ديوان الأسرار و الرموز ، أسرار إثبات الذات و رموز نفي الذات (أسرار خودي و رموز بيخودي )، نقله إلى العربية شعراً الدكتور عبد الوهاب عزام .
( مدخل إلى الديوان ):
نشر الشاعر الفيلسوف محمد إقبال أول دواوينه الفلسفية ( أسرار خودي) سنة 1915 م، و هو منظومة طويلة في بحر واحد ، و على القافية المزدوجة ، مقسمة إلى فصول يوضِّح فيها الشاعر فلسفته في الذاتية فكرة بعد فكرة ، و يصورها في صور شعرية رائعة .
ثم نشر ديوانه الثاني المتصل بهذا الديوان ( رموز بي خودي) ، و هي كلمة فارسية تدل على الأثرة و الإعجاب بالنفس، و لكن إقبالاً نقلها إلى معنى آخر جعله قاعدة فلسفته، هو تعرف الإنسان نفسه ، و تقويتها ، و إخراج ما أودع فيها من مواهب.
رأى الصوفية في الذاتية أمراً نكراً ؛ إذ كان _بزعمهم_ يقصد إلى إذلال النفس و إماتتها حتى تؤهل للفناء في الله.
و زاد الصوفية ثورة على شاعر الحياة و القوة أنه عمد إلى إمام من أئمتهم و شاعر من أعاظم شعرائهم ( لسان الغيب حافظ الشيرازي) فحطَّ من شأنه و غضَّ من طريقته ، و نهى الناس عنها ، و حذرهم منها ، كذلك خالف محيي الدين ابن عربي الملقب بالشيخ الأكبر ، و غلَّطه ، و قال : إن آراءه غير إسلامية .
و قد أجاب إقبال المعترضين أجوبة منها قوله في رسالة إلى الشيخ حسن نظامي:
إني بفطرتي و تربيتي أنزع إلى التصوف ، و قد زادتني فلسفة أوربا نزوعاً إليه، فإن هذه الفلسفة في جملتها تنزع إلى وحدة الوجود؛ و لكن تدبر القرآن المجيد، و مطالعة تاريخ الإسلام بإمعان عرفاني غلطي ، و بالقرآن عدلتُ عن أفكاري الأولى ، و جاهدتُ ميلي الفطري ، و حدْتُ عن طريق آبائي .
إن الرهبانية ظهرت في كل أمة و عملت لإبطال الشريعة و القانون ؛ و الإسلام
في حقيقته هو دعوة إلى مخالفة الرهبانية .
و التصوف الذي شاع بين المسلمين _أعني التصوف العجمي_ أخذ من رهبانية كل أمة ، و جهد أن يجذب إليه كل نِحلة ، حتى القرمطية التي قصدت إلى التحلل من الأحكام الشرعية .
إن حالة السكر _في اصطلاح الصوفية_ تنافر الإسلام و قوانين الحياة ، و حالة الصحو _ و هي الإسلام_ توافق قوانين الحياة ، و إنما قصد الرسول صلى الله عليه و سلم إنشاء امة صاحية ، و لهذا نجد في صحابة الرسول الصديق ، و الفاروق ، و لا نجد حافظاً الشيرازي ..
و لا أنكر عظمة الشيخ ابن عربي و فضله ، بل أعده من كبار فلاسفة المسلمين، و لا أرتاب في إسلامه ؛فإنه يحتج لعقائده ، كقوم الأرواح، و وحدة الوجود ، بالقرآن مخلصاً ، فآراؤه على صوابها و غلطها قائمة على تأويل القرآن .
و أرى أن تأويله غير صحيح ، فأنا أعده مسلماً مخلصاً ، و لا أتبعه في مذاهبه .
و يقول في رسالة أخرى إلى أحد المعترضين :
الحق أن التماس معانٍ باطنة في قانون أمة ، هو مسخٌ لهذا القانون ، كما يعلم من سيرة القرامطة ، و لا يختار هذه الطريقة إلا أمة في فطرتها الخنوع و الذلة.
و في شعراء العجم جماعة في طباعهم الميل إلى الإباحة ... و قد افتنَّ هؤلاء الشعراء في إبطال شعائر الإسلام بأساليبَ عجيبة خداعة .
