مَحَا الْبَيْنُ مَا أَبْقَتْ عُيُونُ الْمَهَا مِنِّي
الأبيات 55
مَحَـا الْبَيْنُ مَا أَبْقَتْ عُيُونُ الْمَهَا مِنِّي فَشـِبْتُ وَلَـمْ أَقْـضِ اللُّبَانَـةَ مِـنْ سـِنِّي
عَنَـــاءٌ وَيَـــأْسٌ وَاشــْتِيَاقٌ وَغُرْبَــةٌ أَلا شـَدَّ مَـا أَلْقَـاهُ فِي الدَّهْرِ مِنْ غَبْنِ
فَــإِنْ أَكُ فَـارَقْتُ الـدِّيَارَ فَلِـي بِهَـا فَــؤَادٌ أَضــَلَّتْهُ عُيُــونُ الْمَهَـا مِنِّـي
بَعَثْــتُ بِـهِ يَـوْمَ النَّـوَى إِثْـرَ لَحْظَـةٍ فَــأَوْقَعَهُ الْمِقْـدَارُ فِـي شـَرَكِ الْحُسـْنِ
فَهَـلْ مِـنْ فَتَـىً فِي الدَّهْرِ يَجْمَعُ بَيْنَنَا فَلَيْــسَ كِلانَــا عَــنْ أَخِيــهِ بِمُسـْتَغْنِ
وَلَمَّـــا وَقَفْنَــا لِلْــوَدَاعِ وَأَســْبَلَتْ مَــدَامِعُنَا فَــوْقَ التَّــرَائِبِ كَـالْمُزْنِ
أَهَبْـــتُ بِصــَبْرِي أَنْ يَعُــودَ فَعَزَّنِــي وَنَــادَيْتُ حِلْمِـي أَنْ يَثُـوبَ فَلَـمْ يُغْـنِ
وَلَــمْ تَمْــضِ إِلَّا خَطْــرَةٌ ثُــمَّ أَقْلَعَـتْ بِنَـا عَـنْ شـُطُوطِ الْحَـيِّ أَجْنِحَـةُ السُّفْنِ
فَكَـمْ مُهْجَـةٍ مِـنْ زَفْـرَةِ الْوَجْدِ فِي لَظَىً وَكَـمْ مُقْلَـةٍ مِـنْ غَـزْرَةِ الدَّمْعِ فِي دَجْنِ
وَمَــا كُنْـتُ جَرَّبْـتُ النَّـوَى قَبْـلَ هـذِهِ فَلَمَّـا دَهَتْنِـي كِـدْتُ أَقْضـِي مِـنَ الْحُزْنِ
وَلَكِنَّنِـــي رَاجَعْـــتُ حِلْمِــي وَرَدَّنِــي إِلَـى الْحَـزْمِ رَأْيٌ لا يَحُـومُ عَلَـى أَفْـنِ
وَلَـــوْلا بُنَيَّـــاتٌ وَشـــِيبٌ عَوَاطِـــلٌ لَمَــا قَرَعَـتْ نَفْسـِي عَلَـى فَـائِتٍ سـِنِّي
فَيَــا قَلْــبُ صـَبْرَاً إِنْ جَزِعْـتَ فَرُبَّمَـا جَــرَتْ سـُنُحاً طَيْـرُ الْحَـوَادِثِ بِـالْيُمْنِ
فَقَــدْ تُــورِقُ الأَغْصـَانُ بَعْـدَ ذُبُولِهَـا وَيَبْـدُو ضـِيَاءُ الْبَـدْرِ فِي ظُلْمَةِ الْوَهْنِ
وَأَيُّ حُســـَامٍ لَـــمْ تُصـــِبْهُ كَهَامَــةٌ وَلَهْــذَمُ رُمْــحٍ لا يُفَــلُّ مِــنَ الطَّعْـنِ
وَمَـــنْ شـــَاغَبَ الأَيَّــامَ لانَ مَرِيــرُهُ وَأَســْلَمَهُ طُـولُ الْمِـرَاسِ إِلَـى الْـوَهْنِ
وَمَــا الْمَـرْءُ فِـي دُنْيَـاهُ إِلَّا كَسـَالِكٍ مَنَاهِـجَ لا تَخْلُـو مِـنَ السـَّهْلِ وَالْحَـزْنِ
فَــإِنْ تَكُــنِ الـدُّنْيَا تَـوَلَّتْ بِخَيْرِهَـا فَــأَهْوِنْ بِــدُنْيَا لا تَــدُومُ عَلَـى فَـنِّ
تَحَمَّلْـــتُ خَـــوْفَ الْمَــنِّ كُــلَّ رَزيئَةٍ وَحَمْـلُ رَزَايَـا الـدَّهرِ أَحْلَـى مِنَ الْمَنِّ
وَعَاشــَرْتُ أَخْــدَانَاً فَلَمَّــا بَلَــوْتُهُمْ تَمَنَّيْــتُ أَنْ أَبْقَــى وَحِيــداً بِلا خِـدْنِ
إِذَا عَـرَفَ الْمَـرْءُ الْقُلُـوبَ وَمَا انْطَوَتْ عَلَيْـهِ مِـنَ الْبَغْضـَاءِ عَـاشَ عَلَـى ضـِغْنِ
يَـــرَى بَصـــَرِي مَــنْ لا أَوَدُّ لِقَــاءَهُ وَتَسـْمَعُ أُذْنِـي مَـا تَعَـافُ مِـنَ اللَّحْـنِ
وَكَيْــفَ مُقَــامِي بَيْــن أَرْضٍ أَرَى بِهَـا مِنَ الظُّلْمِ مَا أَخْنَى عَلَى الدَّارِ وَالسَّكْنِ
فَسـَمْعُ أَنِيـنِ الْجَـوْرِ قَـدْ شـَاكَ مِسْمَعِي وَرُؤْيَـةُ وَجْـهِ الغَـدْرِ حَـلَّ عُـرَا جَفْنِـي
وَصــَعْبٌ عَلَــى ذِي اللُّـبِّ رِئْمَـانُ ذِلَّـةٍ يَظَــلُّ بِهَـا فِـي قَـوْمِهِ وَاهِـيَ الْمَتْـنِ
إِذَا الْمَـرْءُ لَـمْ يَـرْمِ الْهَنَاةَ بِمِثْلِهَا تَخَطَّـى إِلَيْـهِ الْخَـوْفُ مِـنْ جَـانِبِ الأَمْنِ
فَلا تَعْتَـــرِفْ بِالــذُلِّ خِيفَــةَ نِقْمَــةٍ فَعَيْـشُ الْفَتَى فِي الذُّلِّ أَدْهَى مِنَ السِّجْنِ
وَكُــنْ رَجُلاً إِنْ ســِيمَ خَسـْفاً رَمَـتْ بِـهِ حَمِيَّتُـــهُ بَيْــنَ الصــَّوَارِمِ وَاللُّــدْنِ
