الأبيات 259
باســمِ إلاهِـي تحسـُنُ البِـدايَه وتصـلحُ الأَعمـال فـي النهايـة
تــمّ الصــلاة والســلامُ أبـدا تبلــغ طــه المصـطفى محمـدا
وألَـــهُ وصـــحبَهُ الكرامـــا مــا أمّ وفـدٌ بيتَـهُ الحرامـا
والحمــدُ للــه كــثيراً جَمّـا علــى جزيــل فضـله والنَّعمـا
فكــم لَــه مــن نِعـمٍ علينـا وكــم أيــادٍ ســَاقَها إلينـا
نحمــده حمــداً يـوافي نِعَمَـهُ ونســـتزيد جـــوده وكربتــه
ونبســُطُ الكــفّ لنيــل رِفـدِهِ وأن نكــونَ مــن أخــصِّ وفـدِهِ
وبعـد ذا نُهـدي إلـى الأحبـابِ تحيّــــةً تَهـــزأُ بالأَطيـــابِ
النّــازلين فـي ربـوع صـنعاء وحبُّهُــم لِلكُــلِّ صــارَ طبعــا
ونحــوهم نُهــدِي مـن الأخبـار بعـضَ الـذي نـراه فـي الأَسفارِ
كــان خروجنــا مــن الأوطـانِ لِقَصــدِ بيـت الواحـد المنّـانِ
يـوم الخميـس وهـو مـن شـوالِ إحـــدى وعشـــرين بلا مقــالِ
ســـِرنا بحمــدالله ذي الجلال كقــولهم ســار غلام الــوالي
ثـم وقفنـا يومَنَـا فـي مَتنَـه وجآءنــا اللــهُ بكــلِّ مِنَّــه
بِـالغَيمِ مـن قبـلِ شروق الشمسِ فلــم نَجِــد لحرِّهَــا مِـن مَـسِّ
ولا رأينـا قـطّ وعثـآء السـَّفَر ولا أصــابَنا مـن الغيـم مَطَـر
بِتنابهـا وصـبح يـوم الجُمعَـه سِرنا على اسم الله نسعى جَمعَه
حـتى أتينـا بالضـحى بوعانـا وذاك يـوم السـّوق فيـه كانـا
وطــابت القهــوة فـي بوعـان وجاءنــا مــن خــوخِه نوعـانِ
ثــم مشــينا نقطـع الطريقـا والغيــم قــد أظلّنـا رفيقـا
حتّــى أتينـا مِسـجدَ الحوضـَينِ فيــه أقمنـا الظّهـرَ ركعـتين
والعصــر مثلـه وطـاب الحـالُ وانتظــم الموقــف والمقــالُ
تجـري بـه مـن تحتنـا الأنهارُ قـد جـاوبت تصـفيقها الأطيـارُ
نرجـوه غفرانـاً وسـتراً شامِلاً مُلازمــاً لنــا ولطفـاً كـاملاً
ومــن نــداه نطلـب الوصـولا إلـى الحمـا ونسـأل القبـولا
مـن فضـله نرجـو تمام النّعمَه ودفـــع كـــل شـــدّةٍ وغُمَّــه
سـبحان مولى الجود أهل الكرَم المبتــدي مـن فضـله بـالنّعمِ
نطلبــه يطـوي لنـا البعيـدا وأن يُنيــلَ كلَّنــا المقصـودا
حـتى نُـوَا في الحِجر والمقاما ونســـتلذّ فيهمــا المقامــا
نعـم وفي الحوضين بعض الخُبرِة أجـال فـي بعـض الأمـور فكـره
توهّمــا بــأنَّ بعــض الحُمُــرِ غَــاوَى بـه مسـافِرٌ أو سَمسـَرِي
قيــل لــه هـل حَجمُـهُ كَحَجمِـهِ قــال نَعَــم وجِســمُهُ كجِســمِهِ
وحيـن أكـثروا عليـه الكَركَرَة قــام إليــه مُسـرِعاً لينظُـرَه
