُ عَـن لَحـظِ عَيبِها فَمِثلُــــكَ ســـَتّارٌ وَلَيـــسَ يُعيِّـــبُ
ودُمْ فـي سـرورٍ بالهنـاءِ مـع الصـَفا مَـدَى الـدّهرِ مـا قد لاحَ أو غابَ كوكَبُ
وَحَيـثُ اِبـنُ فَتـحِ اللَّـهِ أَضـحى بِشِعرِهِ بِمَــدحِكَ يــا مَــولايَ أرَّخــتُ يُغــرِبُ
وَمــا قَــد غَــدا صـبٌّ يَقـولُ لِوَجـدِهِ تَـــذَكَّرت لَيلــى وَالمَــدامِعُ تُســكَبُ
المفتي فتح الله
1297 قصيدة
1 ديوان

عبد اللطيف بن علي فتح الله.

أديب من أهل بيروت، تولى القضاء والإفتاء.

له نظم جيد في (ديوان -ط) و(مقامات -خ)، و(مجموعة شعرية -خ) بخطه، ألقاها في صباه سنة 1200ه‍في خزانة الرباط 1745 كتاني.

1844م-
1260هـ-