و في رسالة أخرى إلى هذا المعترض نفسه ، يقول إقبال:
كل شعر التصوف ظهر في زمان ضعف المسلمين السياسي ، و كل أمة يصيبها ضعف كالذي أصاب المسلمين بعد غارات التتار ، تتبدل أنظارها ، و تجمُل الاستكانة في أعينها ، و تركن إلى ترك الدنيا ، و في هذا الترك تخفي ضعفها و هزيمتها في تنازع البقاء.
( خلاصة المقدمة التي كتبها إقبال لأسرار خودي ) :
ما هذا الشيء الذي نسميه (أنا) أو (خودي) أو (مين)
الذي يبدو في أعماله و يخفى في حقيقته ، و الذي يخلُق كل المشاهدات ، و لكن لطافته لا تحتمل المشاهدة ؟ أهو حقيقة دائمة أم أن الحياة تجلت في هذا الخيال الخادع ، و هذا الكذب النافع ، تجلياً عرضيَّاً لتحقيق مقاصدها العملية الراهنة ؟
إن سيرة الأفراد و الجماعات موقوفة على جواب هذا السؤال... و لكن جواب هذا السؤال لا يتوقف على المقدرة الفكرية في الآحاد و الجماعات ، كما يتوقف على طباعها و فطرتها ، فأمم الشرق المتفلسفة أميل إلى أن تعتبر ( أنا ) في الإنسان من خداع الخيال ، و هي تعدُّ الخلاص من هذا الغُلِّ نجاة ، و ميلُ أهل الغرب إلى العمل ساقهم إلى ما يلائم طباعهم في هذا البحث .
و يمضي إقبال في مقدمته قائلاً :
اختلطت في عقول الهنادك و قلوبهم النظريات و العمليات اختلاطاً عجيباً ، و دقق حكماؤهم في حقيقة العمل ، و انتهوا إلى هذه النتيجة : إن حياة (أنا) المسلسلة ، و هي أصل المصائب و الآلام ، تنشأ من العمل ، و إن حالة النفس الإنسانية نتيجة محتومة لأعمالها .
و كانت رسالة الإسلام في غربي آسيا دعوة إلى العمل بليغة ، فالإسلام يرى أن ( أنا) مخلوق ينال الخلود بالعمل ، و لكن تشابهاً عجيباً في تاريخ الفكر الهندي و الإسلامي ، يظهر في بحث هذه المسألة ، فالفكرة التي فسر بها ( شنكر أجاريه ) ، كتاب جيتا ( كيتا) هي الفكرة التي فسر بها القرآن محيي الدين بن عربي الأندلسي ، و كان له أثر بليغ في عقول المسلمين و قلوبهم ، جعل ابن عربي بعلمه و مكانته مسألة وحدة الوجود عنصراً في الفكر الإسلامي ، و اقتفى أثره أوحد الدين الكرماني ، و فخر الدين العراقي ، حتى اصطبغ بهذه الصبغة كل شعراء العجم في القرن السادس الهجري .
خاطب فلاسفة الهند العقل في إثبات وحدة الوجود ، و خاطب شعراء إيران القلب ، فكانوا أشد خطراً و أكثر تأثيراً ، حتى أشاعوا بدقائقهم الشعرية هذه المسألة بين العامة ؛ فسلبوا الأمة الإسلامية الرغبة في العمل .
و تمتاز أمم الغرب بين أمم العالم بميلها إلى العمل ، فآراؤهم خيرُ دليل لأمم المشرق إلى فهم أسرار الحياة.
و بدأت الفلسفة الجديدة في الغرب من وحدة الوجود التي دعا إليها الفيلسوف الهولندي الإسرائيلي ( اسبنوزا ) و لكن مسحة العمل غلبت على طبائع الغرب ، فلم يلبث طويلاً طلسم وحدة الوجود التي أُثبتتْ بأدلة رياضية ، سبق الألمان إلى إثبات حقيقة(أنا) الإنسانية المستقلة ، ثم تحرر من هذا الطلسم الخيالي فلاسفة الغرب على مر الزمان و لا سيما فلاسفة الإنكليز .
و يختم إقبال بقوله:
هذه خلاصة تاريخ المسألة التي هي موضوع هذه المنظومة ، و قد اجتهدت أن أحرر هذه المسألة الدقيقة من تعقيد الأدلة الفلسفية ، و ألونها بألوان الخيال ليتيسر إدراك حقيقتها .
و لم أقصد بهذه الديباجة إلى تفسير هذه المنظومة ، و لكن أردت أن أدل على الطريق من لم يُلِمَّ من قبل بدقائق هذه المسألة العسيرة .
