أَماوِيُّ قَدْ طالَ التَّجَنُّبُ وَالْهَجْرُ
قال البغدادي في خزانة الأدب:  وسبب هذه القصيدة هو ما رواه الزجاجيّ في "أماليه الوسطى" قال: :"أخبرنا ابن دريد قال: أخبرني عبد الرحمن عن عمه، وابو حاتم عن أبي عبيد قالا: كانت امرأةٌ من العرب من بنات ملوك اليمن ذات جمال وكمال، وحسب ومال، فآلت أن لا تزوّج نفسها إلاّ من كريم، ولئن خطبها لئيم لتجدعنّ أنفه، فتحاماها الناس حتّى انتدب لها زيد الخيل، وحاتم بن عبد الله، وأوس بن حارثة بن لأم الطائيّون، فارتحلوا إليها فلمّا دخلوا عليها قالت: مرحباً بكم، ما كنتم زوّاراً فما الذي جاء بكم؟ قالوا: جئنا زوّاراً خطّاباً، قالت: أكفاء كرام. فأنزلتهم وفرّقت بينهم وأسبغت لهم القرى وزادت فيه؛ فلما كان في اليوم الثاني بعثت بعض حواريها متنكرة في زي سائلة تتعرّض لهم، فدفع إليها زيد وأوسٌ شطر ما حمل إلى كلّ واحدٍ منهما، فلمّا صارت إلى رحل حاتمٍ دفع إليها جميع ما كان من نفقته، وحمل معها جميع ما حمل إليه، فلمّا كان في اليوم الثالث دخلوا عليها فقالت: ليصف كلّ واحد منكم نفسه في شعره؛ فابتدر زيد وانشأ يقول: "البسيط"

هلاّ سألت بني ذبيان ما حسبي         عند الطّعان إذا ما احمرّت الحدق
الأبيات 20
أَمــاوِيُّ قَـدْ طـالَ التَّجَنُّـبُ وَالْهَجْـرُ وَقَــدْ عَــذَرَتْنِي مِـنْ طِلابِكُـمُ الْعُـذْرُ
أَمـــاوِيُّ إِنَّ الْمـــالَ غــادٍ وَرائِحٌ وَيَبْقَـى مِـنَ الْمـالِ الْأَحاديثُ وَالذِّكْرُ
أَمـــاوِيُّ إِنّـــي لا أَقُــولُ لِســائِلٍ إِذا جـاءَ يَوْمـاً حَـلَّ فـي مالِنا نَزْرُ
أَمـــاوِيُّ إِمّـــا مـــانِعٌ فَمُبَيَّـــنٌ وَإِمّــا عَطــاءٌ لا يُنَهْنِهُــهُ الزَّجْــرُ
أَمـاوِيُّ مـا يُغْنِـي الثَّراءُ عَنِ الْفَتَى إِذا حَشـْرَجَتْ نَفْـسٌ وَضـاقَ بِهـا الصَّدْرُ
إِذا أَنــا دَلّانــي الَّــذينَ أُحِبُّهُــمْ لِمَلْحُـــودَةٍ زُلْــجٌ جَوانِبُهــا غُبْــرُ
وَراحُــوا عِجــالاً يَنْفُضــُونَ أَكُفَّهُــمْ يَقُولُـونَ قَـدْ دَمَّـى أَنامِلَنـا الْحَفْـرُ
أَمــاوِيُّ إِنْ يُصــْبِحْ صــَدايَ بِقَفْــرَةٍ مِــنَ الْأَرْضِ لا مــاءٌ هُنــاكَ وَلا خَمْـرُ
تَـرَيْ أَنَّ مـا أَهْلَكْـتُ لَـمْ يَـكُ ضـَرَّني وَأَنَّ يَــدي مِمّــا بَخِلْــتُ بِــهِ صـَفْرُ
أَمـــاوِيُّ إِنّـــي رُبَّ واحِـــدِ أُمِّــهِ أَجَـــرْتُ فَلا قَتْــلٌ عَلَيْــهِ وَلَا أَســْرُ
وَقَــدْ عَلِـمَ الْأَقْـوامُ لَـوْ أَنَّ حاتِمـاً أَرادَ ثَــراءَ الْمـالِ كـانَ لَـهُ وَفْـرُ
وَإِنِّـــيَ لا آلُـــو بِمـــالٍ صــَنيعَةً فَـــــأَوَّلُهُ زادٌ وَآخِــــرُهُ ذُخْــــرُ
يُفَــكُّ بِــهِ الْعــانِي وَيُؤْكَـلُ طَيِّبـاً وَمـا إِنْ تُعَرّيـهِ الْقِـداحُ وَلا الْخَمْـرُ
وَلا أَظْلِـمُ ابْـنَ الْعَـمِّ إِنْ كانَ إِخْوَتي شــُهُوداً وَقَـدْ أَوْدَى بِـإِخْوَتِهِ الـدَّهْرُ
عُنِينــا زَمانـاً بِالتَّصـَعْلُكِ وَالْغِنـى كَمـا الدَّهْرُ في أَيَّامِهِ الْعُسْرُ وَالْيُسْرُ
كَسـَيْنا صـُرُوفَ الـدَّهْرِ لِينـاً وَغِلْظَـةً وَكُلّاً ســـَقاناهُ بِكَأْســَيْهِما الــدَّهْرُ
فَمـا زادَنـا بَـأْواً عَلَـى ذي قَرابَـةٍ غِنانــا وَلا أَزْرَى بِأَحْسـابِنا الْفَقْـرُ
فَقِــدْماً عَصــَيْتُ الْعــاذِلاتِ وَســُلِّطَتْ عَلَـى مُصـْطَفى مـالي أَنـامِلِيَ الْعَشـْرُ
وَما ضَرَّ جاراً يا ابْنَةَ الْقَوْمِ فَاعْلَمِي يُجـــاوِرُني أَلَّا يَكُـــونَ لَــهُ ســِتْرُ
بِعَينَــيَّ عَــنْ جــاراتِ قَـوْمِيَ غَفْلَـةٌ وَفـي السـَّمْعِ مِنّـي عَـنْ حَـديثِهِمِ وَقْرُ
حاتم الطّائيّ
52 قصيدة
1 ديوان

حاتم الطّائيّ، يُكنى بأبي سفّانة وأبي عَدِيّ، أحدُ ساداتِ قبيلةِ طَيِّئ في الجاهليّة، وأحدُ أشهرِ الشّخصيّات العربيّة في الكرم والجود ومكارمِ الأخلاق، تُوفّي أبوه وهو صغير وكفله جدّه، ثمّ تخلّى عنه بعد ما رأى إسرافَه في الجُود وتبذيرَه للمال، لكنّه بلغَ في قومِهِ مكانةً عاليةً منذ فترةٍ مبكّرةٍ من حياته، واتّصلَ بملوك عصرِهِ من المناذرة والغساسنة وكان ذا حظوةٍ وتقديرٍ لديهم، اشتُهِرَ بقصصِه الكثيرةِ وأخباره الواسعة في مكارم الأخلاقِ، وعلى رأسها الجود، والعفّة، وحسن الجوار، والصّدق، والوفاء، والشّجاعة، وغيرها. عدّه ابنُ قتيبة من الشّعراء الجيّدين، وأكثرَ أصحابُ كتب الحماسة من اختيار مقطوعاته في الحكمة ومكارم الأخلاق

606م-
17ق.هـ-