البحر المقتضب

بحر الغناء العربى القديم وملك البحور كما سماه أبو العلاء المعرى

وسمي بالمقتضب لأنه اقتضب ـ أي اقتطع ـ من المنسرح بحذف التفعيلة الأولى

فالمنسرح (مستفعلن مفعولات مستفعلن)

والمقتضب ( مفعولات مفتعلن )

وهو عند حازم ( فاع لن مفاعلتن )

وقد خالف العروضيين عندما أوجد في هذا البحر تفعيلة " فاع لن "

المؤلفة من وتد مفروق " فاع " وسبب خفيف " لن " وترتب على ذلك خلاف طويل انظر تفاصيله في كتب العروض وخاصة كتاب " الجانب العروضي عند حازم "

وهو فيما رأى الطيب : بحر شهواني فيه دعارة

وقد غنت فيروز منه أبياتاً لأبي نواس " تلحين عزيز غنام " وهي

الأغنية المشهورة " حامل الهوى تعب "

وأقدم أغاني المقتضب ما نقله ابن عبد ربه في العقد أن النبي " ص " مرَّ بجارية في

ظل فارع وهي تغني

هـــل علـــيَّ ويحكـــمُ إن لهـــوتُ مــن حــرجِ

فقال : لا حرج إن شاء الله

ومن جميل ما يروى منه رثاء الحصري ولده عبد الغني وهي مائة وعشرون بيتاً أولها

أثكلـــــت بأزهرهــــا فهـــر يـــا لمعشــرها

قال الخليل : والمراقبة في " مفعولات " ضرورية بين الفاء والواو

فلا يجتمعان معاً ولا يحذفان معاً وإنما إذا ثبتت الواو ذهبت الفاء

قال أبو العلاء في الفصول ص 75 : ( وعدة حروف المقتضب أربعة وعشرون حرفاً ما يجوز أن تزيد أو أن تنقص بزحافٍ ولا خرم وليس في الأوزان وزنٌ يلزم طريقة واحدة فلا يزيد ولا ينقص منه شيء غيره)

لذلك لا يصح قول من قال إن ( فعلاتُ مفتعلن ) مقتضب

وحجتهم قول الشاعر ( صرمتك جاريةٌ # تركتك في نصب )

وهو وإن صح في تقطيعه على ( فعلات مفتعلن )

إلا أنه في حقيقته من مجازيء الكامل ( متفاعلن فعلن )

وقد أنكره الأخفش وتابعه الجوهري وخالفهما حازم ورأى فيه حلاوة قليلة مع طيش

= موسيقى الشعر ص 93 =

قال جلال في صدد حديثه عن مخلع الرمل ص 334:

( وزعم أبو العتاهية أنه صنع وزناً ضاهى به مدق القصار ومنه قوله

للمنــــــــون دائرا تٌ يـــــدرنَ صـــــرفها
فـــــاعلات فــــاعلن فـــــاعلات فــــاعلن

وإنما هو المقتضب ولكنه وقف عليه وسكَّن ضربه فانقلب إلى ما نحن في صدده من الرمل قال :ومثله

حـــفَّ كأســها الحبــبْ فهــــيَ فضــــَّةٌ ذهـــبْ

ومن هنا ساغت فيه " أي في مخلع الرمل فاعلاتُ المكفوفة =أي التي حذفت

النون منها = ونظيرتها المشكولة أي التي حذفت منها الألف والنون" فعلاتُ "

فإذا حركت الباء في البيت

حـــفَّ كأســها الحبــبُ فهــــي فضـــَّة ذهـــبُ

كان من المقتضب )

ومن هذا الوزن قصيدة إلياس أبو شبكة

نــاقم علــى الســماء حاقـــد علـــى البشــر

وهو شاعر مطبوع ، استطاع أن يطوع كثيراً من الأوزان ويتصرف فيها بحرية

وشفافية مكنته من اختراق بعض بحور الخليل من غير أن يخل بقواعد العروض

كالقصائد التي تصرف فيها بوزن المخلع ومنها القصيدة التي يقول فيها

وليت كوبي يا ليل يبقى أسـقي حبيـبي منه وأسقى

وأخرى يقول فيها :

يــــا حــــب عـــذب عــــــذب فــــــؤادي

والتي يقول فيها

يـا حـب قل لي من أرسلك أســاحر أنــت أم ملـك

والقصيدة التي تصرف فيها بوزن المجتث والتي أولها

( يا حلو ما في العيون )

وانظر (رحلة في البحر المقتضب) مجلة التراث العربي (ع34 سنة1989م)