خير ما يقال في تعريف الموشوح عروضيا أنه (كلام منظوم، على قدر مخصوص، بقواف مختلفة).
وهو كلام الصفدي في مقدمة كتابه "توشيع الوتشيح"
قال: (والموشح فن تفرد به أهل المغرب، وامتازوا به على أهل المشرق، وتوسعوا في فنونه، وأكثروا من أنواعه وضروبه. وقيل: انه أول من نظم الموشحات بالمغرب الإمام أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد. وقال ابن بسام: أول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا، واخترع طريقها -فيما بلغني- محمد بن محمود القبري الضرير. وقيل: ابن عبد ربه ثم نشأ يوسف بن هارون الرمادي وأكثر منها)
قال القاضي السعيد ابن سناء الملك رحمه الله تعالى: وهو ما يأتلف في الأكثر من ستة
أقفال وخمسة أبيات ويقال له التام، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويقال له
الأقرع. فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات.
قال: والأقفال هي أجزاء مؤلفة يلزم أن يكون كل قفل منها متفقا مع بقيتها في وزنها وقوافيها
وعدد أجزائها.:
والأبيات هي أجزاء مؤلفة مفردة أو مركبة يلزم في كل بيت منها أن يكون متفقا مع بقية
أبيات الموشح، في وزنها وعدد أجزائها إلا في قوافيها، بل يحسن أن تكون قوافي كل بيت
منها مخالفة لقوافي البيت الآخر.
قال: وأقل ما يتركب القفل من جزأين فصاعدا إلى ثمانية أجزاء، وعشرة أجزاء. والجزء من القفل لا يكون إلا مفردا، والجزء من البيت قد يكون مفردا، وقد يكون مركباً، والمركب لا يتركب إلا من فقرتين أو ثلاث فقر، وقد يتركب في الأقل من أربع فقر
القفل المركب من جزأين، مثاله:
شمسٌ قارنت بدرا كأسٌ ونديم
القفل المركب من ثلاثة أجزاء، مثاله:
حلَّت يد الأمطار أزرَّة النوار=فيا خدني
المركب من أربعة أجزاء، مثاله:
أدر لنا أكواب ينسى بها الوجد
واستحضر الجلاس كما اقتضى الود
المركب من خمسة أجزاء، مثاله:
يا من أجود ويبخل
على شحي وافتقاري
أهواك
وعندي زيادة
منها شوقي وادكاري
المركب من ستة أجزاء، مثاله:
ميتات الدمن
أحيين كربي
وهل يتمكن
عزاء لقلبي
مت يا عزاه
شاه
المركب من سبعة أجزاء، مثاله:
من شاني
عن شاني
به جفني
قد استعبر
وقد عبر
عن المضمر
بما عندي
المركب من ثمانية أجزاء، مثاله:
على عيون العين
رعي الدراري
من شغف
بالحب
واستعذب العذاب
والتذ حاليه
من أسف
وكرب
وقد ينتهي في التركيب إلى اثني عشر جزءاً. والأبيات منها ما تكون أجزاؤه مفردة.
فمنها ما هو على ثلاثة أجزاء، مثاله:
أرى لك مهند أحاط به الاثمد=فجَّرد ما جرَّد
ومنها ما هو على أربعة أجزاء، مثاله:
قد باح دمعي بما اكتمه وحن قلبي لمن يظلمه
رشا تمرَّن في لا فمه كم بالمنى أبداً الثمه
ومنها ما هو مركب. فمنها ما يتركب من فقرتين وثلاثة أجزاء، مثاله
أقم عذري فقد آن أن أعكف
على خمر يطوف بها أوطف
كما تدري هضيم الحشا مخطف
ومنها ما يتركب من فقرتين وثلاثة أجزاء ونصف، مثاله:
من أودع الأجفان صوارم الهند
وأنبت الريحان في صفحة الخد
قضى على الهيمان بالدمع والسهد
أنى وللكتمان
ومنها ما يتركب من فقرتين وأربعة أجزاء، مثاله
ما حوى محاسن الدهر إلا غزال
معرق الجدين من فهر عم وخال
نسبه للنائل الغمر وللنزال
فأنا أهواه للفخر وللجمال
ومنها ما يتركب من فقرتين وخمسة أجزاء، مثاله:
هن الظباء الشمس قنيصهن الضيغم
ما أن لها من كنس إلا القلوب الهيم
القرب منها عرس والبعد عنها مأتم
تلك الشفاه اللعس يبرا بهن المغرم
لها لحاظ نعس ترنو إلى من تسقم
ومنها ما تركب من ثلاث فقر وثلاثة أجزاء، مثاله:
من لي به يرنو بمقلتي ساحر=إلى العباد
ينأى به الحسن فينثني نافر=صعب القياد
وتارة يدنو كما احتسى الطائر=ماء الثماد
ومنها ما تركب من أربع فقر وثلاثة أجزاء، مثاله:
بأبي ظبي حمى يكنفه=أسد غيل
مذهبي رشف لمى قرقفه=سلسبيل
يستبي قلبي بما يعطفه=إذ يميل
قال ابن سناء الملك: والخرجة عبارة عن القفل الأخير من الموشح.
