شَكوايَ أم نجوايَ في هذا الدُّجى

( الشكوى وجواب الشكوى ): 

وهي القطعة رقم 104 في الترجمة النثرية المنشورة في الموسوعة

( الشكوى / حديث الروح): 

الأبيات 119
شــَكوايَ أم نجـوايَ فـي هـذا الـدُّجى ونجـــومُ ليلــي حُســَّدي أمْ عُــوَّدِي
أمســيتُ فــي الماضـي أعيـشُ كأنمـا قطَـعَ الزمـانُ طريـقَ أمسـِي عـن غَدِي
والطَّيـــرُ صــادحةٌ علــى أفنانِهــا تبكــي الرُّبــى بأنينهـا المتجـدِّدِ
قــد طــالَ تســهيدِي وطـالَ نشـيدُها ومـدامِعي كالطَّـل فـي الغُصـنِ الندي
فــإلى مــتى صــمتي كــأنِّي زهــرةٌ خرسـاءُ لـم تُـرزقْ براعـةُ مُنشـدِ .
قِيثَــــارتي مُلئتْ بأنَّـــات الجـــوى لا بُـــدَّ للمكبـــوتِ مـــن فيضـــانِ
صــَعدتْ إلــى شــَفَتي بلابــلُ مُهجـتي ليَبِيـــنَ عنهــا منطقــي ولســاني
أنــا مـا تعـدَّيت القناعـةَ والرِّضـا لكنمــــا هـــي قصـــةُ الأشـــجانِ
أشــكو وفــي فَمــي التُّـرابُ وإنَّمـا أشـــكو مُصـــابَ الــدِّينِ للــدَّيَّانِ
يشــكو لــكَ اللهــمَّ قلـبٌ لـم يَعِـشْ إلَّا لحمـــدِ عُلاكَ فـــي الأكـــوانِ .
قـد كـانَ هـذا الكـونُ قبـل وُجودنـا روضـــاً وأزهـــاراً بغيــر شــميمِ
والـوردُ فـي الأكمـامِ مجهـولُ الشـَّذا لا يُرتجــــى وردٌ بغيــــرِ نَســــيمِ
بــلْ كــانتِ الأيَّــامُ قبــل وجودنـا ليلاً لظالمِهــــــا وللمظلــــــومِ
لمَّـــا أطــلَّ مُحمَّــدٌ زَكَــتِ الرُّبــى واخضــرَّ فــي البســتانِ كـلُّ هشـيمِ
وأذاعــت الفــردوسُ مكنــون الشــَّذا فــإذا الــورى فـي نُضـرةٍ ونعيـمِ .
مـن كـان يَهتِـفُ باسـم ذاتـكَ قبلنَـا مــن كـانَ يـدعو الواحـدَ القهـارا
عبَــدوا تماثيــلَ الصــخورِ وقدَّسـوا مـــن دُونـــكَ الأحجــارَ والأشــجارا
عبَــدوا الكــواكبَ والنجـومَ جهالـةً لــم يبلغُــوا مـن هـديها أنـوارا
هــلْ أعلَــنَ التوحيــدَ داعٍ قبَلنَــا وهَــدَى الشــُّعوبَ إليــكَ والأنظـارا
كُنَّـــا نقـــدِّم للســـُّيوفِ صــُدورَنا لــم نَخــشَ يومــاً غاشـِماً جبَّـارا .
قـد كـانَ فـي اليونـانِ فلسفةٌ وفي ال رُّومانِ مدرسةٌ وكان المُلْكُ في ساسانِ
لــم تغــنِ عنهــم قــوةٌ أو ثــروةٌ فـي المـالِ أو فـي العلمِ والعِرفانِ
وبكـــــلِّ أرضٍ ســـــامريٌ مـــــاكرٌ يكفــي اليهــودَ مؤونــةَ الشـَّيطانِ
والحكمـــةُ الأُولـــى جَـــرَتْ وثنيــةً فـي الصـِّينِ أو فـي الهندِ أو طُورانِ
نحــنُ الَّــذين بنُـورِ وحيِـكَ أوضـحُوا نَهْــجَ الهُــدى ومَعَــالم الإيمـانِ .
مـن ذا الـذي رفـعَ السـُّيوف ليرفع اسْ مــكَ فــوق هامـاتِ النًّجـومِ منـارَا
كنَّــا جبــالاً فــي الجِبــاَلِ وربَّمـا ســِرْنَا علــى مَـوجِ البحـارِ بِحـارَا
بمعابـــدِ الإفرَنْــجِ كــان أذانُنــا قبــلَ الكتــائبِ يفتــحُ الأمْصــارَا
لــمْ تنــسَ إفريقيَّــة ولا صــحراؤها ســـَجَداتِنا والأرضُ تَقـــذِفُ نـــارَا
وكـــأنَّ ظِــلَّ الســَّيف ظِــلُّ حديقــةٍ خضــراءَ تنبــتُ حولنــا الأزهـارَا
لــم نخــشَ طاغوتــاً يحارِبُنـا ولـو نَصــَبَ المنايــا حَولنــا أســوارَا
نــدعو جِهــاراً لا إلــه سـِوى الَّـذي صـــنعَ الوجــودَ وقــدَّر الأقــدارَا
ورؤوســـُنا يـــا ربِّ فــوقَ أكفّنــا نرجـــو ثوابــكَ مغنمــاً وجِــوارَا
كُنَّـــا نـــرى الأصــنامَ مــن ذهــبٍ فَنَهــدمها ونهــدِمُ فوقهـا الكفَّـارا
لــو كــانَ غيـر المسـلمين لحَازَهَـا كنــزاً وصـاغَ الحِلْـيَ والـدِّينارا .
كــم زُلـزلَ الصـَّخرُ الأشـمُّ فمـا وهَـى مـــن بأســـِنا عـــزمٌ ولا إيمــانُ
لـــو أنَّ آســـادَ العريــنِ تفرَّغــتْ لــمْ يَلــقَ غيـر ثَباتِنـا الميـدانُ
وكــأنَّ نيــران المــدافعِ فــي صـُدُوْ رِ المـــؤمنينَ الــرُّوحُ والريحــانُ
توحيـــدُك الأعلـــى جَعَلْنَــا نَقْشــَه نُـــوراً يُضـــيءُ بصـــُبحِهِ الأزمــانُ