وقَــاس بَعــدُ طــولَه وعَرضــَه وقــال قــد عرفتـه بالغُرضـَه
قيــل لــه فاجعـل لـه عَلامَـه وقِيـسَ علـى قـولي تكـن علاّمَـه
ثـم قصـدنا العِجزَ بعد القهوَه وفــي الطبــاع راحـةٌ ونَشـوَه
وفيـه دبَّـت في الجسوم الرَّخوه لأنّنــا فيــه عَـدِمنَا الهَجـوه
ولـم تطـب فيـهِ لنـا القهاوي والقــوم بيــن عَــاطِشٍ ورَاوي
فــأجمَعَ الـرأيُ بغيـر لَعثمَـه أن المَسـَا مستحسـنٌ فـي الأكمه
أكمـــه تُنســَبُ لاِبــنِ مهــدي رابيـةٌ فـي القـاع مثل النّهدِ
كـان وصـولُنا بهـا بعدَ الغدا ثـم دخلنـا فـي رباهـا مسجدا
قِلنـــا إلــى صــلاة الظّهــرِ حـتى اسـترحنا مـن سموم الحرِّ
ثــم صــعدنا بعــده ديوانـا كـاد يكـون فـي البنا إيوانا
أخشـابه فـي سـقفِه إحـدى عشَر وقاعــة مفروشــة فيهـا حِصـَر
فطـاب فيـه جمـع شـمل الخُبرِه قـد حَسـُنَ المـدكا به والسَّمره
وعـاد إشـكال الحمـارِ ثانيـا أشــدَّ ممـا كـان قبـلُ باديـا
فبعضــهم أنّــثَ بعــض الحُمُـرِ وظنّــه البغلــةَ غيـر ممـتري
وبعضــهم قــال بـأن الصـَّرما غـاوَى الخُطـامَ بالحمار جازما
وجزمُـــوا بـــأنه المغــاوي كقـــولهم وَرَاكِـــبٌ بِجَّـــاوي
وصـار بعـض النـاس فيه تاجرا مُقَطِّعـــاً لِشاشـــِه مَيَـــازِرا
يأخــذُ بـالمئزَرِ منهـم شاشـا أو مـا خلا أو ما عدا أو حاشا
وقَبـل وقـت الفجـر يـومَ الأحدِ كـانَ الشـِّداد للحميـر عـن يد
ثـم أقمنـا الفجرَ بعد الدّلجَه وبعــده المسـير نحـو الشـِجَّه
فلـم نـزل نرقَـى عليهـا صُعُدا حـتى بلغنـا رأسَهَا بعد الغَدَا
ثـم سـرحنا بعـد ذاك الهَجَـرَه بِزفَّــــةٍ مضـــمرةٍ ومَحجِـــرَة
حتّـى بلغنـا بيت مَهدّيّ الزّبَير كافـاه عنـا ربُّنَـا بكـلِّ خَيـر
أنزلنــا فــي مَنظَــر رحيبَـه مجـــدّداً رَيحَـــانَهُ وطيبَـــهُ
ولـم يـزل يبـذل مـن إكرامـه للكــلّ مـا نعجـز عـن نظـامِه
وكــلّ مــن يحضـر مـن وفـودِه لا بـد مـا يتحفنـا مـن عُـودِه
وبعضـــهم يتحفنـــا بعِطـــر حـتى سـرى في الجوّ طيبُ النَّشرِ
وهـــذه قاعـــدة مستحســـنه ما قد رأينا مثلها في الأمكنَه
لــولا المقــام لأقمنَـا عشـرا لمّـا رأينـا كـلَّ مـا قـد سَرَّا
لكنّهــا الاشـواق نحـو الحـرمِ تحثنـا علـى السـّرَى في الظّلَمِ
فنسـأل اللـه المعيـد المبدي يَـروي لنـا فـي الأرض كـلَّ بُعدِ
حــتى نحــلّ البلـد الحرامـا ونبلــغُ المقصــودَ والمرامـا
