من ذاق طعم شراب القوم يدريه
الأبيات 133
مــن ذاق طعـم شـراب القـوم يـدريه ولــم يــروق رحيقــاً غيــر صـافيه
يغمــى عليــه فيــدري غــب غيبتـه ومــن دراه غــدا بــالروح يشــريه
ولــو تعــوض أرواحــاً وجــاد بهـا فــي نيلــه فهــو بيـع رابـح فيـه
ولــو حـوى ألـف نفـس وهـو يبـذلها فــي كــل طرفــة عيــن لا تســاويه
وقطـرة منـه تكفـي الخلـق لو طعموا لعربــدوا عنــدما تبــدو بــواديه
يــدب فيهــم ويســري ســر ســورته فيشــطحون علــى الأكــوان بــالتيه
وذو الصـبابة لـو يسـقى على عدد ال ذر الــذي ســائر الأكــوان تحــويه
مضــاعفاً عـدّه بالضـرب فـي جمـل ال أنفــاس والكــون كـأس ليـس يرويـه
يـــروي ويظمـــأ لا ينفــك شــاربه علــى الــدوام مكبّــاً فـي تعـاطيه
ولــم يــزل لتــوالي مــا يسـاوره يصــحو ويســكر والمحبــوب يســقيه
فــي ريّــه ظمــأ والصــحو يســكره والمحــو يثبتــه واللــوم يغريــه
والقبــض يبســطه والوصــل يفصــله والوجـــد يظهــره طــوراً ويخفيــه
يبــدو لـه السـر مـن آفـاق وجهتـه فأينمـــا أمّ فـــالمحبوب هـــاديه
يــزوي حجــاب التجلّـي عـن بصـيرته وليــــس إلا لـــه منـــه تبـــديه
لــه الشــهادة غيــب والغيـوب لـه عيــن الشـهود ونـاي الغيـر يـدنيه
وكـان بالفضـل فـي دعـوى القصور له شــهادة والفنــاء المحــض يبقيــه
لــه لـدى الجمـع فـرق يستضـيء بـه وبالعبوديــــة الخلصـــا يـــؤديه
ملازمـــاً فيــه آداب الخضــوع لــه كــالجمع مـن فرقـه مـا زال يلقيـه
يــدنو ويعلــو ويرنـو وهـو مصـطلم يبــدي خصوصــية اللاهــوت مـن فيـه
حــتى يعــود إلـى الناسـوت متّصـفاً فــي الحــالتين بتمييــز وتــوليه
لــه الوجــودات اضــحت طـوع قـدته بـــالله والأدب المرعـــى يثنيـــه
يطيــر بــالروح أنـي شـاء مقتـدراً ومــا يشــاء مــن الأطــوار يـأتيه
للقــوم سـر مـع المحبـوب ليـس لـه مــن رتبــة يرتقيهــا غيـر أهليـه
وليــس يــدرك للفيـض الـذي منحـوا حــد وليــس ســوى المحبـوب يحصـيه
بــه تصــرفهم فــي الكائنـات فمـا يقضـــي امــرؤ منهــم إلا ويمضــيه
ولا يريـــدون إلا مــا يريــد ومــا يشــاء شــاؤوا ومـا شـاؤوه يقضـيه
إن كنــت تعجــب مــن هـذا فلا عجـب لأن ذلـــك فضـــل اللـــه يـــؤتيه
وكـم نوافـل جـود فـي الوجـود سـرت للــه فــي الكـون سـر لا يـرى فيـه
لا شـيء فـي الكـون إلا وهـو ذو أثـر فيمــا يشــاهد مــن تـأثير مبـديه
إذا تـــــأثر معلــــول بعلتــــه فمــا المــؤثر غيــر اللـه قاضـيه
ليـــس التضــادد مناعــاً لقــدرته وليــس يثنيــه عــن شــيء تنـافيه
فهــو القــديم بلا قيــد ينـاط بـه مــن حيــث قــدرته يــأتي تعـاليه
وإنمــا مــن وجــود الحادثـات لـه فهـي فهمنـا مـانع الضـد الـذي فيه
فـــإنه حيــث لــم نــدرك تصــوّره تمـــانع فـــي محــل ظــلّ يحــويه
وللفقيـــر وجـــوه ليــس يحصــرها غيــر الحـبيب مفيـض الفضـل مسـديه
لــه طــرائق شــتّى لا يحيــط بهــا عـــدٌّ وكـــل وجــود فهــو واديــه