فَغَــدَتْ صــُدُورُ المــؤمنينَ مصــَاحِفاً فـي الكـونِ مسـطوراً بِهـا القرآنُ .
مــن غيرنــا هـدَمَ التماثيـلَ الَّـتي كـــانتْ تُقدِّســُها جَهَــالاتُ الــورَى
حتَّــى هَــوَت صــُوَرُ المعابــدِ ســُجَّداً لِجَلَالِ مَــنْ خَلــقَ الوجــودَ وصــوَّرَا
ومَــنِ الأُلَــى حَمَلُــوا بعـزمِ أكفِّهـمْ بـابَ المدينـةِ يـومَ غـزوةِ خَيـبرَا
أمَّــن رَمــى نــارَ المجــوسِ فـأطفِئَت وأبــانَ وجــه َالحـقّ أبلـجَ نيِّـرَا
ومــنِ الــذي بــذلَ الحيـاةَ رخيصـةً ورأى رِضـــَاكَ أعــزَّ شــيءٍ فاشــترَى
نحــنُ الَّــذينَ اســتيقظتْ بــأذانهم دُنيـا الخليقـةِ مـن تهاويـلِ الكَرَى
نحـــنُ الَّــذينَ إذا دُعــوا لصــلاتهم والحــربُ تســقي الأرض جامـاً أحمـرَا
جعلـوا الوجـوهَ إلـى الحجـازِ وكبَّروا فــي مســمعِ الـرُّوح الأَميـنِ فكبَّـرَا
محمــودُ مثــلُ إيــاز قــامَ كلاهمـا لــكَ بالخُشــُوعِ مصــلِّياً مُسـتَغْفِرَا
والعبـدُ والمـولَى علـى قَـدَمِ التُّقـى سـجدا لوجهِـكَ خاشـعينَ على الثَّرَى .
بلَغَـــتْ نهايـــةَ كــلِّ أرضٍ خَيلُنــا وكـــأنَّ أبحُرَهـــا رمــالُ البيــدِ
فــي محفــلِ الأكــوانِ كــان هلالُنـا بالنَّصـــر أوضــحَ مــن هلالِ العِيــدِ
فـــي كــلِّ موقعــةٍ رفعنــا رايــةً للمجـــدِ تُعْلِـــنُ آيــةَ التَّوحيــدِ
أمَـمُ البرايـا لـم تكـنْ مـن قبلنـا إلا عبيـــداً فـــي إســـارِ عبيــدِ
بَلَغَـــتْ بنـــا الأجيــالُ حرِّيَّاتهــا مـــن بعــد أصــفادٍ وذلِّ قيــودِ .
رُحْمـــاكَ ربِّ هـــل بغيــر جِبَاهِنــا عُــرِفَ الســُّجودُ ببيتــكَ المَعْمــورِ
كــانت شــِغافُ قلوبِنــا لـكَ مُصـحَفاً يحــــوي جلالَ كتابِــــكَ المَســـْطورِ
إن لــمْ يكــنْ هــذا وفــاءً صـادقاً فــالخلقُ فـي الـدُّنيا بغيـر شـُعورِ
ملأ الشـــعوبَ جُناتُهـــا وعُصـــاتُها مِـــنْ مُلْحِــدٍ عــاتٍ ومِــنْ مغــرورِ
فــإذا الســَّحابُ جــرى سـَقاهُم غَيْثَـه واختصــــَّنا بصـــواعِقِ التَّـــدمِيرِ
قــدْ هبَّـتِ الأصـنامُ مـن بعـد البلـى واســتيقظتْ مــن قبـلِ نفـخِ الصـُّورِ
والكعبــةُ العليــا تــوارى أهلُهـا فكـــأنَّهم مَـــوتى لغيـــرِ نُشــورِ
وقوافـــلُ الصــَّحراءِ ضــلَّ حُــدَاتُها وغــــدتْ منازِلُهــــا ظِلالَ قُبُـــورِ
أنـا مـا حَسـدْتُ الكـافرينَ وقد غَدَوا فـــي أنعُـــمٍ ومـــواكبٍ وقُصـــورِ
بـــل مِحنـــتي ألَّا أرى فــي أمَّــتي عملاً تقـــدِّمه صــَداقَ الحُــوْرِ .
لـــك البريَّـــةُ حِكمـــةً ومشـــِيئةً أعْيَــتْ مــذاهبها أُولــي الألبــابِ
إن شــئتَ أجريــتَ الصــَّحارى أنهُــراً أو شـــئتَ فالأنهــارُ مــوجُ ســرابِ
فــإذا دُهــي الإســلامُ فــي أبنـائهِ حتَّــى انطــوَوا فــي محنـةٍ وعـذابِ
فـــثراؤُهم فقـــرٌ ودولـــةُ مجــدهم فـــي الأرض نهـــبُ ثعـــالبٍ وذئابِ
عاقَبْتَنَـــا عـــدلاً فهـــبْ لعــدونا عـنْ ذنبـهِ فـي الـدَّهرِ يـوم عقابِ .
عاشــوا بثَروتِنــا وعشــْنا دونَهــم للمــــوتِ بيــــن الـــذُّلِّ والإملاقِ
الــدِّين يَحْيــا فــي ســعادةِ أهلـهِ والكــأسُ لا تبقــى بغيــر السـَّاقي
أيـنَ الـذين بنـار حبِّـكَ أرْسـلُوا ال أنـــوَارَ بيـــن محافــلِ العشــَّاقِ
سـكَبَوا اللَّيـاليَ فـي أنيـنِ دُمـوعهم وتوضــــَّؤُوا بمــــدامعِ الأشـــواقِ
والشــمسُ كــانتْ مـن ضـياءِ وجـوههمْ تُهــدي الصــَّباحَ طلائعَ الإشــراقِ .
كيــفَ انطــوتْ أيــامُهم وهـمُ الأُلَـى نَشـَرُوا الهُـدى وَعَلَـوا مكانَ الفرقدِ
هجـروا الـدِّيار فـأينَ أزْمَـعَ ركبُهـمْ مــن يهتـدي للقـومِ أو مـن يَقْتَـدِي
يــا قلــبُ حســْبكَ لـم تُلـمَّ بطيفهِـمْ إلَّا علـــى مصـــباحِ وجـــهِ مُحَمَّــدِ