ويُقبَــلُ الكُــلُّ بمحـضِ الفضـلِ مُوَفَّقـــاً لطّيبـــات الفعـــلِ
فالعبــد مــاله ســوى مـولاهُ مهمـــا أراد مطلبــاُ دعــاهُ
إذا دعـــاهُ عبـــدُهُ أجــابَه ونــال مــن إحســانه طِلابَــه
مـا زال يولينـا الجميل فضلاَ بجــوده صــار العسـيرُ سـهلا
ويــومَ الاثنِيـن أقمنـا قَسـرا إكرامُـهُ أضـعافُ مـا قـد مَـرَّا
إكرامُـه للضـّيفِ يُنسـيهِ الوطن لمـا يـرى مـن فعلِهـم كلَّ حسن
يـوم الثلاثـاء مع طلوعِ الشمسِ سـِرنا ولـم نجـد لهـا مـن مَسّ
لأنّــــه أظلَنــــا الغمـــامُ وعمّنــا مــن ربّنــا الإنعـامَ
ولـم يـزل يـدنُو بِنـا النّقيلُ نقطعـــه وَثبـــاً ولا نَقيـــلُ
وقــد أظلّنــا بــه الغمــامُ كـــأنّه مــن فوقنــا خيــامُ
فلــم نــزل ننـزل فـي ظلالِـه والحمـــدلله علــى إفضــالِه
حــتى بلغنـا مطـرح المراحِـضِ مـــن دون مــانعٍ ولا معــارضِ
فــأنزل اللـهِ بهـا الأمطـارا قـد بـرَّدَت مـن سـوحه أقطـارا
ومـن طلـوع الشمس يوم الأربعا سـرنا إلـى لَعسَان نمشي أجمعا
وفيـه أدركنـا الغداءَ والعَشا وبعـده سـِرنا إلـى وقت العِشا
وكـان مَمسـَانَا البَحيح فاستَمَد للنّــوم فيـه كـلُّ مـاشٍ ورقـد
والصـبح في يوم الخميس باجِلا ســرنا إليــه راكبـاً وراجلا
حـتى بلغنـا قلعـة الشيخ علي حميـــدةٍ وهــي أعــزّ معقــل
فجَمّــل اللــه علــي حميــدَه أفعـــاله صـــالحة حَميـــده
أنـــال كــلَّ وافــدٍ مُــرَادَه فمــا علــى إكرامــه زِيـادَه
وليلـة السـبت حِمـدنَا المسرى عنـد الصباح إذ رأينا البحرا
وجاءنــا فـي بنـدر الحُدَيـدَه يوســف فــي طلعتـه السـعيده
آنسـنا بالبشـر من بعد القِرى فلا تَسـل مـن جـوده عمّـا جـرى
وبعــده جــاء الأميـر سـامرا مصـــليّاً مســـلّما مجـــابرا
قِلنــا وقُلنـا للنفـوس فـوزي بقـاتِه المشـهورة بـالتَيفوري
مـا كنتُ أَدري قبل مرأَى البحرَ بأنَّهـــا توجـــدُ أرضٌ تجــري
أنعامُهـــا ســاكنةٌ لا تَحــركُ وهــي بهــم جاريــةٌ لا تَـبركُ
ســاكنةٌ تُخــالُ وهــي سـالِكَه تطـوي بـك البعيـد وهي باركه
مثـل الزّمـان لـم يَـزَل بأهلِهِ يجـري وهـم فـي غفلةٍ من فِعلِهٍِ
فصــلٌ بــه نفصـل خـوضَ الـبرّ عـن ذكر ما جرى لنا في البحرِ
فـي سـادس الشهر هجرنا البَرّا عصـر الخميـس وركبنـا البحرا
بِتنَـا بِـهِ ليلتنـا في المرسَا ومثلـــه أصــبح ثــم أمســى
وصـبح يـوم السـَّبتِ قـد نشرنا شـــِراعنا لقطعِـــه وســـِرنا