فَلا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَعِشْ مَهِيبـاً تَـرَاهُ الْعَيْـنُ كَالنَّارِ فِي دَغْنِ
وَلا تَرْهَــبِ الأَخْطَــارَ فِـي طَلَـبِ الْعُلا فَمَـنْ هَـابَ شـَوْكَ النَّحْـلِ عَادَ وَلَمْ يَجْنِ
وَلَــوْلا مُعَانَــاةُ الشـَّدَائِدِ مَـا بَـدَتْ مَزَايَـا الْـوَرَى بَيْـنَ الشَّجَاعَةِ وَالْجُبْنِ
فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي الْمُدْنِ مَا شِئْتَ مِنْ قِرَىً فَأَصـْحِرْ فَـإِنَّ الْبِيـدَ خَيْـرٌ مِـنَ الْمُدْنِ
صــَحَارٍ يَعِيــشُ الْمَـرْءُ فِيهَـا بِسـَيْفِهِ شـَدِيدَ الْحُمَيَّـا غَيْـرَ مُغْـضٍ عَلَـى دِمْـنِ
وَأَيُّ حَيَـــاةٍ لاِمْـــرِئٍ بَيْـــنَ بَلْــدَةٍ يَظَــلُّ بِهَــا بَيْـنَ الْعَـوَاثِنِ وَالـدَّخْنِ
لَعَمْــرِي لَكُــوخٌ مِــنْ ثُمَــامٍ بِتَلْعَـةٍ أَحَـبُّ إِلَـى قَلْبِـي مِـنَ الْبَيْتِ ذِي الْكِنِّ
وَأَطْـــرَبُ مِــنْ دِيــكٍ يَصــِيحُ بِكُــوَّةٍ أَرَاكِيَّــةٌ تَــدْعُو هَــدِيلاً عَلَــى غُصـْنِ
وَأَحْســـَنُ مِــنْ دَارٍ وَخِيــمٍ هَوَاؤُهَــا مَبِيتُـكَ مِـنْ بُحْبُوحَـةِ الْقَـاعِ فِـي صَحْنِ
تَــرَى كُـلَّ شـَيءٍ نُصـْبَ عَيْنَيْـكَ مَـاثِلاً كَأَنَّــكَ مِــنْ دُنْيَـاكَ فِـي جَنَّتَـيْ عَـدْنِ
تَــدُورُ جِيَــادُ الْخَيْــلِ حَوْلَـكَ شـُرَّباً تُجَـــاذِبُ أَطْـــرَافَ الأَعِنَّــةِ كَــالْجِنِّ
إِذَا ســَمِعْتَ صــَوْتَ الصــَّرِيخِ تَنَصــَّبَتْ فَتُــدْرِكُ مَـا لا تُبْصـِرُ الْعَيْـنُ بِـالأُذْنِ
فَتِلْـــكَ لَعَمْـــرِي عِيشـــَةٌ بَدَوِيَّـــةٌ مُوَطَّـــأَةُ الأَكْنَــافِ رَاســِخَةُ الرُّكْــنِ
وَمَــا قُلْــتُ إِلَّا بَعْـدَ عِلْـمٍ أَجَـدَّ لِـي يَقِينــاً نَفَــى عَنِّــي مُرَاجَعَـةَ الظَّـنِّ
فَقَـدْ ذُقْـتُ طَعْـمَ الـدَّهْرِ حَتَّـى لَفَظْتُـهُ وَعَاشـَرْتُ حَتَّـى قُلْـتُ لاِبْـنِ أَبِـي دَعْنِـي
وَلَــوْلا أَخٌ أَحْمَــدْتُ فِـي الْـوُدِّ عَهْـدَهُ عَلَـى حَـدَثَانِ الـدَّهْرِ مَـا كُنْتُ أَسْتَثْنِي
وَرُبَّ بَعِيـــدِ الـــدَّارِ يُصـــْفِيكَ وُدَّهُ وَمُقْتَــرِبٍ يَجْنِــي عَلَيْــكَ وَلَــمْ تَجْـنِ
وَمَـا الْـوُدُّ فِي الْقُرْبَى وَإِنْ هِيَ أَوْجَبَتْ وَلَكِنَّـهُ فِـي الطَّبْـعِ وَالشـَّكْلِ وَالْـوَزْنِ
إِذَا لَــمْ يَكُـنْ بَيْـنَ الْوَدِيـدَيْنِ خُلَّـةٌ فَلا أَدَبٌ يُجْــــدِي وَلا نَســـَبٌ يُـــدْنِي
فَــذَاكَ أَخٌ لَــوْلاهُ أَنْكَــرْتُ كُــلَّ مَـا سـَمِعْتُ بِـهِ عَـنْ أَحْنَـفِ الْحِلْـمِ أَوْ مَعْنِ
فَــإِنْ لَـمْ أُصـَرِّحْ بِاسـْمِهِ خَـوْفَ حَاسـِدٍ يَنُــمُّ عَلَيْــهِ فَهْـوَ يَعْلَـمُ مَـنْ أَعْنِـي
عَلَــى أَنَّ ذِكْــرَاهُ وَإِنْ كَــانَ نَائِيَـاً ســَمِيرُ فُـؤَادِي فِـي الإِقَامَـةِ وَالظَّعْـنِ
أَنُــوحُ لِبُعْــدِي عَنْــهُ حُزْنـاً وَلَوْعَـةً كَمَـا نَـاحَ مِـنْ شـَوْقٍ جَمِيـلٌ عَلَـى بُثْنِ
فَمَــنْ لِــي بِــهِ خِلّاً كَرِيمــاً نِجَـارُهُ فَقَــدْ ســَئِمَتْ نَفْسـِي مُعَاشـَرَةَ الْهُجْـنِ
تُجَـــاذِبُنِي نَفْســِي إِلَيْــهِ وَدُونَنَــا أَهَاوِيـــلُ مُلْتَــجِّ الْغَــوَارِبِ مُســْتَنِّ
لَعَــلَّ يَــدَ الأَيَّــامِ تَســْخُو بِلُقْيَــةٍ أَرَاهُ بِهَــا بَعْــدَ الْكَــزَازَةِ وَالضـَّنِّ
وَإِنِّــي وَإِنْ طَــالَ الْمِطَــالُ لَوَاثِــقٌ بِرَحْمَـةِ رَبِّـي فَهْـوَ ذُو الطَّـوْلِ وَالْمَـنِّ
محمود سامي البارودي
375 قصيدة
1 ديوان