فــازوا مــن الــدُّنيا بمجـدٍ خالـدٍ ولهــم خلـودُ الفـوزِ يـوم الموعِـدِ
يــا ربُ ألهمنـا الرَّشـادَ فمـا لنـا فـي الكَـونِ غيـركَ من وليٍّ مرشدِ .
مـــا زالَ قيــسٌ والغــرامُ كعهــدهِ وربــوعُ ليلــى فـي ربيـعِ جمالِهـا
وهِضــَابُ نجــدٍ مــن مَراعيهـا المَهـا وظباؤُهــا الخفــراتِ ملـءُ جبالِهـا
والعشـــقُ فيـــاضٌ وأمَّـــةُ أحمـــدٍ يتحفَّـــز التاريـــخُ لاســـتقبالِها
لــو حــاولتْ فــوق السـَّماء مكانـةً رفَّــتْ علــى شــمسِ الضـُّحى بهلالِهـا
مــا بالُهـا تَلْقَـى الجـدودَ عـواثراً وتَصــُدُّهَا الأيَّــامُ عــن آمالِهـا .
هَجْــرُ الحـبيبِ رمـى الأحبـةَ بـالنوى وأصـــــابهُمْ بِتَصــــَرُّم الآمَــــالِ
لـو قـد مللنـا العِشـْق كـانَ سبيلنا أو نســـتكين إلـــى هــوى وضــلالِ
أو نصـــنعَ الأصــنام ثــمَّ نبيعهــا حاشـــا الموحِّــد أن يــذلَّ لمــالِ
أيـــامُ ســـلمان بنـــا موصـــولة وتقــى أُويــس فـي أذانِ بلالِ .
يــا طيــبَ عهـدٍ كنـتَ فيـه مَنارنَـا فبعثَــت نــورَ الحــقِّ مــن فـارانِ
وأســـرْتَ فيــه العاشــقين بلمحــةٍ وســـقيتهم راحـــاً بغيــر دِنَــانِ
أحرقْــتَ فيــه قلــوبهم بتوقــدِ ال إيمــــانِ لا بتلهُّــــب النِّيـــرانِ
لــم نبــقَ نحـنُ ولا القُلُـوبُ كأنَّهـا لــم تَحـظَ مـن نـارِ الهـوى بـدُخَانِ
إن لــم ينــرْ وجـه الحـبيبِ بوصـلِهِ فمكــانُ حُــزنِ القلــبِ كــلُّ مكـانِ
يــا فرحــةَ الأيَّـامِ حيـن نـرى بهـا روضَ التجلّـــــي وارفَ الأغصـــــانِ
ويعـــود محفلُنــا بحســنك مُســفراً كالصــُّبحِ فــي إشــراقهِ الفينــانِ
قــد هــاجَ حزنــي أن أرى أعـداءَنا بيــــنَ الطَّلا والظِّـــلِّ والألحـــانِ
ونعالـــجُ الأنفــاسَ نحــن ونصــطلي فـي الفقـرِ حيـنَ القـومُ فـي بستانِ
أشــرقْ بنـورك وابعـثِ البَـرْق القـدي مَ بومضــــةٍ لِفَرَاشـــِكَ الظَّمْـــآنِ
أشـــواقُنا نحــوَ الحجــازِ تطلَّعــتْ كحنيـــنِ مغـــتربٍ إلــى الأوطــانِ
إنَّ الطيـــورَ وإنْ قَصَصـــْتَ جناحهــا تســمو بفطرتهــا إلــى الطَّيــرانِ
قيثــــارتي مكبوتــــةٌ ونشـــيدُها قــد مــلَّ مــن صــمتٍ ومـنْ كتمـانِ
والَّلحــنُ فـي الأوتـارِ يرجـو عازفـاً ليبـــوحَ مـــن أســـرارهِ بمعــانِ
والطُّــورُ يرتقــبُ التجلِّــي صــارخاً بهــوى المَشــُوقِ ولهفــةِ الحيْـرانِ
أكبادُنــا احــترقتْ بأنَّــات الجَـوى ودماؤُنــا نهــرُ الــدُّموع القـاني
والعطـرُ فـاضَ مـن الخمـائلِ والرُّبـا وكـــأنَّه شـــكوى بغيـــر لســـانِ
أو ليــسَ مـن هَـوْلِ القيامـةِ أن يكـو نَ الزَّهــرُ نمَّامــاً علــى البسـتانِ
النَّمـــلُ لا يخشـــى ســـليماناً إذا حَرَســـَت ْقُـــراه عنايــةُ الرَّحْمــنِ
أرشـدْ براهِمِـةَ الهُنـودِ ليرفعـوا ال إســـلامَ فـــوقَ هياكـــلِ الأوثــانِ
مـا بـالُ أغصـانِ الصـَّنوبرِ قـد نـأتْ عنهـــا قَمَاريْهَـــا بكـــلِّ مكــانِ
وتعــرَّتِ الأشــجارُ مــن حُلــل الرُّبـا وطيورهـــا فــرَّتْ إلــى الوديــانِ
يــــا ربِّ إلَّا بُلبلاً لــــم ينتظـــرْ وحـــي الربيــعِ ولا صــَبَا نَيْســَانِ
ألحـــانهُ بحـــرٌ جـــرى مُتلاطمـــاً فكـــأنَّه الحــاكي عــن الطُّوفــانِ
يــا ليــتَ قــومي يســمعون شـِكايةً هــي فــي ضــميري صـرخةُ الوجـدانِ
إنَّ الجــــواهرَ حيَّــــرت مـــرآة ه ذا القلـبِ فهـو علـى شـفا البُركـانِ
أســـْمِعُهُمو يــا ربِّ مــا ألهَمتَنــي وأعِـــدْ إليهـــمْ يقظــةَ الإيمــانِ
وأذقهــمُ الخمــرَ القديمــة إنَّهــا عيــنُ اليقيــنِ وكــوثرُ الرِّضــوانِ
أنــا أعجمــيُّ الــدنِّ لَكِــنْ خمْرَتَـي صــُنْعُ الحجــازِ وكرْمهــا الفَيْنَـانِ
إنْ كَــانَ لـي نغـمُ الهنـودِ ولحنُهـم لكــنَّ هــذا الصــوتَ مِــن عــدنانِ
محمد إقبال
695 قصيدة
10 ديوان

