تنفَّسَ عن وَجْدٍ تَوقَّدَ جمرُهُ
الأبيات 60
تنفَّـــسَ عــن وَجْــدٍ تَوقَّــدَ جمــرُهُ فــأجرى مَسـيلَ الـدَّمع يَنهـلُّ قَطـرُهُ
وبــات يعــاني الهَـمَّ ليـس ببـارحٍ علـــى قلبـــه إقـــدامه ومكــرُّه
تمنّـى ومـا يغنـي التمنّـي مطالبـاً حَــرِيٌّ بــه لــولا الدَّنيَّــةُ دهــره
ودون أمــــانيه عــــوائق جمّـــة يضـيق لهـا فـي المنزل الرحب صدره
تحمَّــل أعبــاءُ المتــاعب والتقـى علــى غــرّة صــرف الزمـان وغـدره
وأشــقى بنـي هـذا الزمـان أريبـه وأتعــبُ مـن فيـه مـن النَّـاس حـرُّه
وربَّ خميــص البطــن ممــا يشــينه ينـــوءُ بأثقـــال الأُبــوَّة ظهــره
لــه كــلّ يــوم وقفـة بعـد وقفـة يهيـــجُ جـــوى أحشـــائه وتقــرّه
يطــول مــع الأيــام فيهـا عتـابه ويســـهر ليلاً مـــا تبلّــجَ فجــره
يشــيم سـنا بـرق المطـامع وامضـاً تـــــألَّقَ إلاَّ إنّـــــه لا يغــــرّه
فأمســى يغــضّ الطـرف عنـه ودونـه وقـوف الفـتى يفضي إلى الضّيم أمره
وحــالَف مختـاراً إلـى العـزّ نفسـه إبـاءً ولـم يُؤْخَـذْ علـى الـذُّلِّ إصره
بنفسي امرؤ يقسو على الدهر ما قسا ولــم يتصــدَّع فـي الحـوادث صـخره
إذا مـا رأى المرعـى الـدنيّ تنوشُه يَـدُ الـرذل يُسـتحلى مـع الهون مرُّه
تنــاول أفنــان الخُصاصـة وارتـدى بفاضــل ذيــل الفخـر يُسـْحَبُ طمـره
جليــد علــى عُسـر الزمـان ويُسـره ومــا ضــَرَّه عًســًر الزمـان ويسـره
فلا البـــؤسُ والإقلال ممــا يســوؤه وليــس ثــراءُ المــال ممـا يسـره
لئن تخْلِــص الإبريــزَ نــارٌ تـذيبه فمــا نَفْعُــه إلاَّ بمــا قــد يضـره
فقــد أخْلَصـَتْ نـارُ التجـارب سـَبكَه إلـى أنْ صـفا مـن شائب الزُّيف تبرُه
قريـبُ مجـاني الجـود مـن مسـتميحه بعيـدٌ علـى مـن سـامَهُ الخسـفَ غَوْرُه
فلا يــأمننَّ الــدهرَ مكــري فـإنَّني مـن القـوم لـم يؤمن بمن ساء مكره
ومـا أنـا بالمـدفوع إن ضـيم شـرّه ولا أنــا بـالممنوع إن سـيمَ خيـره
منحـتُ الصّبا عذب الموارد في الهوى بمبتســم بــاللؤلؤ الرطــب ثغـره
قضــيتُ بــه عهــد الشـباب وعصـره فهــل راجــعٌ عهـدُ الشـباب وعصـره
تفتَّـــحَ نـــوّار المشــيب بلُمَّــتي وأينــعَ فــي روض الشــبيبة زهـره
ومـا فـاتني هـذا الوقار الَّذي أرى إذا فــاتني وصــل المليـح وهجـره
صـحا والهـوى العـذريُّ بـاقٍ خمـاره بنشــوانَ مـن خمـر الصـبابة سـكره
معــذّبتي مــن غيــر جُـرم يلومهـا وأعــذبُ شــيءٍ فــي هــواكِ أمَــرُّه
أرابـــك منِّــي أنْ أقمــتُ بمــوطن تجـــوعُ ضـــواريه وتشــبع حمــره
وكيـف أخـاف الفقـر أو أُحْرَم الغنى وهــذا نــدى عبــد الغنـيّ ووفـره
فلا زال موصــولاً مــن اللــه لطفـه إلــيَّ ومســبولاً مــن اللــه سـتره