والشرط فيها أن تكون حجاجية من قبل السخف، =يعني على شاكلة شعر الحسين بن حجاج في السخف= قزمانية من قبل اللحن، =يعني على شاكلة موشحات ابن قزمان التي يخالف فيها قواعد النحو عمدا= حارة محرقة، حادة منضجة، من ألفاظ العامة ولغات الداصة =الداصة: جمع دائص وهو اللص=
قال: والمشروع بل المفروض في الخرجة أن تجعل الخروج إليها وثبا واستطرادا، وقولا مستعارا على بعض الألسنة الناطقة أو الصامتة. وأكثر ما تجعل على السنة الصبيان والنسوان والسكرى والسكران. ولابد في البيت الذي قبل الخرجة من: قال أو قلت أو قالت أو غنيت أو غنى أو غنت
قال: وقد تكون الخرجة أعجمية اللفظ بشرط أن يكون لفظها في الأعجمية سفسافاً نفطياً، رمادياً زطياً.
قال: والخرجة هي أبراز الموشح، وملحه وسكره، ومسكه وعنبره، وهي العاقبة وينبغي
أن تكون حميدة، والخاتمة بل السابقة وان كانت الأخيرة.) ا.هـ
ولا علاقة لما مضى من الكلام بمعنى الموشح باصطلاح أهل الموسيقى فهو عندهم شيء آخر لا علاقة له بالعروض ومثال ذلك قصيدة ( ته دلالاً ) لابن الفارضفقد لحنت بثلاثة أنماط من الألحان مختلفة القالب ، فلحنها عبده الحامولي على نظام
القصيدة العادي أي مرسلة اللحن لا إيقاع لها ، ثم لحنها إمام المنشدين الشيخ علي
محمود على طريقة الابتهالات الدينية ، وأخيراً لحنها الفنان الراحل الشيخ فؤاد محفوظ على قالب الموشح = التذوق الموسيقي ص 104 =
وقد أريد بالموشح كما يقول صاحب كتاب التذوق الموسيقي إخضاع الشعر للنغم لا كما كان يفعل الشرقيون من إخضاع النغم للشعر ، وقد بدأت هذه المشكلة منذ عهد أفلاطون الذي كان يرى أن الموسيقى هي التي تنجب الشعر ، وهي النظرية التي اعتنقها سيد درويش الذي شارك في صياغة كلمات نشيد مصر الوطني مع الأديب الراحل مجد الدين حفني ناصف ومؤلفه محمد يونس القاضي ، وكانت لجنة إعداد النشيد قد ارتأت أن تكون فاتحة النشيد مطلع خطبة مصطفى كامل المشهورة
( بلادي بلادي ، لك حبي وفؤادي )
ولما قيل لسيد درويش إن فقرة بلادي بلادي لا تعادل وزن " لك حبي وفؤادي " قال:
سأعالجها بالوزن فجاء الوزن سليما من جهة عدد الموازير = الكلمات الموسيقية =
وقد أتينا في غير موضع من هذه الموسوعة على ذكر الخلاف القائم بين أصحاب الغناء وعلماء العروض ، فمن ذلك ما ذكره الأصفهاني في أخبار أبي النضير = عمر بن عبد الملك البصري الجمحي بالولاء = قال : ( كان أبو النضير يزعم أن الغناء على تقطيع العروض ويقول : هكذا كان الذين مضوا يقولون . وكان مستهزئاً بالغناء حتى تعاطى أن يغني ، وكان إبراهيم الموصلي يخالفه في ذلك ويقول : العروض مستحدث والغناء قبله بزمان )
قال : وكان عبد الله بن هارون العروضي يقول أوزاناً من العروض غريبة في شعره
وهو من موالي قريش من أهل البصرة أخذ العروض عن الخليل بن أحمد فكان مقدماً فيه ، ثم أخذ ذلك عنه ونحا نحوه رزين العروضي فأتى فيه ببدائع جمة وجعل أكثر شعره من هذا الجنس