محمد إقبال بن محمد نور بن محمد توفيق: أكبر شعراء الإسلام في القرن العشرين، مولده في سيالكوت، يوم 24 ذي الحجة سنة 1289 هـ الموافق / 22 / 2/ 1873 م . وأدخله أبوه مدرسة البعثة الأسكوتية في سِيالَكوت ليكون في رعاية صديقه مير حسن . و كان أستاذاً مُتضلعاً في الأدب الفارسي عارفاً بالعربية . وتخرج من الكلية الأسكوتية سنة 1895 وهو في الثانية والعشرين من عمره، ثم تابع دراسته في جامعة عليكره في لاهور ، ونال منها عام 1905 شهادة أستاذ في الفن (الفلسفة) بإشراف أستاذ الفلسفة الإسلامية فيها السير توماس آرنولد. ونصحه آرنولد بمتابعة دراسته في أوربا ويسر له ذلك، وركب سفينة قاصداً إنكلترا ، والتحق بجامعة كمبردج ، وتتلمذ للأستاذ الدكتور ميكتاكرت ، ونال من هذه الجامعة درجة الليسانس في فلسفة الأخلاق والماجستير في القانون، ثم سافر إلى ألمانيا فتعلم الألمانية في زمن قليل ، و التحق بجامعة ميونخ وكتب رسالته ( تطور ما وراء الطبيعة في فارس ) ، و هي أول كتاب في الفلسفة عرَّف الناس بقدرة إقبال . ولبث إقبال في أوربا زهاء ثلاث سنين ، ثم رجع إلى وطنه سنة 1908 م . واختير لتدريس التاريخ و الفلسفة في الكلية الشرقية في لاهور . وأستاذا للفلسفة و اللغة الإنكليزية بكلية الحكومة التي تخرج فيها وجال في أرجاء الهند ومعاهدها محاضرا بكتابه (تجديد الفكر الديني في الإسلام) وهو أشهر مؤلفاته في الفلسفة ..ونشر أول دواوينه ( أسرار خودي ) سنة 1915 م ؛.

