هذه ترجمة ابي بكر العيدي في الخريدة عدا القصائد وكان العماد قد نقل ترجمة له مختزلة عن نجم الدين ابن مصال ثم عثر لاحقا على كتاب عمارة في تراجم شعراء اليمن، وفيه هذه السيرة المطولة للعيدي، وهو من شيوخ عمارة وبه توصل إلى ملوك عدن قال:
أبو بكر بن أحمد بن محمد العيدي اليمني وزير صاحب عدن، ذكره نجم الدين بن مصال وذكر أنه يعيش. وحكى أن شاباً من الاسكندرية يعرف بأحمد بن الأبي سافر إليه وانتفع من جانبه وأن أحمد ذكر عنه أنه عمل أبياتاً يهنىء بها الداعي بعدن بطهور أولاده من جملتها
| كذُبالَــةِ المِصـْباح يَقْضـي قَطُّهـا | عنـد الخمُـود لهـا بقُـوّة نـارِهِ |
قال فقال لي يصلح أن يكون لهذا البيت توطئة قبله وعمل:
| أَخْذٌ من العُضْو الشَريف قضَى له التَّ | أْثيــر فيــه بمقُتضــَى إِيثـارهِ |
وبعده:
| كْذبالِــة المِصــباح يَقْضـي قَطُّهـا | عنــد الخمُـود لهـا بقـوّة نـارهِ |
وأنشدني له ابن الريحاني المكي، وذكر أنه ضرير وهو كاتب السلطان علي:
| تَحَـدَّثَ سـاري الرَّكْـب عنكـم بأَوْبَةٍ | تَنَسـَّم أَنفـاسَ السُّرورِ بها الْقلْبُ |
| فيـا مِنَّـةً لِلْعيـس إِذ أَدْنَتِ النَّوى | ويـا حَبَّـذا مـا عَنكمُ حَدَّث الرَّكبُ |
ولما استولى شمس الدولة تورانشاه بن أيوب على عدن وجده بها حياً، وذكر لي أنه نهب له مال كثير ودفاتر، وعدد وذخائر. وسألت عنه أصحاب الملك المعظم شمس الدولة عند عوده إلى دمشق في شهر رمضان سنة إحدى وسبعين، فذكروا أنه شيخ كبير، وهو ضرير، وله فضل غزير، ومحل عزيز، وجاه حريز.
ثم طالعت مجموع عمارة الشاعر اليمني في ذكر شعراء اليمن فوجدته قد أثنى على أبي بكر العيدي من عدن وقال: ومنهم من جعلت ذكره فارس الأعقاب، وجمال ما مضى وما يأتي من الأحقاب، وزير الدولة الزريعية وصاحب ديوان الإنشاء بها ووصفه بصدق اللهجة، وحسن البهجة، والدين الحصين، والعقل الرصين، والسؤدد العريض، والكرم المستفيض، والتواضع الذي لا يضع من رتبته العالية، ولا يرخص من قيمته الغالية، وأما البلاغة فهو إمامها، وبيده زمامها، ولخاطره هداية النجم الساري، وسلاسة العذب الجاري، وأما عبارته فلا يشوبها لبس، ولا يعوقها حبس، فسيح في الإطالة مجاله، موف علي الروية ارتجاله، يكاد نظمه أن يبتسم ثغره، ونثره أن ينتظم دره. وقال إن له بلاغة تشهد عذوبة مطبوعها، بكرم ينبوعها، وألفاظاً تدل معانيها، على فضل معانيها.
وأما مولده فمن أهل أبين وهو أبين عدن، قال ولما ترعرع عني بنفسه، وكان ينزل إلى عدن وهي من وطنه على ليلة فيجتمع بالعلماء الواصلين من الآفاق إلى موسم عدن ولازم الطلب، حتى تفقه وتأدب، ونظم ونثر، وكتب وحسب، ولم يزل في عدن وجمر فضله مستور بالرماد، وغمر معينه مغمور بالثماد، إلى أن مات محمد بن غزي كاتب الشيخ بلال بن جرير صاحب عدن، فتنبه بلال عليه، وأرشده رائد السعادة إليه، فجعله كاتبه، بل صاحبه.
وذكر أنه حكي له أنه كان محمد بن غزى إذا أراد أن يكتب عن بلال كتاباً أو يرد جواباً لم يستقل بنفسه دون الحضور بين يديه حتى يملي عليه مقاصد الكتاب ثم لا يختمه حتى يلحق بلال بين سطوره بخطه ما وقع الإخلال به في اللفظ والمعنى، فلما كتب له الشيخ الأديب اعتقد بلال أن الأديب مثل ابن غزى في جمود طبعه، وخور نبعه، وثمد معينه، وعدم معينه ونبوة كلامه، وكبوة أقلامه، وقصر رشائه، وفقره من فقر إنشائه، وشتان بين عزة فارس القلم، وذلة راجل الجلم، فألقى بلال إلى الأديب كتباً وردت عليه، وقال قف عليها وتصفحها حتى نخلو من مجلس السلام فأملي عليك مقاصدها، فكتبها الشيخ الأديب في ذلك المجلس في لحظة ودفعها إليه وقد كتب عنوان كل كتاب منها، فلما وقف عليها بلال قال: لم تزد والله على ما في نفسي من الجواب شيئاً ولم تنقص عنه، ففوض إليه واعتمد عليه.
وذكر أنه استأذنه يوماً على ما يجيب به عن كتب وصلت إليه، ويثيب به آخرين وفدوا عليه، فقال له يا مولاي الأديب، الدولة دولتك، والمال مالك، فأجب، وأثب، كيف شئت، وبما شئت .
