سَرَقَ اللصُّ وهو رَبُّ الدهاءِ
الأبيات 68
ســَرَقَ اللــصُّ وهـو رَبُّ الـدهاءِ بعـض مـالٍ ممن جيب عبد الثراءِ
باحتيـــالٍ ودربــةٍ واحــترازٍ كــان منهـا أليـفِ الـف عنـاءِ
لبـسَ الخوفَ واكتسى الرُعبَ القى بيــــــديه حيـــــاتهُ للبلاءِ
كـان هـذا التمـاسَ قُـوتِ عيـالٍ ضـاق عنهـا بالبؤس رَحبُ الفضاءِ
يــالحي اللـه خلَّـةً مـذ المَّـت دفعتـــهُ للخطـــة الشـــنعاءِ
لا لعمــري ماكــان ذيّـاك لصـّاً لــو تربــى مــن معشـرٍ فضـلاءِ
هـــذَّبوهُ واكســـبوهُ نشـــاطاً واجتنــابَ الأضــرارِ والأســواءِ
علَّمـوهُ علـى النفـوسِ اعتمـاداً يُنتـج الـدأب للغنـى والنمـاءِ
إن جرثومــةَ الــرذائلِ فينــا ولَـــدَت مــن تهــاونِ الآبــاء
صــبيَةٌ بعضــهم يســبق البعـض هــزالاً بفعــل ســوء الغــذاءِ
وبنــاتٌ تســمو الملائكِ حســناً باكيــاتٌ يرزحـن تحـت الشـقاءِ
حَـــولَ أُمٍ تقرَّحـــت مقلتاهــا مـــن عـــوادي الاقلال والأرزاءِ
تلبــس العُـري لا كسـاءٌ يقيهـا لفحــةُ الـبرد لا وقـود اصـطلاءِ
كـم نهـارٍ كـم ليلـة قد قضتها بيـــن نــوحٍ وحســرة ودعــاءِ
شـــُرُفاتلإ بلا ســـُدُولٍ وســـَقفٌ دام بـالوَكفِ ممطـراً سـُحبَ مـاءِ
لا بســـاطٌ ولا فِـــرَاشٌ وَ ثيــرٌ لا ســرَاجٌ ينيــل بعـضَ الضـياءِ
ظُلُمــــاتٌ صــــَوَاعقٌ وبـــروقٌ وريــاحٌ تهــبُّ فصــل الشــتاء
اصـبح القـبر عنـدها خيـرَ صرحٍ والممـات الممـات عيـنَ الهناءِ
قَعــدَ الــزَوجُ برهـةً دون صـُنع فيــهِ كَســبٌ كســائِر البلـداءِ
صــار لصــاًّ يرجـو بـذك نجـاةً مــــن بلاءِ الاعســـار واللأواءِ
رَقَــبَ الصــيرفيَّ بعـد انصـرافٍ وهو يمشي في السوق وقت العشاءِ
فــدنا منــهُ والفــؤاد هلـوعٌ فــي طريـقٍ خَلَـت مـن الرقبـاءِ
مــدَّ كفًّــا بخفــةٍ نحــو جيـبٍ فيــه ألــفٌ مــن فضـَّةٍ بيضـاءِ
ســلب المـال ثـم اسـرع يعـدو بيــن يــأس وخشــيةٍ ورجــاء
بلــغَ الـبيتَ بعـدَ جهـدٍ مُـذِيبٍ آمنــاً مِــن ســعايةِ النظـراءِ
بفــؤادٍ يبغـي الكفـافَ ليحيـى وضــميرٍ يخــاف ســُخطَ السـماءِ
وَلـجَ الـدارَ طافِـحَ الوجهِ بِشراً حاســباً نَفســهُ مــن الأغنيـاءِ
افـرغ المـال ضـاحكاً بين ايدي فتيــةٍ يجهلــون طعـمَ الحسـاء
فَـرِحَ الكـلُّ بـالغنى بعـد فقـرِ ثــم نــاموا بغبطــةٍ وعــزاءِ
اشـرفَ الجـارُ بغتـةً فـوق سـطحٍ مـذ وعـى السـرَّ عـادَ كالحَرباءِ
كـم لئيـمٍ مـن مثـل ذا يـتزيى زِيَّ أهــل الاخلاص وهــو مُــرآءِي
يَـزرعُ الشـرَّ موضـعَ الخيرِ بغياً انمــا البغـيُ شـيمة اللؤمـاءِ
راح يســعى بجــارهِ دون نفـعٍ لـذوي الحكـم تحـت ستر الخفاءِ
قَــرَع البـاب شـرطةٌ بعـد نصـف الليـل هـبَّ النيـامُ بـالبرداءِ
عــاينوا الطُـرق عاصـَّةً بـالوفٍ يزعجـــونَ الآفــاقَ بالضوضــاءِ
غـادروا النـومَ ركَّضـاً دون سترٍ غيــرَ سـِتر السـماءِ والظلمـاءِ
بعضــهم بالزحـام يسـحق بعضـاً ســـائلينَ الشــُرطيَّ بالايمــاءِ
أي ويـــلٍ وايّ خطـــبٍ دهانــا تلـك حـال الفضـول فـي الجهلاءِ
امسـكوا اللـص بعـد ضـربٍ وشتمٍ كبَّلــــوه ســـاقوهُ للايـــذاءِ
بيـن نـدبٍ يفتّـت القلـبَ حُزنـاً وعويــل الأولادِ بعــد النســاءِ
ليــس يــدري أيقظـةٌ أم منـامٌ مــا رأى مــن مصــيبةٍ دهمـاءِ
طرحــوهُ فـي السـجن بيـن مئاتٍ مـــن رجــالٍ زَعــانفٍ ســفهاءِ
حرَّضـوهُ علـى ارتكـاب الـدنايا والمعاصـي حـتى لسـفكِ الـدماءِ
كــان قبلاً يخــافُ ســرقةَ مـالٍ اصــبح اليـوم أجـراَ الأشـقياءِ
تلـك حـال السـجون مذ ألف عامٍ فــي بلاد الجُهَــالِ والأغبيــاء
انمـــا الســجن رادعٌ لــذويهِ عــن فعـال الطغـام والارديـاءِ
فيــهِ علــمٌ صــنائعٌ واشـتغالٌ يكســب المــرء حالـة الادبـاء
محكَـم الوضـع مُتقـن الصُنع زاهٍ صــالحُ العيــش جـالبٌ للرخـاءِ
فيـهِ كُتـبٌ تهـذّب الخُلـق قسـراً فيــهِ طــبٌّ يزيــلُ أَعضــلَ داءِ
فيــهِ قـومٌ ليرشـدوا كـلَّ غـاوٍ بحـــــديثٍ ذي حكمـــــةٍ وجلاءِ
هكــذا السـجن فـي بلادِ حَبَاهـا مالكوهــــا ذرائعَ الارتقـــاءِ
لا كســجنٍ حــوى جحيــمَ شــرورٍ فيــهِ تنمــو نقـائصُ الادنيـاءِ
زوجـةُ اللـصّ بـادرَت بعـدَ شـهرٍ نحـو مَغنـى رئيـسِ رَهـط القضاءِ
حــالَ دون اللقـاءِ حُجَّـاب بـابٍ نَفَحَــــت بليــــرةٍ صــــفراءِ
ادخلوهــا مقصــورةً ذات عــرشٍ فــوقهُ مــاكرٌ كــثيرُ الريـاءِ
قبَّلــت هــدبَ ذيلــهِ ثـم خَـرَّت فرماهـــا بنظــرةِ الكبريــاءِ
ســـألتهُ فكـــاكَ زَوجٍ أثيـــمٍ رحمـــةً بالبنـــاتِ والابنــاءِ
وحَبَتــهُ بعــضَ المئاتِ نقــوداً فاحتواهـــا بغلظـــةٍ وجفــاءِ
قــال هلاَّ ارضــيتِ بعـضَ رفـاقي فقـــوامُ الـــرؤوس بالاعضــاءِ
خرجــت تســبلُ الـدموعَ غِـزاراً نحــو قــاضٍ يعــتزُّ بالفحشـاءِ
رامَ منهــا لكــي تنـالَ رضـاهُ مـا يـرومُ السـفيهُ مـن حسـناءِ
هالهـا الأمـرُ أعـولت ثـم وَلَّـت دون جـدوى مـن فاسـدِ الحوبـاءِ
لــزم السـجنَ زوجُهـا ولصـوصُ ا لحـــق فـــازوا بســؤددٍ وعُلاءِ
واللصـوصُ الكِبـار صـاروا قُضاةً للُّصــوصِ الصـغار اهـل الشـقاءِ
سلبوا المالَ عنوةً واستباحوا م العـرض جهـراً وهـم من العظماء
واذا قيـلَ مـن لَنيـل المعـالي قيــلَ هــذا وذاكَ دون امـتراءِ
واذا عُــدّ مَعشـَرُ الفضـلِ يَومـاً حســـبوهم مــن أفضــل العقلاءِ
أبهـــذا ومثـــل هــذا صــلاحٌ لا وربّ الأنبــــاء والانبيـــاء
سليم عنحوري
104 قصيدة
1 ديوان