محمود سامي باشا بن حسن حسين بن عبد الله البارودي المصري.

أول ناهض بالشعر العربي من كبوته، في العصر الحديث، وأحد القادة الشجعان، جركسي الأصل من سلالة المقام السيفي نوروز الأتابكي (أخي برسباي).

نسبته إلى ( إيتاي البارود)، بمصر، وكان لأحد أجداده في عهد الالتزام مولده ووفاته بمصر، تعلم بها في المدرسة الحربية.

ورحل إلى الأستانة فأتقن الفارسية والتركية، وله فيها قصائد دعاء إلى مصر فكان من قواد الحملتين المصريتين لمساعدة تركيا.

الأولى في ثورة كريد سنة1868، والثانية في الحرب الروسية سنة 1877، وتقلب في مناصب انتهت به إلى رئاسة النظار، واستقال.

ولما حدثت الثورة العرابية كان في صفوف الثائرين، ودخل الإنجليز القاهرة، فقبض عليه وسجن وحكم بإعدامه، ثم أبدل الحكم بالنفي إلى جزيرة سيلان.

حيث أقام سبعة عشر عاماً، أكثرها في كندا تعلم الإنجليزية في خلالها وترجم كتباً إلى العربية وكفَّ بصره وعفي عنه سنة 1317ه‍ فعاد إلى مصر.

أما شعره فيصح اتخاذه قاتحة للأسلوب العصري الراقي بعد إسفاف النظم زمناً غير معتبر.

له (ديوان شعر -ط)، جزآن منه، (ومختارات البارودي -ط) أربعة أجزاء.

1904م-
1322هـ-