و لا ينبغي هنا أن أتناول هذه المنظومة من حيث الشعر، فإنما خيال الشعر فيها وسيلة إلى توجيه الناس إلى هذه الحقيقة :
إن لذة الحياة مرتبطة باستقلال (أنا) و بإثباتها ، و إحكامها ، و توسيعها، و هذه الدقيقة تمهد إلى فهم حقيقة ( الحياة بعد الموت ) .
و ينبغي أن يعلم القراء أن لفظ (خودي) لا يستعمل في هذه المنظومة بمعنى الأثرة كما تستعمل في اللغة الأردية غالباً ، إنما معناها الإحساس بالنفس أو تعيين الذات .
و هي بهذا المعنى في كلمة ( بيخودي ) كذلك.
( خلاصة مقال الشاعر إلى الأستاذ نكلسون ):
مذهب الأستاذ بريدلي أن كل مركز للشعور محدود ، أي كل ذات مفردة ، خداع نظر باطل ، و أنا أقول على خلاف هذا : إن مركز الشعور المحدود الذي لا يدرك ( الذات) هو حقيقة الكائنات ، فالذات حق لا باطل .
الحياة كلها فردية ، و ليس للحياة الكلية وجود خارجي ، و حيثما تجلت الحياة تجلت في شخص أو فرد أو شيء ، و الخالق كذلك فرد ؛ و لكنه أوحد لا مثل له.
وظاهرٌ أن هذا التصور للكائنات يخالف كل المخالفة ما ذهب إليه شراح فلسفة هيكل من محدثي الإنكليز ، و يخالف أصحاب وحدة الوجود الذي يرون أن مقصد حياة الإنسان : أن يفني نفسه في الحياة المطلقة أو (أنا) المطلق ، كما تفنى القطرة في البحر .
أرى أن هدف الإنسان الديني و الأخلاقي ، إثبات ذاته لا نفيها ، و على قدر تحقيق انفراده أو وحدته ، يقرب من هذا الهدف .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( تخلقوا بأخلاق الله )) ، فكلما شابه الإنسان هذه الذات الوحيدة كان هو كذلك فرداً بغير مثيل .
و تنقص فرديته على قدر بعده من الخالق ، و الإنسان الكامل هو الأقرب إلى الله ، و لكن ليس القصد من هذا القرب أن يفني وجوده في وجود الله _ كما تقول فلسفة الإشراق_ بل هو على عكس هذا ، يمثل الخالق في نفسه .
الحياة رقيٌّ مستمر ، تسخر كل الصعاب التي تعترض طريقها ، و حقيقتها أن تخلق دائماً مطالب و مُثلاً جديدة ، و قد خلقت من أجل اتساعها و ترقيها آلات كالحواس الخمس و القوة المدركة لتقهر بها العقبات و المشقات .
و أشد العقبات في سبيل الحياة : المادة أو الطبيعة ، و لكن المادة ليست شراً كما يقول حكماء الإشراق ، بل هي تعيين الذات على الرقي ، فإن قوى الذات الخفية تتجلى في مصادمة هذه العقبات .
و إذا قهَرت الذات كل الصعاب التي في طريقها بلغت منزلة الاختيار ، الذاتُ نفسها فيها اختيار ،و جبر ، ولكنها إذا قاربت الذات المطلقة نالت الحرية الكاملة ، و الحياة جهاد لتحصيل الاختيار ، و مقصد الذات أن تبلغ الاختيار بجهادها .
(دوام الذات أو الشخصية):
مركز حياة الإنسان ذات (خودي) أو شخص ، أعني : أن الحياة حينما تتجلى في الإنسان تسمى ذاتاً .
و شخصية الإنسان _من الجهة النفسانية _ حال من التوتر ، و دوام الشخصية موقوف على هذه الحال ، فإن زالت هذه الحال عقبتها حال من الاسترخاء مضرة بالذات ، فإن لم يكن في حالة التوتر هذه كمال الإنسان فأول فرض عليه أن يعمل لدوام هذه الحال و الحيلولة دون حال الاسترخاء .
و كل ما يمكِّننا من إدامة حال التوتر يمكِّننا من الخلود .
و هذا التصور للشخصية يقوم معياراً ليقيِّم الأشياء ، أعني أن في ذاتنا معيار الحسن و القبح ، و بهذه تُحلُّ مسألة الخير و الشر ، فما يقوي الذات خير و ما يُضعفها شر، و يجب أن يقوم الدين و الأخلاق و الفنون بهذا المعيار أيضاً .