أوّل مرســـى كــانف ي بحيــصِ هـذا وحـال البحـر حِيـصِ بيـص
فبعضــهم قـد شـغلَته الـدوخَه حـتى غـدا منهـا يَهـمّ الشـخّه
والبعــض قــد أطلَقَـهُ الصـّلاقُ إلــى الخلــوص كلّهـم مشـتاق
فكــم تــرى مـن قـاذف مُقَـزّز مـن الغـداء والعشـاء محـترز
يــدفع مــا يــأكلهُ مفرّطَــا ســمّوهُ ممّــا مســَّه مُزَيرِطــا
وكمــران كــان فيــه مَرســَى فــي ســوحه أدرك كــلٌّ أنسـَا
يومــاً وليلــةً بــه أقمنــا ومــاؤه العـذب بـه اغتسـلنا
وبعـده المرسـى قبـال الحنّـه والحمـد للـه العظيـم المنّـه
فـــأنّه جــرت لنــا ألطــافُ بــه أمِنّــا كُــلَّ مــا نخـاف
بعض المراسي أرسل الله المطَر لكنَّــهُ مـا نالنـا منـه ضـرَر
والبِــركُ ليلــة بـه مرسـانا وحَلــي بعــدِه بــه مَمســانا
سـَحَّ علينـا فـي دجـاه المطـرُ وليــس يغنـي مـن قضـاء حـذرُ
فـــأجمع الــرأيُ بلا مجــادِل علـى السـلوك من طريق الساحلِ
بـه قصـدنا للخـروج القنفـده وقــد زِبلنــا تعبـاً وقلفـدَه
فـأطبقوا علـى الخـروج منهـا يــوم الخميـس لا عُـدولَ عنهـا
فـي يـوم عشـرينَ لِشهر القعدَه ستصـــحبين للطريــق العِــدّه
ثـم أكتَـروا سـبعاً من الجمال تحملهـم فـي الخبـتِ والرمـال
بــــأربعين فـــوق مئتيـــنِ كـان الكِـرى من القروش العَين
وجاءنــا وزيرُهــا والكــاتب وجملــةٌ ممَّــن بهــا يناســبُ
ثـم أتـى فيهـا حَفِيدُ المرغني عثمـان وهـو بـالتَلاقي معتنـي
فـي بلـد السـودان كان غايبا يَســِيحُ فيهـا جانبـاً فجانبـا
ألــفٌ وخَمـسُ مئة قـد أسـلموا علــى يـديه بالـدعا وسـلّموا
غـاب بهـا تسـعاً مـن السـنينِ يـدعوهمُ إلـى الهـدى المـبين
مصـــرّحاً أوَّلَ كـــل تَـــدرِيس بمـا روى عـن أحمـد بن إدريس
لأنّـــه أســـتاذه الحقيقـــي جــــاذَبَهُ لأَقـــوِمِ الطريـــقِ
فيهــا لقينـاهُ يَـؤُمُّ الحرمـا أســـتاذُهُ طلبـــه ليقـــدُما
لكــن سـبقناه إلـى المقصـودِ وجــاء بعــدنا مــع الوفـودِ
ولـم نـزل نقطـع تلـك الأرضـَا نطلــب مـن أعاننـا أن يرضـى
وكـــانتِ الأمطــار متتــابِعَه لـولا حُصـولُ اللّطفِ كانت قاطِعَه
كـان الشـِّداد بعد عصر الجُمعَه والســّير دفعــةً عَقِيـبَ دفعَـه
حتّـى أتينـا بعـد فجر الحَسَبه وهــي محــلٌّ بـالزروع مُخصـِبَه
وأول الظهــر رحلنـا العيسـَا واستحسـنوا في دوقةَ التعريسا
وبعــد حــطّ الرحـل والأثقـالِ أرخـت علينـا سـحبهَا العَزَالي
ثــم رحلنـا بعـدَ ظُهـرِ الأحـدِ نطـوي بحمـد اللـه كـلَّ فَدفَـدِ