لـو كنـت تـدري وجوه العبد كنت ترى مطــوي مــا فيـه مـن قـدس وتنزيـه
وكنــت تشــهد فيــه الحـق معتقـدا فيـه الكمـال كمـا النقصـان تنفيـه
والعبـد هـذا هـو الحـر الـذي حصلت لــه بلثــم يــد الهــادي أمـانيه
غــوث الأنـام الرفـاعي الـذي عقـدت لــه الخلافــة جــلّ اللــه معطيــه
أوصــافه ظهــرت مــن وصــف مبـدعه كالبــد يبــدي ضــياء فــي تلقيـه
وجـــده المصـــطفى مــرآة مشــهده وكلــــه مظهـــر يبـــدي تجليـــه
إذا رئي ذكـــر المـــولى برؤيتــه جهــراً وأعلــن بالتوحيــد نــافيه
وشـــوهدت ســبحات النــور تغمــره وفــاز بالســعد والتقريــب رائيـه
عبــد عليــه ســمات العــز لائحــة ونــور طــه عــن التعريــف يغنيـه
لــواء غوثيــة الأكــوان فــي يـده وخلعــة العــز والتحكيــم عــاليه
إن كنــت تقصــد أن تحظــى بصـحبته يــوم المعــاد وترقـى فـي مراقيـه
فــالزم بنيــه وخـذ عنهـم طريقتـه واســلك علــى ســنن طـابت مسـاعيه
اخلـــص ودادك صــدقاً فــي محبتــه إن المحــب مــع المحبــوب نرويــه
مــرغ خــدودك فــي أعتــاب مشـهده والــزم ثـرى بـابه واعكـف بنـاديه
واســتغرق العمــر فـي آداب صـحبته مــع المشــائخ والبرهــان يحكيــه
واسـتقر مـا قـد حبا عبد السميع به وحصــل الــدر واليــاقوت مـن فيـه
وابــذل قــواك وبـادر فـي أوامـره بالامتثــال وســر فــي سـير أهليـه
واســلك طريقتهـم تربـح ومـل معهـم إلــى الوفــاق وبـالغ فـي مراقيـه
واحــذر بجهـدك أن تـاتي ولـو خطـأ أمــراً يغــاير مــا يهـوى ويبغيـه
وكـــن لتشــملك الألطــاف مجتنبــاً مــا لا يحــب وباعــد عــن منـاهيه
وكـــن محـــب محـــبيهم وناصــرهم فبغضــــهم وجلال اللــــه يـــؤذيه
ووال بــالود مــن والــى خليفتــه والــزم عــداوة مـن أضـحى يعـاديه
واعلــم يقينــاً بـأن اللـه ناصـره علــى المريــد بــه سـوءاً ومعليـه
واسـتفرغ الجهـد فـي تعزيـز منصـبه إن لــم تكـن ناصـراً فـالله يكفيـه
وأنــزل الشــيخ فــي أعلا منــازله فــإنه قطــب هــذا الكــون واليـه
واعـرف لـه الفضـل والثم ترب مضجعه واجعلـــه قبلــة تعظيــم وتنزيــه
ولســت تفعــل هــذا إن ظننــت بـه أدنــى قصــور وميــل فــي ترقيــه
فحـــدّك الــزم ولا تشــهد لحضــرته نقصــــاً ولا خللاً فيمـــا يعـــانيه
واتــرك مـرادك واستسـلم لـه أبـداً فـإن عيـن الهـدى مـا الشـيخ يجريه
ولا تــزل لاختيــار النفــس مطرحــاً وكــن كميــتٍ مخلــى فــي أيــاديه
أعــدم وجــودك لا تشــهد لـه أثـراً يميتــه الموتــة الأولــى ويحييــه
واجعـل مفاتيـح بيـت السـر فـي يده ودعـــه يهـــدمه طـــوراً ويبنيــه
مــتى رأيتــك شــيئاً كنــت محتجّـاً وعـدت بعـد صـعود الطـور فـي التيه
وفــي حضــيض شـهود النفـس منقطعـاً برؤيــة الشــيء عمــا أنـت نـاويه
ولا تــرى أبــداً عنــه غنــى فمـتى عرفــت فقــرك ألفيــت الغنـى فيـه
فــأنت مـا عشـت محتـاج إليـه ولـو رأيــت عنــه غنــى تخشــى تناسـيه
