الأبيات 33
أناديــك لــو رد النــداء رميــم وأبكيــك لــو أجــدي عليـك سـجيم
وهـل يحفـل الميت الذي غاله الردى ســـلاه خليـــلٌ أم بكـــاه حميــم
ويـا ليـت لـي دمعـاً عليـك أريقـه ولكـــن جفنــي يــا أخــي عقيــم
سـأبكي عليـك النـاس حـتى تخـالهم يتــامى دهــاهم يــوم بنـت عظيـم
وماذا يقيد الميت في القبر قد ثوى دمــوعٌ علــى الأيــام ليــس تـدوم
وهبهــا علـى الأيـام سـحت غمائمـا أيرجـــع ميتـــاً صــوبها فيقــوم
وكيــف أجـازي طيـب عهـدك بـالبكى ولــو أن عينــي بالــدماء ســجوم
فبعـداً لهـذا العيـش بعـد فراقكـم فليــس لعيــش بنــت عنــه نعيــم
ولا مرحبــاً بالــدار لسـت قطينهـا ولـــو أن أجـــر البنــاء نجــوم
عرفتـــك والأيـــام بيــضٌ حميــدة فصـــرت وأيـــامي لبعـــدك شــيم
كأنـا الألـى متنـا وهل يألم الردى سـوى الحـي لا الفـاني فـذاك سـليم
وليـس غـبين القـوم من غاله الردى ولكــن مــن يخطيــه فهــو مقيــم
ولـو خيـر الأمـوات مـا اختار واحدٌ حيـــاةً ولا قــال الحمــام ذميــم
يـروع الفـتى ذكـر الحمـام ووقعـه ويرتــاع مــن ذكـر الحيـاة رميـم
خلقنــا ومــا نــدري لأيــة غايـةٍ علــى المــوت منــا هجمـةٌ وقـدوم
وكـل امـرئٍ فـي العيـش طـاب غيـاةٌ ومــن خلفــه هــذا الحمـام غريـم
فيــا شـقوة الإنسـان يجنيـه سـعيه ثمـار الـردى المشـنوء وهـو نعيـم
ولـم أر مثـل العيـش أزهاره الردى ولا عاصــفاً كــالموت وهــو نســيم
كـذبتك لـم أجـزع عليـك وقـد رمـى فــؤادك مــن نيــل القضـاء ظلـوم
نجــوت مــن الـدنيا نجـاءً نفسـته عليـــك ولــو أن الفــراق أليــم
تمــر الليــالي لا تحــس صــروفها فيــا ليتنـي فـي الهـالكين قـديم
كأنــك مــا مــادت بعطفيـك قرحـةٌ ولا جشـــأت دون الضـــلوع همـــوم
ولـم تـك فـي الـدنيا لقلبي مطربا ولا صــرت خطبــاً ضــاق عنـه حزيـم
كأنــك مــا دبـت بـك الرجـل مـرةً لمـــأرب عيـــشٍ تبتغـــي وتــروم
كأنـــك مــا آذاك بــردٌ ولا لظــى ولا كــر مــن بعــد النهـار بهيـم
ولا أطــرف الخلان فــي ســامرٍ لهـم فصـــيح ولا عــاطى الســلاف نــديم
كأنــك لــم تخلـق سـوى أن أكيـداً ذواكـــر تفريهـــا عليــك غمــوم
سـقيت الردى في ميعة العمر والصبا وأوكـى علـى مـا فـي العيـاب أثيم
فيــا ويـح للإنسـان يحيـا وينقضـي كــأن لــم تــورثه الحيــاة رؤوم
ومـا نحـن إلّا الهـاجمون على الردى فنفــس الفــتى عــونٌ لــه وخصـيم
وكــل امــرئٍ يحـدوه للمـوت حينـه وللمــوت جــذبٌ لــو فطنــت وخيـم
ومــا أحــد بــاقٍ وســوف يضــمنا وإيـــاك بطــن الأرض وهــي جســوم
لقـد كـان ظنـي أن يقـدمني الـردى عليـــك ولكـــن الزمـــان لئيــم

إبراهيم بن محمد بن عبد القادر المازني.

أديب مجدد، من كبار الكتاب، امتاز بأسلوب حلو الديباجة، تمضي فيه النكتة ضاحكة من نفسها، وتقسو فيه الحملة صاخبة عاتية.

نسبته إلى (كوم مازن) من المنوفية بمصر، ومولده ووفاته بالقاهرة.

تخرج بمدرسة المعلمين، وعانى التدريس، ثم الصحافة وكان من أبرع الناس في الترجمة عن الإنكليزية.

ونظم الشعر، وله فيه معان مبتكرة اقتبس بعضها من أدب الغرب، ثم رأى الانطلاق من قيود الأوزان والقوافي فانصرف إلى النثر.

وقرأ كثيراً من أدب العربية والإنكليزية، وكان جلداً على المطالعة وذكر لي أنه حفظ في صباه (الكامل للمبرد) غيباً، وكان ذلك سر الغنى في لغته.

وعمل في جريدة (الأخبار) مع أمين الرافعي، و(البلاغ) مع عبد القادر حمزة وكتب في صحف يومية أخرى، وأصدر مجلة (الأسبوع) مدة قصيرة، وملأ المجلات الشهرية والأسبوعية المصرية بفيض من مقالاته لا يغيض.

وهو من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة.

له (ديوان شعر - ط)، وله: (حصاد الهشيم - ط) مقالات، و(إبراهيم الكاتب - ط) جزآن،قصة، و(قبض الريح - ط)، و(صندوق الدنيا - ط)، و( ديوان شعر - ط) جزآن صغيران، و(رحلة الحجاز - ط) و(بشار بن برد - ط)، وترجم عن الإنكليزية (مختارات من القصص الإنجليزي - ط) و(الكتاب الأبيض الإنجليزي - ط).

1949م-
1368هـ-

قصائد أخرى لإبراهيم عبد القادر المازني