هذه قصيدة ناطقة بأن ما يجري اليوم هو ذات ما جرى منذ ألف وثلاثمائة سنة، وذلك عام (120 للهجرة) وكل ما وصلنا من شعر نصر بن سيار هو في تحذير أمراء بني أمية وعمالها من مغبة الإهمال، وأشهر شعره قصيدته التي أولها: (أرى خلل الرماد وميض جمر ويوشك أن يكون لها ضرام)
وكان نصر منهمكا في قمع ثورة الأزد التي تزعمها جديع بن علي الكرماني سيد الأزد ويمان في عصره، وإلى جانبه ثورة الحارث بن سريج المجاشعي، وقد نشرت نبذة عن ثورتهما في نافذة من التراث في موضوع بعنوان، (من كلام مقاتل بن حيان) أما قصيدة اليوم فقد حكى قصتها ابن قتيبة الدينوري في الأخبار الطوال قال: (وحان الوقت الذي واعد فيه أبو مسلم مستجيبيه، فخرجوا جميعاً في يوم واحد من جميع كور خراسان حتى وافوه، وقد سودوا ثيابهم ... من هراة، وبوشنج، ومرو الروذ، والطالقان، ومرو، ونسا، وأبيورد ، وطوس ، ونيسابور، وسرخس، وبلخ، والصغانيان، والطخارستان، وختلان، وكش ، ونسف، فتوافوا جميعاً مسودي الثيابا، وقد سودوا أيضاً أنصاف الخشب التي كانت معهم، وسموها كافر كوبات. وأقبلوا فرساناً، وحمارة، ورجالة، يسوقون حميرهم ويزجرونها، هر مروان، يسمونها مروان، ترغيباً لمروان بن محمد، وكانوا زهاء مائة ألف رجل.فلما بلغ نصر بن سيار ظهور أبي مسلم سقط في يديه، وخاف على نفسه، ولم يأمن أن ينحاز الكرماني في اليمانية، والربعية إليهم، فيكون في ذلك اصطلامه، فأراد أن يستعطف من كان مع الكرماني من ربيعة. فكتب إليهم، وكانوا جميعاً بمرو:
أبلغ ربيعة في مرو وإخوتها أن يغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب
(إلى آخر الأبيات)
قال: فلم تحفل ربيعة بهذه الأبيات.
وبلغ أبا العباس الإمام، وهو مستخف بالكوفة أن أبا مسلم لو أراد أن يصطلم عسكر نصر والكرماني لفعل، غير أنه يدافع الحرب، فكتب إليه يؤنبه في ذلك.
وكان أبو مسلم يحب أن يستميل أحد الرجلين، ليفصم به شوكة الآخر، فأرسل إلى الكرماني، يسأله أن ينضم إليه، لينتقم له من نصر بن سيار، فعزم على المسير إليه، وأقبل أبو مسلم فيعساكره إلى أرض مرو، فعسكر على ستة فراسخ من المدينة.
وخرج إليه الكرماني ليلاً في نفر من قومه، فاستأمن لجميع أصحابه، فآمنهم أبو مسلم، وأكرم الكرماني، فأقام معه، وشق ذلك على نصر بن سيار، وأيقن بالهلكة. فكتب إلى الكرماني يسأله الرجوع إليه، على أن يعتزلا، ويوليا الأمر رجلاً من ربيعة، يرضيانه، وهو الأمر الذي كان سأله إياه. فأصغى الكرماني إلى ذلك، وتحمل ليلاً من معسكر أبي مسلم، حتى انصرف إلى معسكره، واسترسل الكرماني إلى نصر، فلما أصاب منه غرة دس عليه من قتله.
ويقال: بل وجه إليه نصر رجلاً من قواده في ثلاثمائة فارس، فكمنوا له ليلاً عند منصرفه من معسكر أبي مسلم، فلما حاذاهم، وهو غافل عنهم، حملوا عليه، فقتلوه.
وبلغ ذلك أبا مسلم فقال لا يبعد الله غيره، لو صبر معنا لقمنا معه، ونصرناه على عدوه. وقال نصر في ظفره بالكرماني:
لعمري، لقد كانت ربيعة ظافرت عدوي بغدر حين خابت جدودها
وقد غمزوا مني قناة صليبة شديداً على م رامها الكسر عودها
وكنت لها حصناً، وكهفاً، جنة يؤول إلي، كهلها، ووليدها
فمالوا إلى السوءات، ثم تعذروا وهل يفعل السوءات إلا مريدها؟
فأوردت كرمانيها الموت عنوة كذاك منايا الناس يدنو بعيدها
قالوا: ولما قتل الكرماني مضى ابنه عل من خندقه إلى أبي مسلم، فسأله أن يطلب له بثأر أبيه. فأمر قحطبة بن شبيب أن يستعد، ويسير حتى ينيخ على نصر في خندقه، فينابذه الحرب، أو ينيب إلى الطاعة. فسار قحطبة ...إلخ