فمن ذلك قصيدته في مدح الحسن بن سهل التي مطلعها
قربوا جمالهم للرحيل # غدوة أحبتك الأقربون
ومن ذلك ما قاله أبو العتاهية عندما خرج عن قواعد العروض في قصيدته التي يقول
فيها
| للمنـــون دائرا | تٌ يــدرن صــرفها |
| ثــم ينتقيننــا | واحــداً فواحــدا |
فقيل له : هذا ليس من أوزان العروض ؟ قال : أنا أكبر من العروض
وكذلك لمّا قال مسلم بن الوليد أبياته التي منها
| يا أيها المعمود | قـد شـفك الصدود |
قيل له : هذا ليس بين أوزاننا ؟ = انظر الخفاجي القصيدة العربية ص 27 =
واتفقت كلمة شيوخ الأدب على أن مولد هذا الفن في الأندلس وأن مخترعه
مقدم بن معافر القبّري المولود عام 225 هجرية والمتوفى سنة 299
وطوره من بعده تلميذه ابن عبد ربه صاحب العقد الفريد ثم عبادة القزاز شاعر
المعتصم بن صمادح
ويمتاز الموشح بتعدد أشطاره وقوافيه وربما تعددت بحوره أيضاً ، إلا أن جماعة من
المهتمين به تكلفوا ضبط بعض أوزانه ، ومنهم الخفاجي في كتابه " القصيدة العربية "
ص 86 فعد في أوزانه ( مستفعلن فاعلن فعيل )
وهو مخلع ما في ذلك من شك
ومن الأوزان التي اختارها ( فاعلاتن فاعلن مستفعلن فاعلن )
وهو بحذف التفعيلة الأخيرة رمل
واستشهد لذلك بالبيت : كللي يا سحب تيجان الربى بالحلى
والصحيح كما أسلفنا أن الموشح مصطلح فني لا علاقة له بالعروض وهو يختلف عن
مفهوم الموشح عند الموسيقيين الذي ربما يجري على الكثير من الأوزان الخليلية وربما ينطلق متفلتاً من كل قيودها
وهذا ما جعل ابن سناء الملك يقول : ( ومنه الموزون ومنه غير الموزون وهو الكثير
والجم الغفير والعدد الذي لا ينحصر والشارد الذي لا ينضبط
وليس لها عروض إلا التلحين ولا ضرب إلا الضرب ولا أوتاد إلا الملاوي ولا أسباب إلا الأوتار )
قال فوزي سعد عيسى في كتابه " العروض العربي " ص 98 : ولذلك جعل اللحن لا
العروض المعيار الأساسي في نظم الموشحات وذهب إلى أن أكثر الموشحات لا يوزن بغير ميزان التلحين
وقد راجت هذه الفكرة في أوساط المستشرقين ، فذهب ماسنيون إلى ذلك بقوله : ليس
من وزن للموشح سوى اللحن والموسيقى
واتخذها بعضهم دليلاً على أن الموشحات تستند في أوزانها إلى العروض الأسباني
ومن أقدم الموشحات الباقية موشح " لما بدا يتثنى " وهو مجهول النسب ، مقام نهاوند
وأرى من المناسب هنا أن نختم الحديث عن الموشح ببيان الفرق بينه وبين الدور والطقطوقة
قال عدنان بن ذريل في كتابه " الموسيقى في سورية ص 271 " : ( حدثني المنشد سعيد فرحات قال : إننا في سورية لا نعرف الأدوار لأن الدور بالأحرى بضاعة مصرية أو اختراع مصري ، في حين نحن في سورية خدمنا القصائد والموشحات فقد لحن عمر البطش وحده 140 موشحاً
قال : والدور اليوم في مصر نفسها بحكم المنقرض تماماً ولا أحد يلحن فيه )
وهو ملك الفاصل الغنائي التقليدي كما قال عبد الحميد زكي ومعناه عود الشيء حيث