وَبعـدما أرخـى الـدجا سـُدولَه أرخـى السـحاب فوقَنـا سـيولَه
فنزلــوا تحــتَ غصـون المـرخِ وعقـد غيـث السـحب فيـه مرخي
والكــلّ فـي ظلالِـه قـد قـالا وزادَهُ بثـــــــــــوبه ظلالا
وهـا هنـا قـاموا لِقَطب الشَّدَّه يحـــاذرون مطـــراً وششـــدَّه
ولـم نـزل حـتى وردنا الشاقَّة ومــا رأينـا قـط حـالاً شـاقّه
ثـم حططنـا الرحـل بعد العصر وثــم نمنــا لِصــلاةِ الفجــرِ
والسير قد كان إلى وقت الضحى والكــلّ مِنَّـا بالمقـام فَرِحـا
وجعلــوا المــرخَ لهـم ظلا لا وذبحــوا تَيســاً لهـم أكـالاَ
وأوجـــد اللــهُ بــه حِســيَّا كــانت لهــم نظافــةً ورِيــا
ثــم تغــدَّينا ونمنــا سـاعَه والظهــر صــلّينا بـه جمـاعَه
واللّيــث قمنــا نحـوه نسـير ولطــف مولانــا لنــا خــبيرُ
وقــد نشــرنا لِســَفِين الـبرّ شــراعنا ولــم نــزل نُمـذري
كـان وصـولنا بـه بعـد الغَدا وأجمـع الـرأي على السير غدا
فيـه أقمنـا يومنـا الرَّبوعـا واللّيـل أوقَـدنَا بِـهِ شـموعا
وعَقــده العـزّي ابـنِ اسـمَاعِلًَ قـد اذكرتنـا أحمـد القُباتلي
وقــد ذكرنــا سـائِرَ الأحبـاب نتلــوا لهـم فاتحـة الكتـاب
ثـم أتينـا الهضـبَ بعد اللّيثِ والخـبز لـم يبـق سوى الحِثيث
لكنَّــــهُ عصــــَدَهُ الهَرِيـــشُ والــرزسّ بعــد أكلــه نهيـش
وقـــد تفيّأنـــا بـــه ظلالا مــن صــخراتٍ سـامَتِ الجبـالا
وهبّــت الريــح بــه ســموما ونســــَفَت رمـــالَه رجومـــا
وفيــه مــاءٌ أشـبه النَّباتـا ذوقـاً وفـاق النّيـلُ والفراتا
وبعــدَهُ ســرنا إلــى يَلَملـم ميقاتنــا فـي قصـدنا لِلحـرم
وهــو يُســمّى الآن بالســَّعريّه باســـمِ بئرٍ عَذبـــةٍ هنيَّـــه
وفـي حِمـاهُ قـد قرمنـا لِلقُرم مادومــة بعكسـها مـن النّعـم
وعنـد وقتِ العصرِ شَدُّوا الرَّحلا وأسـبَغُوا بعـد الوضوءِ الغسلا
وبعـد أن صـَلّوا أهلّـوا أجمَعَا بعُمــــرةٍ مفـــردةٍ تمتعَـــا
لأنهــم مــا سـاق منهـم أحـدُ هَــدياً وهــم لِلاتِّبـاعِ قصـدوا
لبّيــكَ لبّيــكَ أتــاكَ الوفـدَ مَطلبُهُـم مِنـكَ العطـا والرِّفـدَ
لبّيــكَ فــاغفِر لهـم الأوزارا صــِغارَها يــا ربِّ والكبــارا
لبِّيـك إن الحمـد والنعمـةَ لكَ وكلّمـا عليـهِ قـد دارَ الفَلَـك
لبّيـكَ فـي مُلكِـك لا شـريكَ لـك يــا ربَّ كـلِّ سـَالِكٍ أنَّـى سـلَك
لبّيــكِ أهـل الجـود والنّـوالِ يــا غـافِرَ الـذَنب ولا تُبـالي