ودعاه نادر شاه ملك الأفغان إلى أفغانستان فلبى الدعوة ومعه السير رأس مسعود و الشيخ سليمان الندوي ، وزار هناك ضريح ( محمود الغزنوي) وقبر ( مجد الدين سنائي ) و له في هذين المشهدين قصائد بليغة

وعمل في المحاماة فكانت مهنته الأساسية حتى اضطره المرض إلى تركها عام 1934م قبل وفاته ب 4 سنوات. وبدأ مرض الحصوة يفتك به منذ عام 1935 وهي السنة التي توفيت فيها زوجته، وترادفت عليه العلل حتى وفاته يوم 19/ 4 / 1938 ودفن في فناء ( شاهي مسجد ) ، وكتب على شاهدة قبره : إن محمد نادر شاه ملك الأفغان أمر بصنع هذا الضريح اعترافاً منه ، و من الأمة الأفغانية بفضل الشاعر محمد إقبال.

ويروي راجه حسن ، و كان مع إقبال ليلة وفاته أنه أنشد قبل موته بعشر دقائق ما ترجمته: 

نغماتٌ مضينَ لي هل تعود ؟ = أنسيمٌ من الحجاز يعودُ ؟ 

آذنت عيشتي بوشك رحيلٍ = هل لعلم الأسرار قلبٌ جديدُ ؟ 

قال عزام: (توفي إقبال و عمره بالتوقيت الهجري : سبع و ستون سنة و شهر و ستة و عشرين يوماً ، و بالحساب الشمسي خمس و ستون سنة وشهر و تسعة و عشرون يوماً) .

وعقب وفاته صدرت في لاهور مجلة تحمل اسمه "إقبال" باللغتين الأردية والإنكليزية اعتنت بنشر شعره وفلسفته . منها : 

( التطور في فلسفة إقبال). 

( الفن في مذهب إقبال). 

(إبليس في تصور إقبال). 

(فلسفة الذاتية عند إقبال).

(إقبال و مسألة الاجتهاد).

(معنى العشق في شعر إقبال) . 

( معنى الفقر في شعر إقبال). 