إن اعتقــادك إن لــم تــأت غـايته فـي حضـرة الشـيخ تحـرم مـن أياديه
وإن تكــن غيـر فـانٍ مـا حييـت بـه فيـــه فيوشــك أن تخفــى مبــاديه
وغايــة الأمــر فيـه أن تـراه علـى كــل الوجــوه مصــيباً فـي مسـاعيه
فـإنه المرشـد الهـادي العبـاد إلى نهــج الكمــال وإن اللــه هــاديه
ومــن إمــارة هــذا أن تــؤول مـا يحتـــاج شــرعاً لتأويــل وتنــبيه
وليــس يلــزم أن تـدري حقيقـة مـا عليـــك يشـــكل إظهــاراً لخــافيه
والمـرء ان يعتقـد شـيئاً وليـس كما فــي نفســه فبحســن الظــن يجـديه
فظــن خيــراً بكــل المـؤمنين فمـن يظنــه لــم يخــب واللــه يعطيــه
وليــس ينفــع قطـب الـوقت ذا خلـل لا يشــهد الســر ذا ريــب وتمــويه
ومــا الرفــاعي بالهــادي لمنتحـل فــي الاعتقــاد ولا مــن لا يــواليه
إلا إذا ســــبقت للعبـــد ســـابقه وحكــم الشــيخ فيمــا شــاءه فيـه
ينــال إذ ذاك مـا يرجـوه مـن مـدد يعــود مــن بعـد هـذا مـن مـواليه
ونظــرة منــه إن صــحّت إليـه علـى مــا فيــه تسـمو بـه حقـاً وتعليـه
شــيخ إشــارته نحــو المريـد علـى ســـبيل ود بـــإذن اللــه تغنيــه
فالنــاس عبـدان مجـذوب وسـالك مـا بــه الأوامــر جــاءت مــن مربيــه
يكلــف النفــس عبـء الاجتهـاد كمـا دعـــي إليـــه بتعليـــم وتنــبيه
والجــذب أخــذة عبــد بغتــة بيـد إلــى مقــام بــه المحبـوب يـدنيه
مــــواهب وفيوضـــات تـــزج بـــه عنايــة نحــو أمــر ليــس ينــويه
هــو المــراد ومخطـوب العنايـة لا يمســـّه مـــن لغــوب فــي ترقيــه
ولا يعـــاني مشـــقّات الســلوك ولا يحــــسّ كلفـــة تكليـــف يلاقيـــه
طــوراً يــرد عليــه الحــس تكملـة لحــــاله ولســـر ليـــس يـــدريه
إذا تغشـــاه طــور الحــس أزعجــه فيقصـد الطـور مـا قـد كـان نـاويه
تــراه يعبــد لا يلــوي علــى شـغل وفــي الــدياجر للمــولى ينــاجيه
يمســـي وليـــس لــه هــمّ يحرّكــه ســوى العبــادة يســتحلي تفــانيه
تـرى الحقـائق تبـدو منـه فـي نسـق كمــا لموسـى بـدت مـن عنـد بـاريه
لـــه اطلاع ونـــور فـــي فراســته مـــع الكشـــوف لأن اللــه يلقيــه
وقــد يغيــب عــن الإحسـاس مختطفـاً وذاك حيــن يعيــد الجــذب داعيــه
فيســتوي فـوق عـرش القـرب مبتهجـاً وذو العنايــة حفــظ الحــق يحميـه
وذو الســلوك تــراه فــي إرادتــه بعــد التخلّــي مجــداً فــي تحلّيـه
لــه إلــى اللَـه سـير لا يـزال بـه مجاهــد النفــس ذا وعــي لبــاقيه
يمشـي علـى نهـج أهـل الصدق ملتزماً مــا للشــريعة مــن حكــم وتـوجيه
مراعيــاً فـي طريـق القـوم عـن أدب شـــروطهم خائفـــاً ممـــا يرجيــه
كـم مـن مريـد قضـى مـا نـال بغيته وجــاء قبــل بلــوغ القصـد نـاعيه
لكنــه لــم يخــب ممــا نـواه وإن حــق القضــاء عليــه فــي تقاصـيه
وكــم مريــدٍ ونـى مـن بعـد عزمتـه لعــائق عــن قــويم السـير يثنيـه
مــل الســرى ومطايــا عزمـه وهنـت إذ عزمــه ذاك مــا صــحت مبــاديه