كان ، حيث يلتزم فيه الملحن بضرورة العودة إلى اللحن الأساسي بعد جولة غنائية يتم
بعدها الاستقرار على المقام الرئيسي أو أحد فروعه
وقد بني أصلاً ليكون تطويراً للموشح ، إذ يبدأ الدور بلحن أساس ثم يتكرر اللحن هذا
في مقطع ثان فيطور اللحن إلى أن تبدأ الآهات التي تدفع بالتطوير إلى ذروة الدور حين يظهر ما يذكر باللحن الأول من جديد
وهو من حيث كلماته نوع من الزجل ينظم متحرراً من فصاحة اللغة والأوزان
العروضية الشائعة ، ويسمى الجزء الأول منه بالمطلع وهو بمثابة المذهب في الطقطوقة
وكان الشيخ محمد عبد الرحيم الشهير بالمسلوب أول وأهم ملحني الأدوار في حقبة
العهد الذهبي للدور ، وساعده على ذلك أنه عاش مائة وخمسة وثلاثين عاماً أعطى
خلالها الموسيقى المصرية ما يقارب المائة دور وتوفي عام 1928
أما محمد عبد الوهاب فلم يضع في حياته سوى خمسة أدوار منها ( القلب يا ما انتظر )
ولم يغن إلا موشحاً واحداً سنة 1927 وهو ( يا حبيبي أنت كل المراد )
= انظر كتاب السبعة الكبار تأليف فكتور سحّاب ص 164 =
وأما الطقطوقة أو الأهزوجة : فهي نمط من الغناء البسيط الذي لا يعنى تمام العناية
بتلحينها تلحيناً فنياً دقيقاً ، ومن هنا كان العرب يقولون إن فلاناً لا يجيد إلا الأهازيج
وغالباً ما تكون لغتها هي لغة الشعب الدارجة ، فهي من الزجل لا الشعر الفصيح ،
وكانت في الأصل من أغاني النساء خاصة ، ولكنها أصبحت مما ينشده الرجال أيضاً
وتتألف الطقطوقة من مقطعين هما المذهب والأغصان ، فتبدأ المجموعة بغناء المذهب
ثم ينفرد المطرب بغناء أحد الأغصان ثم تعود المجموعة لترديد المذهب
ومن أمثلتها ( زروني كل سنة مرة ) " شعر : محمد يونس القاضي وألحان سيد
درويش "
وطقطوقة ( الحنة ) بلحنها القديم ولعلها أقدم طقطوقة وصلتنا منذ أكثر من ألف عام وقد ألفت بمناسبة زفاف قطر الندى بنت خماروية إلى المعتضد العباسي وهي :
( الحنة يالحنة يا قطر الندى )
وممن غناها السيدة فاطمة شاكر المشهورة باسم شادية
ومن الطقاطيق الوطنية طقطوقة ( يا بلح زغلولي ) التي لحنها سيد درويش وغنتها
منيرة المهدية إثر نفي سعد زغلول
إلا أن أشهر الطقاطيق التي سمت إلى مستوى القالب المصري " الدور " نظماً ولحناً
وأداءً هي طقطوقة ( ليه يا بنفسج ) تأليف محمود بيرم التونسي ، ألحان السنباطي
= انظر كتاب التذوق الأدبي لعبد الحميد توفيق زكي ص 117 =
وقد جمع الأستاذ أحمد شفيق أبو عوف الكثير من الأدوار والطقاطيق في كتابه
" التراث الموسيقي والغناء العربي "
وكذا الأستاذ مجدي العقيلي في كتابه " السماع عند العرب "
والأستاذ نديم الدرويش في كتابه " من كنوزنا " في الموشحات والسماعيات.
وانظر (جيش التوشيح) للوزير لسان الدين ابن الخطيب (ت 776هـ) حققه وترجم لشعرائه هلال ناجي، ويضم (165) موشحا لستة عشر وشاحا من القرن السادس الهجري. وانظر (نشر الشعر وتحقيقه في العراق/ 152 – 153)