و لا تكاد تخلو مجلة أدبية في باكستان من مقال عن إقبال ، مثال مجلة باكستان ، عدد نيسان ، و فيه هذا المقالات : 

(إقبال رسالة أمل مشرق) .

(إقبال و الوطنية ) . 

(إقبال الشعر الفيلسوف). 

( بيتٌ من شعر إقبال). 

(إقبال و مسجد قرطبة). 

 قال: عبد الوهاب عزام: (ودعي إقبال إلى دار حاكم بنجاب الإنكليز لمنحه لقب (سير) و قد حكى أحد أصدقائه أنه لم يرغب في إجابة الدعوة ، و أنه ألح عليه، و حمله في عربته إلى دار الحاكم ، و أعطي لقب ( سير) على شرطٍ منه إعطاء أستاذه (مير حسن) لقب شمس العلماء فأجيب إلى ما اشترط . 

ويقترن ذكر مير حسن بسيرة إقبال ، و يشاد بأثر هذا الأستاذ في تأديب تلميذه ، وهو من المنتسبين إلى آل البيت ، و كان أستاذ اللغة العربية في كلية سِيالَكوت ، و كان متضلعاً في الأدب الفارسي ، و كان علماً من أعلام البلد ، يعرفه الصغير و الكبير ، مهيباً مبجلاً ، و كان ضعيف البصر يمشي الهوينى متوكئاً على عصا طويلة لا يتأخر عن موعده دقيقة ، و قد بلغ من هيبته أن الأساتذة ، و الطلبة كانوا إذا رأوه قادماً خلّوا له الطريق أو أفسحوا له ، و لم يكن غليظاً جافاً بل كان طريفاً فكهاً في مواضع الظرف ، و التفكه . 

وأخذ إقبال فنون الشعر في صباه عن الشاعر ( داغ ) أحد شعراء الأردية النابهين

أما أصل إقبال فمن براهمة كشمير من بلدة فيها تسمى لوهَر. أسلم أحد أجداده وكان برهمياً قبل ثلاثة قرون في عهد الدولة المغولية ،على يد الشيخ شاه همداني. و هاجر جده ( محمد رفيق ) جد محمد إقبال من كشمير إلى مدينة سِيالَكوت من ولاية البنجاب مع أخوته الثلاثة ومنهم محمد رمضان صاحب التآليف المشهورة باللغة الفارسية . وقد أشار إقبال إلى أصله البرهمي في كثير من شعره كقوله يخاطب فيلسوفا هاشميا

و إنني في الأصل سُومَناتي = إلى مناةٍ نسبي و اللاتِ 

و أنت من أولاد هاشمي = و طِينَتي من نسل برهَمي 

وقوله في قصيدة بعنوان: ( إلى أمراء العرب ) : 

هلْ يُسعِدُ الكافِرَ الهنديَّ منطقُه = مخاطباً أمراء العرب في أدبِ 

وقوله في بيام مشرق : 

انظر إليَّ فما ترى في الهندِ غيري رجلاً من سلالة البراهمة عارفاً بأسرار الروم ، و تبريز. 

و في شعرٍ آخر : 

قد قام الأمراء بالدين ، و القلب في حَلْبة السياسة ، فما ترى غير ابن البرهمن مَحرماً للأسرار. 

و يقول في هجرة أسرته من كشمير : 

لقد هجر الدُّرُّ أرضَ اليمن = و نافجةُ المسكِ أرضَ الخُتن 

و بُلبل كشمير في الهند ثاو = بعيداً من الروض خارَ الوطن . 

وقد خص أمه بقصيدة مطولة في ديوانه (صلصلة الجرس). 

وكانت لجلال الدين الرومي منزلة استثنائية في قلبه عبر عنها 

بمنظومته الخالدة جاويد نامه و قص فيها سفره في الأفلاك السبعة وجعل جلال الدين دليله في السفر ، يقول إقبال في مقدمة أسرار خودي : 

صيَّر الرومي طيني جوهرا = من غباري شاد كوناً آخرا 

ذرة تصعد من صحرائها = لتنال الشمس في عليائها 

إنني في لُجَّه موجٌ سرى = لأصيب الدر فيه نيرا 

دواوينه:

( ديوان بانك درا / أو: صلصلة الجرس ): 

نشر أول مرة سنة 1924 م . و هذا الديوان يحوي شعر الصبا و قد قسمه إقبال إلى ثلاث أقسام : 

القسم الأول :إلى سنة 1905 و فيه زهاء ستين قصيدة منذ أن شرع إقبال بنظم الشعر إلى أن سافر أوربا سنة 1905 . 