وذكر أن الأديب أبا بكر كان من سؤدده أنه إذا سمع بقدوم قافلة إلى البلد خرج إلى الباب واستخبر عمن فيها من الأدباء والفقهاء، فإذا ظفر منهم بأحد بالغ في إكرامه واستخلاص بضاعته إن كان تاجراً، وإن كان باعه في الأدب قصيراً عمل له الشعر على لسانه واستنجز له الصلة، ثم أنزله مدة مقامه وزوده عند رحيله.
قال عمارة في مجموعه وهذه القصة جرت له معي، فإني قدمت عدن وأنا حينئذ لا أحسن الشعر، فعمل قصيدة على لساني، حتى فزت عند صاحب عدن بالأماني، فلما عزمت على السفر قال إنك قد اتسمت عند القوم بسمة شاعر، فانظر لنفسك وطالع كتب الأدب ولا تجمد على الفقه وحده، فإن فضيلة اللسان حلية الإنسان، ثم قدمت في العام الثاني وقد علمت شعراً أصلح من الأول ومعي إنسان جمّال، فقال لي الأديب ما رأيك أن تنفع هذا الإنسان بشيء لا يضرنا، قلت: وما هو؟ قال نعمل قصيدة على لسانه، ففعل واستنجز له صلة من الداعي محمد بن سبأ. فلما انفض الجمع دعاني الداعي وقال إذا
سألتك عن شيء تنصحني؟ قلت: نعم، قال أظن أن هذا الإنسان الذي أخذ له الأديب الدنانير جمّالاً، قلت: هو والله جمّال وإنما فضل طباع الأديب ومعونتكم له على فعل الخير صيرت هذا ومن يجري مجراه شاعراً، فضحك الداعي وأعاد الجمّال فزاده ذهباً.
قال ومن أَخباره أَنّ إِنساناً يقال له أَبو طالب ابن الطّرائفي مدح الدّاعي محمد بن سبأ في سنة ستّ وثلاثين بقصيدة أَبي الصلت أُميّة التي مدح بها الأَفضل وأَوّلها:
| نَســخَتْ غـرائبُ مَـدْحِك التَّشـبيبا | وكفــى بــه غَـزلاً لنـا ونسـيبا |
ومنها:
| وأَنــا الغريــب مكـانُه وبيـانُه | فاجُعـل نوالـك في الغريب غَريبا |
ثم أَهدى الرَّشيدُ ابن الزُّبيرَ ديوانَ أَبي الصلت إِلى الدّاعي محمّد بن سبأ فوجد القصيدة فيه، فكتب إِلى الأَديب أَبي بكر بعَدَن كتاباً يأْمره فيه بتسيير القصيدة إِليه إلى الجبال فنسخها الأَديب بخطّه وزاد في آخرها اعتذاراً عن ابن الطّرائقي، وكان قد مات، قوله:
| هـذي صـفاتُك يـا مَكيـن وإِن غـدا | فيمَــنْ ســِواك مَـديحُها مغصـوبا |
| فــاغفِر لمُهــديها إِليــك فـإِنّه | قـد زادَهـا بِشـَريفِ ذِكـرك طِيبـا |
وذكر أَنّه حدّثه الفقيه أَبو العبّاس أَحمد بن محمد بن الأُبِّيّ قال: أَذكر ليلةً أَنا أَمشي مع الأَديب على ساحل عَدَن وقد تشاغلتُ عن الحديث معه فسأَلني في أي شيء أنت مفكر؟
فأَنشدته:
| وأَنظـرُ البـدرَ مرتاحـاً لِرؤيتـه | لعـلَّ طـرف الـذي أَهـواه ينظـرهُ |
فقال لمن هذا البيت؟ قلت: لي، فأَنشدَ مُرْتجِلاً:
| يـا راقِـدَ الليلِ بالإِسكندريَّة لي | مَـنْ يسهرُ الليلَ وَجْداً بي وأَسهُرهُ |
| أُلاحــظ النَّجْــمَ تَـذْكاراً لرُؤّيَتـه | وإِنْ مَــرى دمـعَ أَجفـاني تَـذَكُّرهُ |
| وأَنظــرُ البـدرَ مُرتاحـاً لرؤيتـه | لعـلَّ طَـرْف الـذي أَهـواه ينظُـرهْ |
قال: ثم سمعت أنَّ بصَره قد كُفّ، فعلمِتُ أَنّ الأيّام طَمَست بذلك مِنْهاج جَمالها، وأَطفأَت سِراج كَمالها، فأَجناه الله ثمر الخير الذي كان يغرِسُه، وحَرَسه ناظِرُ الإِحسان الذي كان يرعاه ويحُسِره، فتزايدتْ وَجاهته، وتضاعفت رفعتُه ونباهته، وأَراد الزمانُ أن يَخفِضَه فرَفعَه، وأَن يَضُرَّه فنفَعَه.
وذكر أَنّ الدّاعي عمران بن محمد بن سبأ بن أبي السعود بن زُرَيْع اليامي لمّا وقف الأَديبُ يُنشده قصيدةً عملها فيه، بعد انعكاس نور البصر من ناظره، إِلى بَصيرَة خاطره، حمل إِليه أَلفَ دينار واعتذر ولَطَف له في القول لُطفاً يسلّي الحزين، ويستخفّ الرَّزين، ثم لم يَرْضَ بذلك حتى أَمر مُنادياً فنادى في النّاس من دخلَ دارَ الشيخ الأديب فهو آمن.
قال: والشعرُ الجيّد الرائق الفائق أَقلُّ خِصاله، وأَكَلُّ نِصاله.