مــن ليـس يخلـص فـي مبـدأ إرادتـه فكيــف يرجــو فلاحــاً فــي تنـاهيه
ومــن لـه مـن هـوى الأغـراض شـائبة يهـوي بـه الحـظ فـي أهـوى مهـاويه
ومــا المريــد الـذي صـحت إرادتـه واستصـحب العـزم فيمـا كـان ينـويه
وســار فـي السـنن المرضـي مجتهـداً إلا مـــراد لـــه جـــذب يـــوافيه
والجـذب إن جـاء مـن بعد السلوك له علـــو شـــان وتعظيـــم وتنـــويه
وكــان مـن حيـث سـبق الاجتهـاد لـه فضـل علـى الجـذب ممـا السعي تاليه
فالجذب هذا الذي التفصيل فيه هو ال ذي بمصــــطلحات القـــوم نحكيـــه
سـيماه تبد وعلى وجه المريد وذا ال جــذب الــذي ظهــرت فينـا بـواديه
وفـي الحقيقـة لـولا الجـذب ما سلكت ســبل الرشــاد ولـم يسـمع منـاديه
ولا تــــأله مشــــتاق ولا عمــــرت طريـــق حـــق ولا رويـــت مرائيــه
لـولا العنايـة والتخصـيص قـد سـبقا للعبــد لــم يــدعه للفـوز داعيـه
تلــك الســوابق لولاهـا وقـد سـلفت فـي دعـوة العبـد مـا قـامت دعاويه
إن المريــد مــراد والمحـب هـو ال مبـدؤ بـالحب مـن ذي العـرش هـاديه
فهـو المراد المهنا في الحقيقة وال محبــوب فاســتمل هـذا مـن أمـاليه
إن كــان يرضـاك عبـداً أنـت تعبـده ملاحظـــاً نفـــي تمثيـــل وتشــبيه
وإن أقامــك فــي حــال فقـف أدبـاً وإن دعــاك مــع التمكيــن تــأتيه
فيفتــح البــاب إكرامـاً علـى عجـل بــاب المــواهب بشــرى مـن يـافيه
تضــحي وتمســي عزيـزاً فـي ضـيافته ويرفــع الحجــب كشـفاً عـن تنـائيه
وثــم تعــرف مــا قـد كنـت تجهلـه ويصـــــطفيك لأمـــــر لا ترجيــــه
يوليـك مـا ليـس يـدري الفهم غايته ممــا عـن الحصـر قـد جلـت معـانيه
وترتــوي مــن شــراب الأنـس صـافيه فـي مقعـد الصـدق والمحبـوب سـاقيه
مـن ذاقهـا لـم يخـف من بعدها ضرراً يــا سـعد مـن بـات مملـواً بصـافيه
وصـــل يــا رب مــا غنــت مطوقــة يســلو الخلــي بهـا والصـب تشـجيه
ومــا تمــايلت الأغصــان مــن طـرب علــى النــبي صــلاة منــك ترضــيه
والآل والصــحب والأتبــاع مـا قـرئت مــن ذاق طعـم شـراب القـوم يـدريه
ابن شهاب العلوي
179 قصيدة
1 ديوان

أبو بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن شهاب الدين، باعلويّ الحسيني، من آل السقاف.

قريع البلغاء، ومعجز الفصحاء، شاعر الزمن، فقيه، له علم بالفنون. من أهل حضرموت. ولد بحصن (آل فاوقة) من قرى تريم، وطاف بلاد العرب وقصد الهند فسكن حيدر آباد الدكن، واتسعت شهرته في الهند وجاوة والملايو، بمحاربته البدع، وسلوكه طريقة السلف الصالح. توفي في حيدر آباد.

له نحو 30 كتاباً في الأصول والفقه والمنطق والطبيعة والكيمياء والفلك والحساب والأدب، منها (ذريعة الناهض - ط) منظومة في الفرائض، و(رشفة الصادى في مناقب بني الهادي - ط)، و(الترياق النافع بإيضاح جمع الجوامع - ط)، و(سلالة آل باعلوي - ط)، و(ديوان شعر - ط)، و(إقامة الحجة على ابن حجة - ط) في نقد بديعية ابن حجة الحموي، و(نزهة الألباب في رياض الأنساب).

1922م-
1341هـ-