و في هذا القسم قصائد قومية و وطنية ، إلى قصائد إسلامية و إنسانية . 

القسم الثاني : من 1905 إلى 1908 م . 

و هو ما أنشأه في أوربا حينما ذهب إليها للدرس ، و هو زهاء ثلاثين قصيدة و قطعة . و هذا القسم جديرٌ بالعناية بما يبين عن شعور الشاعر أو عهده بالإقامة في أوربا . و رؤيته حضارتها في مواطنها على اختلاف وجوهها ، و تعدد مظاهرها. 

و القسم الثالث : من 1908 م إلى أن نشر الكتاب سنة 1924 م و فيه زهاء ثمانين قصيدة و قطعة . 

في هذا الديوان شعر لإقبال أنشأ بعضه في صباه و بعضه في سن الخمسين ...

( ديوان الأسرار و الرموز ): 

( أسرار خودي و رموز بيخودي ): 

(أسرار الذات و رموز نفي الذات ) باللغة الفارسية ، منظومتان على القافية المزدوجة و هي تسمى المثنوي في عرف شعراء الفارسية و من تبعهم من شعراء التركية و الأردية . 

( ديوان بيام مشرق) : 

( رسالة المشرق في اللغة الفارسية) : 

طبع هذا الديوان أول مرة سنة 1923 . 

و كتب الشاعر فوق عنوان الديوان : (ولله المشرق و المغرب) و كتب تحته: 

جواب ديوان الشاعر الألماني غوته . 

و هو روضة من الشعر تختلف أزهارها، و نوارها و ضروب النبات فيها و ألوانه ، و صنوف الريحان فيها و روائحه . جمعت أشتات الزهر من المشرق و المغرب. 

و فيها الأقسام الآتية : 

(1):شقائق الطور ، و هي رباعيات. 

(2): الأفكار ، و هي أحدى و خمسون قطعة و قصيدة . 

(3): الخمر الباقية ، و هي قصائد صوفية رمزية من الضرب الذي يسمى في اصطلاح الأدب الفارسي غزلاً . و هو غير الاصطلاح العربي . 

و الغزل في اصطلاح شعراء الفرس أبيات قليلة لا يلتزم فيها الشاعر موضوعاً واحداً . و عدد الغزليات في هذا القسم خمسٌ وأربعون . 

(4): نقش الإفرنج ، و هي أربع و عشرون قطعة و قصيدة ، يذكر فيها إقبال بعض شعراء أوربا و فلاسفتها ، و ينتقد مذاهبهم و آراءهم فيقبل منها و يرد. 

(5): الدقائق ، و هي قطع صغيرة و أبيات مفردة ألحقها بالديوان ، و قد طبع الديوان في كراجي . 

(ديوان زبور عجم): 

باللغة الفارسية . نشره سنة 1929 م . و هو من أجود شعره و أدقه معنى ، و أبعده مرمى . صدره بكلمة إلى القراء ، يقول فيها : 

تحجب عيني شعرة حيناً ، و ترى عيني العالمين حيناً . إن وادي العشق سحيق و طويل ، و لكن طريق مائة سنة تطوى بآهة حيناً .

 جِدَّ و لا يهن أملك و عزمك . فربَّ سعادة تواتي على قارعة الطريق حيناً . 

وهذا الديوان أربعة أقسام : 

الأول: فيه دعاء و ست وستون قطعة أكثرها بدون عنوان. 

و الثاني: فيه خمس وسبعون قطعة تقل فيها العناوين أيضاً. 

و الثالث: حديقة السر الجديدة (كلشن راز جديد) ، وهو على طريقة (كلشن راز) الذي ألفه الشيخ محمود الشستري إجابة لأسئلة في التصوف أرسلها إليه بعض المتصوفة ، و لهذا سمى إقبال منظومته ( كلشن راز جديد) ، و فيه يجيب إقبال على تسعة أسئلة فيها دقائق فلسفية و صوفية ... 

والرابع : بين فيه آثار العبودية في الحياة ، و الفنون الجميلة ، على مذهبه المعروف ، و هذه الأقسام كلها تعرف باسم (زبور العجم) و قد جمعت في مجلد واحد ، عليه هذا العنوان ، و لكن يتبين من العناوين الداخلة أن القسمين الأولين هما زبور العجم ، و ألحق بهما القسمين الأخيرين بعنوانين منفصلين . 

(ديوان جاويد نامة ): 

بالفارسية ، طبع سنة 1932 ، و معناه الكتاب الخالد ، و فيه تورية إلى جاويد ابن الشاعر . 