بأبلـــج وضـــاح الجــبين أغــرّه فللـــه وضـــّاح الجـــبين أغــرّه
كمـا لـم يـزل منِّـي عليـه ولم يَزلْ ثنــائي علــى طـول الزمـان وبـرّه
كفــاني مهمّــات الأمــور جميعهــا فمـا سـرَّني أن سـاءني الـدهر غيره
ومـا بـات إلاَّ وهـو في الخطب كالئي بطــرف يريـع الـدهر إذ ذاك شـزره
ومـــا لامــرئٍ عنــدي جميلاً أعــدُّه وكيـف وقـد غطّـى علـى البحـر نهره
وإنَّ الجميــل المحـضَ معنـىً وصـورةً خلائقـــه بيـــن الأنـــام وذكــره
حيــاة جميـل الصـنع فيهـا حيـاته وعمــر المعــالي والأبــوّة عمــره
حيــاض العطــاء المســتفاض أكفُّـه ومــن فيضـها جـزل العطـاء وغمـره
يميــنٌ كصـوب المـزن يهـرق جودهـا ووجـه كـروض الحـزن قـد راق بشـره
دعـاه إلـى المعـروف مـن نفسه لها وتلـــك ســـجاياه وذلـــك طــوره
أدَرَّتْ لــــه أخلاف كُــــلِّ حَلوبَـــةٍ مــن المجــد حتَّــى قيـل للـه دَرُّه
تنصــّل هـذا الـدهر مـن ذنبـه بـه فلا تعتبــنّ اللَّيــل والصـبح عـذره
فمــا ذنبــه مـن بعـد ذلـك ذنبـه ولا وزره مـــن بعـــد ذلـــك وزره
ولـي منـه مـا أهـدي لـديه وأبتغي ومنِّـي لـه المـدح الَّـذي طـاب نشره
فيــا قمــراً فــي أُفـق كـلّ أبيّـةٍ سـريع إلـى المعـروف والـبرّ سـيره
فــداؤك نفســي والمنــاجيب كلّهـا ومــن سـرَّه فـي النَّـاس أنَّـك فخـره
أفـي النَّـاس إلاَّ أنـتَ مـن عَـمَّ خيرُه بيــوم علــى الـدنيا تطـايَرَ شـرّه
ومـا غيـرك المـدعوُّ إن شـبَّ جمرهـا وأنشــبَ نـابُ الخطـب فينـا وظفـره
قــواضٍ علــى صـرف الحـوادث بيضـه مــواضٍ لعمـري فـي الكريهـة سـمره
إذا مـا غـزا معروفـه النكـر مَـرَّةً فللـــه مغـــزاه وبــالله نصــره
تــدفَّق فــي حــوض المكـارم جـوده وحَلَّــق فــي جَـوٍّ مـن الفخـر صـقره
فهــل يَعْلَمَــنَّ المجــدُ أنَّـك فخـره وهــل يعْلَمــنَّ الجــود أنَّـك بحـره
ومستعصـــم بــالعزِّ منــك وثــوقه إليــك إذا هــاب الــدنايا مفـره
ومــا خَفَيــت حــال عليـك ظهورهـا وكيــف وســرُّ العَبــد عنـدك جهـره
فلا تحســـبنِّي مــن ثــراك مملّقــاً ورُبَّ غنـــيٍّ ليـــس يـــبرح فقــره
وليــس فقيــراً مــن رآك لـه غنـىً ولا آيسـاً مَـن أنـتَ مـا عـاش ذخـره
فشــكراً لأيـديك الَّـتي قـد تتـابعت إلــيَّ بمــا يسـتوجب الحمـد شـكره
ولـو نظـم الجـوزاء فيـك لمـا وفى بهــا نظمـه المُثنـي عليـك ونـثره
ومـــا يملأ الأقطـــار إلاَّ ثنـــاؤه ويعـــذُب إلاَّ فـــي مــديحك شــعره
الأخرس
377 قصيدة
1 ديوان

عبد الغفار بن عبد الواحد بن وهب.

شاعر من فحول المتأخرين، ولد في الموصل، ونشأ في بغداد، وتوفي في البصرة.

ارتفعت شهرته وتناقل الناس شعره، ولقب بالأخرس لحبسة كانت في لسانه.

له ديوان يسمى (الطراز الأنفس في شعر الأخرس -ط).

1873م-
1290هـ-