أطغت عباد اللَه وهي عبيد
الأبيات 79
أطغــت عبــاد اللَـه وهـي عبيـد فــالأرض مـن ثقـل الـذنوب تميـد
قـد صـار عالمهـا الجديـد بليـةً يـا ليـت ماضـي العـالمين يعـود
ويلاه لا إيمـــــانهم مســــتحكمٌ فيهـــم ولا وجـــدانهم موجـــودٌ
لـم يبـق عـن كـذب المقال كمائم لهــم وعــن قبـح الفعـال قيـود
كـم يـدعون العـدل فـي زمـن جرى للعـــدل فيـــه مــأتم مشــهود
هـم أضـرموا الحرب التي من شرها قـد كـاد ينقـرض الـورى المنكود
أمــم البريـة قـد أظـل جموعهـا فـي الغـرب أفـق غيمـه البـارود
بيــض وسـود فـي الصـفوف كـأنهم ســــبجٌ ودر والصـــفوف عقـــود
يتــذامرون علـى الفنـاء كأنمـا طمــس الخليقــة مــأرب مقصــود
فــي كــل صــوب للحـراب بـوارقٌ أو للمــدافع فـي السـماء رعـود
أقصــمت مــا شـبح يولـح لنـاظرٍ إلا ســـــلاح لامـــــع وجنــــود
فـالأرض أشـرقها الدم الجاري كما خنــق السـماء دخانهـا المعقـود
فتحـوا جهنـم وارتمـوا في نارها مــن قبــل أن يرميهـم المعبـود
نــارٌ لـو أن اللَـه لـم يتلافهـا أكــل الوجـود لسـانها الممـدود
هــي حــرب تـدمير ومحـو مالهـا بيــن الحــروب السـالفات نديـد
طــالت فمـات قتيلهـا فـي حينـه وكــذاك مــات أسـيرها المصـفود
جمـدت لهـا الـدنيا فما حركاتها وابيـــك إلا الزحــف والتجريــد
وتعطلــت كــل المشــاغل عنـدها فالشــغل فــي أعبائهــا محـدود
نبغـوا بإنبـاط الـردى وتفننـوا وتوافـــق التوليــد والتقليــد
مــن جــر تهلكــة وأيتـم إلـدةً لأخيــه فهــو النــابغ المعـدود
وتــوحش البشــر الأنيــس كأنمـا أبنــــاء آدم أضـــبعٌ وفهـــود
فغـدت مخالبهـا السـلاح المنتضـى وغـدا الوجـار الخنـدق المخـدود
يمشـي المقاتـل في العراء وجلده أبـــداً بريـــحٍ شــمأل مجلــود
ولقــد يكــون مـبيته فـي خنـدق وفراشــه تحــت الســماء جليــد
وأمــامه القتلــى فــراش طـائر عـــن منكــبيه وســاعد مقــدود
والجــو نــار والكــرات صـواعق والقتــل جــرف والصــياح فديـد
فكــأن جـرم الأرض مخسـوف الـثرى وكــأن بنيــان الســما مهــدود
كـم مـن رحيـم القلـب أسلم أهله للجــوع حيــن اضــطره التجنيـد
أجليـــدة أم البنيــن وعنــدما طفــل يـبيت علـى الطـوى ووليـد
يـا حسـرة تلـك الجـوازل خانهـا رغــد المعيشــة والهـديل بعيـد
فرغــت حواصــلها وأنسـل ريشـها ثــم اعتراهــا بعــد ذاك همـود
هـذا جنـاه بنـو التمدن فاعجبوا كيـــف التمــدن متلــف ومبيــد
زعمـوا القتـال لأجل منفعة الورى دعــوى تقــال ومـا هنـاك شـهود
قــد صـوروه مطـرةً تحيـي الـثرى والنبـت مـن بعـد القطـار يجـود
فـإذا الـثرى قـد هـار حـتى أنه لــم يبــق منــه للنبـات صـعيد
أو ليـس شـبان الزمـان هم الأولى أفنــت سـوادهم المنايـا السـود
أســفاً بفاتحــة الحيـاة تفتحـت فــي الـترب أرمـاس لهـم ولحـود
ويـل الأولـى جـروا إليهـم حتفهم أن النكيـــر عليهـــم لشـــديد
حرمـوا البريـة عونهـا وعتادهـا فــالكون منهــوك القـوى مجهـود
وكـذا السـوا عـدان غـدت مبتورة لــم تغــن عنهــا أعيـن وخـدود
لـو كـان فتيـان الخليقـة بيننا مـا كـان هـذا الضـنك والتنكيـد
جلـب الخـراب إلـى البسيطة كلها أهــل الرئاسـة والملـوك الصـيد
عجبـاً لرهـط قومـوا أمـم الـورى وهـم علـى الفـرش الـوثير قعـود
العصـر عصـر الموبقـات وإن بـدا فــي عينــك التحسـين والتجويـد
لا تخـــدعنك للجنـــازة زينـــة تحــت القطيفــة والحريـر صـديد
منـوا عليهـا أنهـم وهبـوا لنـا مدينـــةً نعلـــو بهــا ونســود
مدينـــة أضـــحت لنــا نديمــةً قولـوا لهـم لا كـان هـذا الجـود
ردوا إليكــم كــل مــا أعطيتـم إن الرديــــء لأهلـــه مـــردود
فســدت طبـاع العـالمين وأخلقـت حلــل الفضــائل والزمـان جديـد
وتأصــل الكــذب الصــميم كـأنه وأبيــك مــع مولــودهم مولــود
لا عنــدهم شـرف الحفـاظ ولا لهـم قـــول بمــا هــم وادون أكيــد
لــو كــان عاصـرهم لبيـدٌ برهـةً يـا ليـت شـعري مـا يقـول لبيـد
دفنـوا الضـمائر في حفائر بغيهم لا لـــوم يأخـــذهم ولا تفنيـــد
فـالظلم فـي كنـف الحضـارة رائع والعـدل فـي قفـر القفـار شـريد
كـــل الوجــود طماعــةٌ وخلابــة وجــزاء مصــطنع الجميــل جحـود
والناس قد خاضوا الفواحش فارتمى فيهــا فتــاهم والفتـاة الـرود
فشــت الـدعارة والزعـارة جهـرة والحــاكمون علـى العبـاد رقـود
يـا أيهـا العظمـاء سـواس الورى أفمــا بكــم حـر الخصـال حميـد
أغرقتــم الثقليـن فـي أطمـاعكم تلــك الخضــارم مـا لهـن حـدود
حركتــم الــدنيا بمــا أحـدثتم أفمــا لهـا حـتى المعـاد ركـود
ي كـــل وجـــه فتنــةٌ مشــبوبةٌ أفمــا لتلــك النــائرات خمـود
مـا أكـثر الحمقـى فهم قد عكروا وغـدا سـواهم فـي الغـدير يصـيد
يرجـو بكـم دفـع الخطوب وقد نرى إن الخطــوب مــع الزمـان تزيـد
وخلافكـــم أصـــل البلاء وســـره هـــذا يخــرب حيــن ذاك يشــيد
لـو كـان نصـر الحـق من غاياتكم جمــع الشـتات المطلـب المنشـود
وعنــت لكـم كـل الشـعوب فإنمـا شـــأن الخلائق قـــائد ومقـــود
كـم تطـرئون العـدل فـي كلماتكم والعــدل أجمــع عنــدكم مفقـود
هــذي القلادة قـد وصـفتم حسـنها حـــتى عرفنــاه فــأين الجيــد
أكــثرتم رقــم العهــود فإنمـا قـــد كلــت الأقلام وهــي حديــد
كــم مــن رقيـم أصـبحت فقراتـه عبثــاً كــأن العهـد فيـه قصـيد
إن كنتــم أخفرتـم مـا قـد مضـى مهلاً فمـــاذا ينفـــع التجديــد
العهــد كالقــانون يقبـح نقضـه وكلاهمـــا فـــي بــابه تقييــد
فـإذا وهـي قيـد المـروءة بينكم فــالخلق فوضــى والـدمار عتيـد
كــم قــد سـمعتم للقـوي جـداله فــي الأمــر وهــو مكـابرٌ مريـد
ثــم احتقرتــم للضــعيف مقـاله مــن غيــر ذنـبٍ والمقـال سـديد
بالسـيف تمتنـع الحقـوق وتحتمـي والقــول دون الصـول ليـس يفيـد
فـاعلم طبـائع أهـل عصـرك إنمـا هــذا لهــا التعريـف والتحديـد
مـا زال فـي البشر الضعيف معاشر ســنن الهدايــة دونهــم مسـدود
لا بــد يصـحو النـاس كـل النـاس ســكر الضــلال ويحطــم النـاجود
نسيب أرسلان
79 قصيدة
1 ديوان