و هو منظومة مزدوجة القافية ( مثنوية) في بحر واحد هو الرمل مثل منظومتي الأسرار و الرموز . و هي من أعمق شعره ، يحتاج قارئها إلى زاد كثير من المعرفة بالتصوف و الفلسفة و التاريخ . 

و جاويد نامة قصة سفر في الأفلاك كقصة دانتي الشاعر الإيطالي ، فيها زهاء ألفي بيت . 

للقصة مقدمة فيها مناجاة ، و فصول أخرى ، إلى أن تظهر روح جلال الدين الرومي صاحب المثنوي المشهور . فيشرح أسرار المعراج ، و هو دليل الشاعر في هذه الرحلة ثم يأتي زروان ، و هو روح الزمان و المكان ؛فيحمل الشاعر و دليله جلال الدين إلى العالم العلوي ، فيسيحان في الأفلاك الستة : القمر ، و عطارد ، و الزهرة ، و المريخ، و المشتري ، و زحل ، ثم فيما وراء الأفلاك . و تختم المنظومات بأبيات كثيرة يخاطب فيها ابنه ( جاويد) و الجيل الجديد . 

(ديوان مسافر): 

 نشر هذا الديوان في سنة 1934 باللغة الفارسية ، و هي منظومة مزدوجة ( مثنوية) سجل فيها ما جال بفكره، و جاش في قلبه حينما سافر إلى أفغانستان بدعوة من الملك نادر شاه . 

و خاطب في هذه المنظومة الملك نادر شاه ، و قبائل الأفغان ، و هو كثير الإعجاب بشجاعتهم و حريتهم . 

و كذلك وقف على ضريح الملك بابر رأس الدولة التيمورية في الهند ، و هو من أعظم ملوك العالم ، و على قبر سنائي و الغزنوي و غيرهم .... 

وختم المنظومة بأبيات خاطب بها الملك ظاهر شاه بن نادر شاه . و قد قتل نادر شاه رحمه الله بعد عودة إقبال من أفغانستان ؛ فخلفه ابنه ظاهر شاه .

(بال جبريل): 

( جناح جبريل باللغة الأردية ): 

نشره سنة 1935 و فيه هذه الأقسام : 

(1): إحدى و ستون قطعة تتناول أفكاره الشائعة في شعره في صور شتى و رباعيات قليلة . 

(2): قصائد نظمها في الأندلس حينما زارها . 

(3): من عيون القصائد في القسم الثالث منظومة عنوانها ( لينين أمام الله) ، و هي في صورة قصة تمثيلية ، و أشعار نظمت في فلسطين و منظومة عنوانها ( الملائكة يودعون آدم خارجاً من الجنة)، و محاورة طويلة بين جلال الدين الرومي و مريد هندي .. 

(4): و قطع أخرى كثيرة ... 

( ديوان ماذا ينبغي أن نصنع الآن يا أمم الشرق) 

(بس جه بايد كرد أي أقوام مشرق ) : 

 باللغة الفارسية . 

منظومات مثنوية نشرها سنة 1936 م ، بعد أن استولت إيطاليا على الحبشة . ووضع عليها كلها عنوان المنظومة التي ذكر فيها حرب الحبشة، و عصبة الأمم . و هو ذات العنوان الذي صدرت به هذه الأسطر ، و لكن فيها عناوين متعددة في موضوعات مختلفة مثل : خطاب الشمس ، الحكمة الكليمية ، الحكمة الفرعونية ، لا إله إلا الله ، الفقر ، الرجل الحر ، في أسرار الشريعة ، كلمات إلى الأمة العربية ... الخ 

و هذه المنظومات في جملتها حكمة بالغة ، و شعر بليغ نفثهما الشاعر حين حزنته أحوال المسلمين .... 

(ديوان ضرب الكليم): 

باللغة الأردية ، نشر سنة 1937 . و لم ينشر في حياته ديوان بعده. 

و هو ديوان مفصل على أبواب فيها نظرات في الإسلام ، والتربية ، والمرأة ، والفنون الجميلة ، والسياسة ، وغيرها .. 

( ديوان أرمغان حجاز) : 

هذا الديوان نشر بعد وفاة الشاعر ، فيه آخر أفكاره ، و ختام نظراته ، و لكن فيه منظومة مهمة عنوانها ( مجلس شورى إبليس ) .. 

و القسم الفارسي من هذا الديوان و هو أكثره رباعيات مقسمة و بعضها جعل عنوانها إلى الأمة يخاطب بها شعراء العرب . 

و في كل قسم من هذه الأقسام عناوين أخرى .. 

باختصار عن كتاب عبد الوهاب عزام ( محمد إقبال سيرته و فلسفته وشعره)

(إعداد: تغريد بلله)

1938م-
1357هـ-