لبّيـكَ مـن لبَّـى من الخلق فَلَك يــا ربَّ كـلِّ مالـكٍ ومـا مَلـك
لبّيــكَ لِلعَفــوِ أتينـا نطلـبُ ومـن قبيـح مـا اجتَرَحنا نهربُ
لبيــك جئنـاك مُجِيبِـي دَعوَتِـك تَعَرُّضـــأً لنفحـــاتَ رحمتِـــك
لبّيــكَ أنــتَ الملـكُ الكريـمُ وبيتُـــكَ المبــارك العظيــم
حاشـاك أن يرجـعَ مـن وافاكـا بِخَيبــةٍ وقــد أتــى حِماكــا
أشــعثَ قـد شـقّت بـه أسـفارُه وكتَبــت فــي صــُحفِهِ آثــارُه
مُفارقــــاً لأهلِـــه ومـــالِه قـد فـارق المألوفَ من أحوالِه
فَـارحَم عبيـداً قـد أتوك غُبرا شــُعثاً يريـدون بـذاكَ الأجـرَا
ولا تُؤَاخِـذهم بمـا قـد أسلَفوا فهُـم بأنواع الخطايا اعترفوا
ســِواكَ لا يغفِـر ذنبـاً عرفـوا يرجـونَ مَحوَ مَا أتوا واقترفوا
واعصـِمهُمُ فيمـا بقـي مـن عُمرِ خُــذ بنواصــِيهِم لِفعـل الـبرِّ
فَصـلٌ وكـان السـّير بعد العصرِ حتّـى نزلنـا عنـد وقـت الفجرِ
وفـــي إدامٍ نفـــدَ الطعــامُ لــم يبــق إلاّ الــرزّ والأَدام
وقَـد طَطُـوا قبـلَ العِشـا قِلاّءَا لِيَرتَحُــوا بــأكلِهِ العَشــآءا
وذبحــوا فــي ســوحه طليّــا وجعلـــوه للعشـــا مضـــبيّا
ويَســَّر اللــه لهــم دَقيقــا مـن بعـض مـن كـان لهم رفيقا
محمــد بــن أحمــد الشــريف حمــــود عمّـــه بلا تحريـــفِ
وقاســم كــانت لــه ذخِيــرَه مــن تمـرِه فـي قُرعـةٍ صـغيرَه
قَســــَّمها لأَجـــرهِ مُحتســـِبا تقـول قـد صـادَ الأميـرُ أرنبا
قـد صـقّر الفخـري لـه مطالبا حـتى غـدا لِلتّمـر منـه جاذبا
وفــي رَقَـاق تحـت ظـل التمـرِ قـد نزلـوا عنـد أوان السـَّحرِ
وذاكَ وادٍ ولــه اســم ثــاني وبعضــــهم ســـمّاه مَلَكـــانِ
كَالهَضـبِ فيه نحو ذا قد قالوا بأنّهــا تُســمَى بــه الجبـال
وبئره مَســــمِيّةٌ بالخضــــرا وبعـدها البيضـا وكـانت أَمراَ
عهــدي بهــا مرحلـتين كـانت لكنّهــا قــد ثلّثَــت فهــانَت
ولـم يكـن لنـا بـه مـن مـاءِ لكــن حملنــاه مـن البيضـاءِ
إذ وَرَدُوهَـا عنـدَ نِصـفِ اللّيـل والنومُ في الأجنان وافي الكيلِ
واحتفـظ القـوم بما في القِرَبِ لمطعــــمٍ ومَأكـــلٍ ومشـــرب
ومنـهُ شـدَّينَا إلـى أم القُـرى عند الصباح يُحمد القوم السُّرَى
وحيـن شـاهدنا قناديـلَ الحرِم علـى المنـارات مشينا بالقدَم
قــام رســول ســيّدي سـليمان وعنــده زمـزم مُـروي الظمـآن
ومعـــه البغلـــةُ والحمــارَ وعنـــده شيشـــتُه والنـــارُ
فركــب الحســام فـوق العيـرِ ويوســف البغلـة نحـو الـدير