نسيب بن حمود بن حسن بن يونس أرسلان.

شاعر، من الكتاب المفكرين، من نوابغ الأمراء الأرسلانيين، ولد في بيروت، وتعلم بالشويفات، ثم بمدرسة الحكمة ببيروت، وأولع بشعر الجاهليين والمخضرمين، فحفظ كثيراً منه، وقال الشعر وهو في المدرسة، فنظم (واقعة سيف بن ذي يزن مع الحبشة) في رواية ذات فصول، وأتم دروسه في المدرسة السلطانية ببيروت. وعين مديراً لناحية الشويفات (بلبنان) فأقام نحو عشر سنوات، محمود السيرة، واستعفى، وسكن بيروت. ولما أعلن الدستور العثماني انتخب رئيساً لنادي جمعية الاتحاد والترقي في بيروت. ثم نقم على الاتحاديين لسوء سيرتهم مع العرب، فانفصل عنهم، وانضم إلى طلاب (اللامركزية) وأخذ ينشر آراءه في جريدة (المفيد) البيروتية، فكان لمقالاته فيها أثر كبير في الحركة العربية، ثم استمر مدة يلاحظ تحرير تلك الجريدة متطوعاً. كان مجلسه في مكتبها مجمع الكتاب والادباء وقادة الرأي. ولما نشبت الحرب العامة (سنة 1914م) انقطع عن أكثر الناس ولزم بيته. ثم انتقل إلى الشويفات (سنة 1915) وانصرف إلى استثمار مزارعه ومزارع شقيقيه شكيب وعادل، ولم يزل في انزوائه إلى أن توفي، وكان أديباً متمكناً، جزل الشعر، حلو المحاضرة، سريع الخاطر في نكتته وإنشائه، بعيداً عن حب الشهرة، يمضي مقالاته في المفيد باسم (عثماني حر).

1927م-
1346هـ-