و اعتراضي على أفلاطون هو في أصله اعتراض على كل النظم الفلسفية التي تقصد إلى الفناء لا البقاء و التي تُغفل المادة ، و هي أكبر العقبات في سبيل الحياة ، و تدعو إلى الفرار منها لا إلى تسخيرها و التسلط عليها .
و كما تعرض مسألة المادة في مبحث حرية الذات ، تعرض مسألة الزمان في مبحث خلودها .
يقول برجسون : إن الزمان ليس خطاً ممتداً إلى غير نهاية يتحتم علينا المرور به ، هذا التصور للزمان غير صحيح ، فالزمان الخالص لا يدخل فيه تصور الطول، أي لا نستطيع قياسه بمقياس الليل و النهار .
إن خلود الذات أمل ، من أراد أن يظفر به فليجدَّ و يدأب لبلوغه ، و الظفر به موقوف على أن نسلك طريقاً للفكر و العمل في هذه الحياة يعيننا على حفظ حالة التوتر، و لا يستطيع إبلاغنا هذا الأمل دين بوذا و التصوف العجمي ، و ما إلى هذين من نظم الأخلاق الأخرى ، لقد أضرت بنا هذه الطرق فأضرعتنا و أنامتنا ، إن هذه المذاهب هي الليالي في أيام حياتنا .
( تربية الذات):
لا ريب أن الذات تستحكم بالعشق، و مفهوم العشق هنا واسع جداً ، و معناه : إرادة الجذب و التسخير ، و أعلى أشكاله أن يخلق مقاصده و يجد في نيلها ، و خاصة العشق إفراد العاشق و المعشوق ، أعني : إظهار الانفراد و الاستقلال فيهما ، و إذا جدَّ الطالب في طلب الأوحد الأسمى ظهر فيه التوحد ، و يتحقق ضمناً توحُّد المطلوب ؛ لأنه إن لم يكن واحداً مستقلاً بنفسه لم يسكن الطالب إليه ، إنما يمكن عشق شخص أو وجود معين ، و لا يمكن لشخص عشق كائن غير مشخص.
و كما تستحكم الذات بالعشق تضعف بالسؤال ، و كل ما ينال بغير جهدٍ يعد سؤالاً ، فالذي يرث مال غيره سائل ، و الذي يتبع أفكار غيره أو يدَّعيها لنفسه سائل .
و الخلاصة : أنه ينبغي _لأجل إحكام الذات_ أن نخلق في أنفسنا العشق ، و نتجنب كل ضروب الاستجداء ( أي البطالة) .
إن في حياة الرسول صلى الله عليه و سلم : أسوة حسنة للمسلم ، فقد كانت حياته خير مثل للسعي الدائم ، لقد كانت حياته كلها صورة للعمل .
أشرت في فصول من هذا (المثنوي) إلى أصول فلسفة الأخلاق الإسلامية ، و بينت أن لكمال الذات ثلاث مراحل :
(1)إطاعة القانون الإلهي
(2)و ضبط النفس
(3)و النيابة الإلهية
و النيابة الإلهية في هذه الدنيا هي أعلى درجات الرقي الإنساني ، و نائب الحق ( الله) خليفة الله في الأرض ، و هو أكمل ذات تطمح إليها الإنسانية ، و هو معراج الحياة الروحي .
و أول شرط لظهور نائب الحق أن ترقى الإنسانية في جانبيها الروحي و الجسمي ؛ فإن ارتقاء الإنسانية يقتضي ظهور أمة مثالية يتجلى في أفرادها _ في الجملة_ هذا التوحد الذاتي ، و تصلح لأن يظهر فيها نائب الحق .
فمعنى سلطان الله في الأرض : أن تقوم فيها جماعة شورية يتوحَّد أفرادها ، ويقوم على هذه الجماعة واحد يمكن أن يسمى نائب الحق أو الإنسان الكامل ، و هذا الإنسان الكامل يبلغ ذروة الكمال التي لا تتصور فوقها ذروة .
و لقد رأى نطشه ( الفيلسوف الألماني المعروف) ضرورة ظهور هذه الأمة المثالية ، و لكن دهريته و إعجابه بالسلطان مسخا فلسفته كلها ا.ه
هذه خلاصة رسالة إقبال على الأستاذ نكلسون ، و حسبنا في إيضاح مذهبه ما قدمنا من تلخيص رسائله و مقدمته لأسرار الذات ، و رسالته إلى نكلسون .