حـتى وقفنـا عنـد بـاب الحرمِ بـابَ السـلام وقـت كشـف الظُلَمِ
ثــم دخلنــا لصــلاة الصــّبح وكلّنـــا مستبشـــرٌ بالنُّجــحِ
تلتــهُ منــا ســبعة الأطـواف والأمـر فـي ذالـك غيـر خـافي
ثــم قصـدنا الحَجَـرَ المكرّمـا كـــلّ أتــى مكبّــراً مســلّما
بوعـده كـان الشـُروع بالرّمَـل سـنّة مـن قـاد إلى الخير ودَل
ثــم المقـام بعـد ذا أتينـا وركعـــتين خلفَـــه صـــلّينا
وبعـده رحنـا إلـى باب الصّفا نســعى كمـا قـد سـنّ الحُنَفَـا
بعـد تمـام السـعي قـد حلقنا وفـي منـازل الحمـا افترقنـا
ثــم أقَمنَــا لصـباحِ الثـامنِ فـي بلـد اللـه الحـرام الآمنِ
فـي صـبحه للحـجّ قـد أهلَلنـا ثــم ركبنــا ومِنَــى أتينــا
بهــا أقمنــا خمــسَ صــلواتِ ثـــم صــعدنا نحــو عرفــاتِ
فلـم نـزَل حـتى وصـلنا نمـرَه بهـا نزلنـا خيمـةً كـالمنظرَه
ثـو وقفنـا للوقـوف في الجبل بعـد صـلاة ظهرنـا إلـى الطّفل
ثـم افضـنا قاصـدين المشـعرا لنحمــد اللــه بــه ونشـكرا
بتنــابه وفــي صـباح العِيـدِ ســرنا إلـى المخيَّـم السـعيدِ
إلــى مِنـى حيـث محـلَّ الهـدي وعنــدما يُنَــدَبُ نُسـك الرمـي
وبعـد رمـي الجمـر سـرنا مكه ليســتتم الكــلّ مِنَّــا نُسـكَه
وتــمّ فيهـا السـّعي والطـوافُ وكــثرت مــن ربّنــا الألطـافُ
ثـم رجعنـا للمـبيت فـي مِنـى وبتمــام الرمــيِ تَــمَّ حَجُّنـا
فالحمـد للـه علـى مـا أنعما ومــا بـه إلاهُنـا قـد أكرمـا
ومـن هنـا كـان افتراق الشملِ وراح كــلُّ واحــدٍ فــي شــغلِ
فــالبعض قـد أزمـع للترحـالِ إلـى المقـام الأحمـديّ العالي
وبعضـهم مـال إلـى المجـاوَره ولازمَ الــبيت وكــان حاضــرَه
وبعضــهم عــاد إلـى الأوطـانِ وليــس يَعــدُو قَـدرَ الرحمـانِ
والكـلُّ منّـا يسـأل الرحمانـا أن يجمـع الشـملَ كما قد كانا
من ها هنا نشرع في خوضِ السَّفَر إلـى مقام المصطفى خير البشَر
كـان ابتـدا تَبريزنـا لِلزَّاهِرِ أوّل يــوم السـّبت بعـد عاشـر
أي عاشــرَ العيـد لأن العيـدا كـان الربـوع فـاحفظ العديدا
ثـم رحلنـا العيـسَ وهيَ رازِمه حـتى حططناهـا بـوادي فـاطمه
وفـي نهـر مثـل غَيـل الـوادي ونخلُــــهُ مُظَلِّـــلٌ للنّـــادي
وفيـه وافينـا سـبيل القعـرَه قيل اسمه القعراءِ عند الخُبرَه
وهــو فضــاءٌ ليـس فيـه مـاءُ ولا يُــــرى لشـــجرٍ أفيـــاءُ
فيـه جلسـنا تحـتَ ظـل الخيمَه ولــم نـزل فـي قَومـةٍ ونـومَه