سليم بن روفائيل بن جرجس عنحوري.

أديب، من الشعراء، من أعضاء المجمع العلمي العربي، مولده ووفاته في دمشق، تقلد بعض الوظائف في صباه.

وزار مصر سنة 1878م، فتعرف إلى السيد جمال الدين الأفغاني واتصل بالخديوى إسماعيل، وأنشأ مطبعة "الاتحاد" وصحيفة "مرآة الشرق" ولم يلبث أن أقفلهما، وعاد إلى دمشق، فتولى أعمالاً كتابية، وأكثر من مطالعة كتب "الحقوق" واحترف المحاماة حوالي سنة 1890 ثم كان يقضي فصل الشتاء من أكثر الأعوام في القاهرة، فأصدر فيها مجلة "الشتاء" وكان كثير النظم، قليل النوم، أخبرني بدمشق (سنة 1912) أنه منذ ثلاثين عاماً لم ينم أكثر من ثلاث ساعات في اليوم، تتناوب بناته السهر معه، يخدمنه ويكتبن ما يملي من نظم وغيره.

له: (كنز الناظم ومصباح الهائم-ط) الجزء الأول منه، و(آية العصر-ط) نظم، ومثله (الجوهر الفرد-ط)، و(سحر هاروت-ط)، و(بدائع ماروت-ط)، وله (كتاب الجن عند غير العرب-ط)، و(حديقة السوسن) نشرها في مجلتي الضياء والشتاء.

1933م-
1352هـ-