ومـن عقيـب ظهرنـا على السحَر إلـى خُلَيـصٍ انتهـى بنا السفَر
وفيــه ســوق ونخيــلٌ ونَهَــر لكنّــه بكـثرة النـاس اجتَفَـر
وقـد مررنـا العصـر في سرانَا فـي ذلـك اليـوم علـى عسفانا
ثــم رحلنــا مثـل يـوم الأوّل حـتى نزلنـا عـن ظهـور الأَبـل
فـي صـَعُبرٍ قيـل بـل القَضـِيمَه هــي اسـمه والحـال مسـتقيمَه
قِلنَـا وسـِرنَا بَعدُ سيراً بالغا حـتى وصـلنا في الصباح رابغا
وفيـــه شـــاهدنا غَـــدِيرَخُمِّ وهـــو غــديرٌ وبهــذا ســُمِّي
وهـو المسمّى الجُحفة المشهورَه ومنـه قـد سـِرنَا إلـى مستوره
وفــي حِماهـا ضـاعت الكـوفيَّه عنــد ورود بئرَهــا المطـويَّه
ونحـو بئر الشـيخ قـد أزمعنا ســيراً ويــوم أَحَــدٍ أجمعنـا
علـى السـُّرى نحو حِمَا الصفراء وكــم لتلــك مـن يـد بيضـاءِ
لأن فيهــــا مســـجدٌ ونَهـــر والنخـل فيهـا باسـقٌ والتّمـرُ
وبعـدها كان السرى نحو الحيف بجـدّ عـزم فـي المضـيّ كالسَّيف
كـان وقوفنـا بـه قبـل السَّحر وفيــه نهــرٌ فـائقٌ كـل نَهَـر
ثـم شـددنا فيـه قبـل الظّهـر إلـى الفُرَيـشِ فـي أشـد الحـرِّ
لكـن لنـا أُنـسٌ بقـرب الوصـل ونشــوةٌ تنســَي فــراقَ الأهـلِ
لأنّــــه خاتمـــة المراحـــلِ ومنتهــى التعــداد للمنـازلِ
هـاجت إلـى الوصـل بـهِ أشواقُ فكـــلّ قلـــبٍ نحــوه خَفّــاق
فهــبّ رَوح البشــر والتَبشـيرِ أذكــى مـن العَنـبرِ والعـبيرِ
ولاح مــن ربــع الحـبيب نُـورُ أخفـاه عـن أبصـارنا الظهـورُ
ثــم أتينـا الحضـرة العليَّـه يــومَ الخميـس نقـرأُ التحيَّـه
هنــاك قَــرَّت بالوصـال أعيـنُ وزال عنّـــا همُنــا والحــزنُ
وازدحـم الضـحك سروراً بالبُكا وأعلـن المضـمر وجـداً بالشّكا
وأشــرق الطــاهِرُ مـن جمـالِه وامتلأ البـــاطنُ مــن جلالِــه
نســأل مَــن مَـنَّ بـذا علينـا أن يغفـرَ الـذَنبَ الـذي أتينا
وأن يكــون ســعيُنا مقبــولا وكلّنـــا بفضـــله مشـــمولا
بحــبِّ طــه المصــطفى وبِــرِّهِ وفضــله ومــا علا مــن قـدره
صــلّى عليــه ربُّنــا وســلّما وآلــه أهـل الكمـال العُظمـا
وَصــــحبِه وصـــالحي أمتِـــهِ جميعهـــم وتـــابعي ملّتِـــهِ

محسن بن عبد الكريم بن أحمد، حفيد المهدي الزيدي أحمد بن الحسن، حسام الدين، الصنعاني.

مؤرخ، له شعر، من أهل صنعاء.

من كتبه: (لفحات الوجد من فعلات أهل نجد)، و(الروض النادي في سيرة الإمام الهادي)، وله ديوان شعر جمعه عبد اللّه بن أحمد العماري وسماه (ذوب العسجد).

1850م-
1266هـ-